سياسة

مآلات اقصاء اليسار

اسماعيل عبد الله

لقد وضح من تداعيات الانقلاب المدعوم من جماعة القصر أن المستهدف احزاب اليسار، ويبدو ذلك بجلاء اوضح في انتقائية اجراءات اطلاق سراح الذين اعتقلوا ليلة نحر الوثيقة الدستورية، فغالب الذين تأخر فك اسرهم من الحزبين اللدودي الخصومة مع احزاب اليمين الاسلامي، وبتعمق اكبر يمكننا أن نرى احزاب اليسار ومنذ اليوم الأول لإسقاط الدكتاتور، سعت للهيمنة على مفاتيح السلطة الانتقالية الجديدة، وعلى رأس هذه المؤسسات المفتاحية لجنة إزالة تمكين الحزب المحلول، الذي ظل مسيطراً على موارد الدولة منذ انقلاب الثلاثين من يونيو حتى اليوم، وما اثار حفيظة الشركاء الجدد القادمين على ظهر حصان اتفاق سلام جوبا هو احتواء من اسموهم بالأربعة الطوال لرئيس الحكومة الانتقالية وتوجيه قراراته، ما جعلهم يتوجسون من مآلات استمرار هذه الهيمنة الطويلة، فنحوا منحى التماهي مع الشق العسكري نكاية في هؤلاء الاربعة الطوال القامة، غير مكترثين للعقلية الانقلابية العسكرتارية وضمرها للكيد التقليدي تجاه النخبة المدنية اياً كان تصنيفها – كفاح مدني مسلح ام احزاب تقليدية قديمة.

الممارسة السياسية لم تأت بجديد منذ ذلك الوقت البعيد الذي طرأت فيه هذه الكيانات، حيث كانت وما تزال المنافسة غير الشريفة الفاقدة للمعايير الديمقراطية هي ديدن هذه التنظيمات، فكلما استشعرت جماعة سوء طوية جماعة اخرى بادرت هذه الجماعة الأولى بايقاظ مشاعر بعض ضباط المؤسسة العسكرية المغامرين، وزينت لهم اثم الانقلاب على سلطة الحكم المدني، ولقد ولغ في بحر المؤامرات التي استهدفت اجنة الحكم المدني وهي في مهدها الغالب الاعم من هذه الاحزاب اليمينية واليسارية على حد سواء، وبنظرة سريعة خاطفة وفاحصة لتسلسل احداث هذه الانقلابات العسكرية في حقبة الستين عاماً الماضية، يمكن للمراقب أن يلحظ الاخفاقات المخيبة لآمال الناس في الطبقة السياسية بشقيها الايمن والأيسر، حتى بات في حكم علم يقين العسكريين الاعتقاد والجزم بحقيقة هشاشة الأرض التي يقف عليها المدنيون الحزبيون، وصارت العصا المحذرة من فشل المدنيين مرفوعة دائماً وابداً بيد اصغر عسكري متخرج لتوه من مصنع الرجال وعرين الابطال، وباءت كل محاولات الصفوة السياسية المدنية بالفشل ازاء تغيير هذا الاعتقاد.

انّ اكبر المتضررين من سطوة العسكر واستحواذهم على مفاتيح قصور الحكم، هم المجموعات المنحدرة من حزب الجبهة الاسلامية القومية، إذ أن عميداً بالجيش قد قام بنحر مشروعهم الفكري بعد عشر سنوات من مسايرتهم ومداهنتهم، حتى انقض على المشروع الذي قضى من اجله الصف الأول من الجيل المؤسس لحزب الجبهة القومية سنى عمره في التبشير به، ولم يبقى مع سعادة العميد الركن سوى بضعة مدنيين نفعيين احتضنوا الكرسي ولم يبالوا بمرتكزات الفكر الذي مات في سبيل ترسيخه مئات الشباب بغابات الجنوب، بل جعلوا اعناقهم واكتافهم مصعداً لترقي السيد العميد الركن الى أن صار مشيراً، يشير اليهم بسبابته ولا يريهم إلا ما يرى ولا يهديهم الا سبل (الرشاد)، وبعد هذه التجربة المريرة مع قهر العسكر كفر بعض من الاسلاميين بخيار تدخل الجيش في السياسة، ولم يرعو البعض الآخر فرأيناهم بشّروا بإعلان البيان المشