آراءتراث

إعادة قراءة أسطورة غوردون والزبير باشا

مختار بلال عبد السلام

غردون باشا حاكم السودان
غردون باشا حاكم السودان

 غالبًا ما يُصوَّر “التدافع على أفريقيا” في أواخر القرن التاسع عشر في التاريخ الغربي على أنه صراع ثنائي بسيط: بعثات التنوير والتمدن الأوروبية التي تروج لحقوق الإنسان في مواجهة الطغاة المحليين الذين يستغلون شعوبهم. ومع ذلك، يكمن في تاريخ حوض النيل حقيقة أكثر تتطلب الغوص في أغمارها لمعرفة الحقائق. تكشف المنافسة الشرسة بين الجنرال البريطاني تشارلز جورج غوردون والزبير رحمة منصور باشا كيف استُخدمت الحملة العالمية ضد تجارة الرقيق في كثير من الأحيان كغطاء استراتيجي للتوسع الاستعماري. وعندما نتجاوز مذكرات العصر الفيكتوري، يبرز سؤال ملح: هل كان الزبير حقًا “ملك الرقيق” المتوحش في الأسطورة البريطانية، أم كان رجل دولة وشخصية براغماتية استغله، ثم دمره الجشع الإمبريالي؟

بحلول أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، كانت القوى الأوروبية تسعى جاهدة للاستحواذ على إرث الإمبراطورية العثمانية المتداعية. وبموجب مؤتمر لندن عام 1840، كان السودان من الناحية الفنية تابعًا لمصر، لكن المصالح الرأسمالية الأوروبية كانت تتوسع بسرعة. بينما صاغ مؤتمر برلين التاريخي في الفترة 1884-1885 قوانين دولية تحظر تجارة الرقيق، إلا أن خطابه الإنساني غالباً ما أخفى طموحاتٍ كبيرة. فإلى الغرب من السودان، حوّل الملك ليوبولد الثاني دولة الكونغو الحرة إلى كارثة إنسانية تحت ستار “مشروع خيري”، حيث ارتكب جرائم قتل وحشية بحق عمال المطاط الذين لم يستوفوا تجميع حصص المفروضة عليهم. وفي السودان، تكرر سيناريو مماثل. فقد سعت القوى الأوروبية إلى فصل مصر عن السودان، ومنع قيام دولة شرق أوسطية موحدة وقوية، بينما استنزفت ثروات المنطقة الخام بشكل ممنهج.

غردون باشا
غردون باشا

عند دراسة تجارة الرقيق في السودان نجد إن الرواية التي تزعم أن العرب الشماليين كانوا وحدهم مدبري تجارة الرقيق السودانية هي رواية غير دقيقة تاريخيا. فقد اتسمت العلاقة بين مركز الحكم في السودان ومناطقه الطرفية بالاستغلال لقرون، امتدت عبر مملكتي الفونج والفور، والعصر التركي المصري، والدولة المهدية. عندما زار المستكشف البريطاني صموئيل بيكر الخرطوم عام 1862، لاحظ أن تجار الرقيق الرئيسيين على النيل الأبيض لم يكونوا عربًا من شمال السودان، بل شبكة من الأتراك والأقباط والسوريين والمغامرين الأوروبيين. في عام 1853، حفزت شركات أسسها القنصل البريطاني جون بيثريك ودبلوماسيون أوروبيون آخرون هذه التجارة. بدأ هؤلاء التجار الأوروبيون برحلات استكشافية قانونية للحصول على العاج، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن صيد البشر يدرّ أرباحًا أكبر بكثير من صيد الأفيال. علاوة على ذلك، اعتمدت التجارة على الشبكات المحلية، حيث كانت قبائل جنوب السودان تشن غارات على بعضها البعض بشكل روتيني. على سبيل المثال، قام زعيم قبيلة الزاندي، موبوي، بالاتجار بآلاف الأسرى الذين تم أسرهم من الدول المجاورة. كان الاتجار بالبشر مأساة اقتصادية مؤسسية ذات جذور عميقة مشتركة عبر قارات وقبائل متعددة.

في ذلك الوقت بنى الزبير رحمة إمبراطورية تجارية واسعة النطاق من خلال تأمين تجارة العاج بجيش خاص غير نظامي عالي الانضباط يُعرف باسم البازنجر، مسلحين ببنادق. شكل البازنجر مربعات عسكرية هائلة جعلت الزبير سيدًا مطلقًا على غرب بحر الغزال. ولعدم قدرته على هزيمته، اختار الخديوي المصري إسماعيل ضمه، وعينه رسميًا واليًا على مديرية خط الاستوائية. في عام 1874، استخدم الزبير جيشه لغزو سلطنة دارفور لصالح الإمبراطورية المصرية، وحصل على لقب باشا. ومع ذلك، اصطدمت رؤية الزبير السياسية بالإدارة المركزية في القاهرة. بدلاً من فرض ضرائب باهظة على سكان دارفور الفقراء الذين تم غزوهم حديثًا لسداد ديون مصر الأوروبية الضخمة، دعا الزبير إلى الحكم الذاتي المحلي. واقترح مشروع مصالحة لإعادة أسرة سلطان دارفور إلى السلطة كدولة تابعة. أثارت هذه الدبلوماسية المحلية غضب المسؤولين المصريين والإداريين البريطانيين مثل الجنرال غوردون، الذين اعتبروا سلطة الزبير المستقلة تهديدًا لسلطتهم المركزية وألصقوا عليه لقب “ملك الرقيق”. قام غوردون باشا من بعد باستدراجه إلى القاهرة لعرض قضيته، وهناك وجد الزبير نفسه فجأة تحت الإقامة الجبرية – أي أنه وقع في فخ سياسي مُقنّع باستدعاء دبلوماسي.

يتذكر التاريخ الجنرال تشارلز غوردون باعتباره المسيحي المتحمس لإلغاء العبودية الذي فكك طرق تجارة الرقيق في أفريقيا. ومع ذلك، ترسم الرسائل الأرشيفية صورة أكثر دقة. خلال فترة ولايته حاكمًا لإقليم الاستوائية، بذل غوردون جهدًا أكبر بكثير في رسم خرائط جغرافية لجنوب السودان لصالح جماعات الضغط البريطانية بدلًا من محاربة سفن الرقيق. وقد واجه غوردون باشا مقاومة شديدة وبطولية من القبائل الجنوبية لدرجة أنه نادراً ما كان يغامر بالابتعاد أكثر من كيلومتر واحد عن أمان نهر النيل.


SLATIN(1896)_p079_ZUBEIR_PASHA_(cropped)
SLATIN(1896)_p079_ZUBEIR_PASHA_(cropped)

أصدر غوردون مراسيم المناهضة للرق، وتجارة العاج وفرض احتكار حكومي صارم على تجارة العاج وحظر استيراد البارود، حرم غوردون فعلياً الزبير وتجار الشمال من مصادر رزقهم في الجنوب.[1] وفي مراسلاته الخاصة مع أخته، اعترف غوردون صراحةً بأن القضاء التام على هذه التجارة كان شبه مستحيل لأنها كانت أساسية لبنية الاقتصاد المصري. بل إنه أقرّ بأنه اشترى شخصياً طفلين لضمان إطلاق سراحهما.

بعد اعتقال الزبير تفاقمت المأساة حيث اتهم غوردون سليمان، نجل الزبير الشاب عديم الخبرة، بالتحريض على تمرد مسلح ضد السلطات الاستعمارية. وبموجب الإطار الاستراتيجي لغوردون، تعقب المستكشف الإيطالي رومولو جيسي سليمان، وأسره عن طريق الحيلة وتقديم خطاب مزور من والده يأمره بالاستسلام، نص رابح الزبير سليمان بعدم التسليم وفارقه ليؤسس رابح مملكته في تشاد. بعد أن سلّم سليمان نفسه لجيسي أعدمه الأخير بدم بارد. أثار هذا الإعدام فضيحة مدوية ففي 25 يناير 1884، انعقدت محكمة تأديبية بريطانية في القاهرة – بحضور السير إيفلين وود ورئيس الوزراء نوبار باشا أدانت رسميًا تصرفات جيسي باعتبارها “خيانة وخسة تُسيء إلى شرف بريطانيا العظمى.

 اتخذت الأحداث منعطفًا غير متوقع خلال الثورة المهدية. عندما ثار محمد أحمد المهدي وحاصر الجنرال غوردون داخل الخرطوم، أدرك غوردون أن التعزيزات البريطانية لن تصل في الوقت المناسب. في منعطف سياسي يائس، طلب غوردون من الحكومة البريطانية تعيين عدوه اللدود، الزبير باشا، حاكمًا للسودان، مُبررًا ذلك بأن الزبير هو الرجل الوحيد الذي يمتلك السلطة العسكرية المحلية اللازمة لهزيمة قوات المهدي. إلا أن الرأي العام البريطاني وجمعية مناهضة الرق شعروا بالرعب من فكرة تسليم السودان إلى تاجر رقيق مزعوم، فتم رفض الاقتراح رفضًا قاطعًا. وبدون تعزيزات، انهارت دفاعات غوردون، وقُتل عند سقوط الخرطوم عام 1885م. وقبل سقوط المدينة، تراجع غوردون تمامًا عن موقفه الأخلاقي المعروف. ولكسب تأييد السكان المحليين، وزّع منشورات تُعلن استقلال السودان عن مصر، وألغى جميع الالتزامات الضريبية، وألغى صراحةً كل مرسوم يمنع تجارة الرقيق، مُعيدًا بذلك الرق قانونيًا بين عشية وضحاها للحفاظ على المصالح الاستراتيجية البريطانية.

بعد وفاة غوردون المأساوية، قامت الحكومة البريطانية بنفي الزبير عند سفح جبل طارق لتحييد نفوذه. وهنا تدخلت فلورا شو، إحدى أبرز صحفيات العصر الفيكتوري، وغيرت مسار السياسة الخارجية البريطانية. فمن خلال مقابلة استمرت أربعة أشهر مع الزبير، تجاوزت شو الصورة النمطية لرؤية الزبير كـ”ملك للرقيق” لتقديمه كرجل دولة متمرس تم احتجازه دون محاكمة. في هذه المقابلات، دافع الزبير بشراسة عن اسم عائلته، مؤكدًا أن تجارته الأساسية هي تجارة العاج المربحة للغاية، وأن جيشه الخاص بُني خصيصًا لحماية قوافله التجارية. وأكد أنه لو كان ينوي حقًا شن تمرد ضد الحكومة، لفعل ذلك في أوج قوته العسكرية، بدلًا من ترك قواته تحت سيطرة ابنه عديم الخبرة. وأشار إلى أن ثلاثة تحقيقات مصرية مستقلة قد برّأت ابنه من تهم التمرد. وقد أحدثت تغطية شو المتعاطفة في صحيفة “Pall Mall Gazette” ومجلة ” Contemporary Review” تحولاً جذرياً في الرأي العام.[2] وأجبرت الاحتجاجات على احتجاز الزبير دون محاكمة وزارة الخارجية على الرضوخ. إلى جانب ذلك ذكرياته التي رواها في منفاه بجبل طارق، والتي وثقها السفير خليفة عباس العبيد في كتاب “الزبير باشا: يروى قصته في منفاه بجبل طارق”. حيث نفى الزبير باشا عن ممارسته لأي نوع من تجارة الرقيق، وأعرب عن أسفه لغزو حاكم بلد مسلم في دارفور.[3]

 وفي أواخر عام 1887، أُطلق سراح الزبير وسُمح له بالعودة إلى مصر. وإلى جانب حريته الشخصية، ساهمت تقارير شو في نشر المبدأ الاستعماري في الحكم غير المباشر، أي استيعاب هياكل السلطة المحلية القائمة بدلاً من فرض إدارة أوروبية مباشرة، والذي أصبح سمة مميزة للاستراتيجية البريطانية في جميع أنحاء أفريقيا.

 هذه القصة تنبئنا على ضرورة إعادة قراءة تاريخ السودان وإعادة كتابة سجلات الحقبة الاستعمارية. نادرًا ما يكون تاريخ السودان في القرن التاسع عشر بالبساطة التي توحي بها الكتب المدرسية القديمة. فعلى مدى عقود، اعتمد الفهم العالمي لهذه الحقبة بشكل شبه كامل على مذكرات متحيزة وذاتية لمسؤولين أوروبيين مثل غوردون وجيسي وسلاطين باشا. ومن خلال مقارنة هذه الروايات بشهادات الزبير نفسه ومقابلات فلورا شو، ودراسة الحقائق الاقتصادية الإقليمية، نكتشف تاريخًا أكثر تعقيدًا. فبينما كانت تجارة العاج والاتجار بالبشر متشابكة لوجستيًا في المناطق الداخلية الأفريقية، كانت الحملة الإمبريالية ضد تجارة الرقيق أكثر من مجرد حملة أخلاقية؛ ففي أروقة السلطة الأوروبية، مثّلت سلاحًا سياسيًا بالغ الفعالية لتقويض السيادة المحلية، والقضاء على المنافسين الإقليميين، وإعادة رسم خريطة القارة.

[1]  Charles. Gordon,” Gordon in Central Africa, 1874-1879″, George Hill (1885), p 9

[2] H. C. Jackson, trans., Black Ivory and White; or, The Story of El Zubeir Pasha, Slaver and Sultan, as Told by Himself (Oxford: B. H. Blackwell, 1913).

[3] خليفة عباس العبيد، “الزبير باشا H. C. Jackson, trans., Black Ivory and White; or, The Story of El Zubeir Pasha, Slaver and Sultan, as Told by Himself (Oxford: B. H. Blackwell, 1913) : يروى قصته في منفاه بجبل طارق”، مركز الدراسات السودانية 1995م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق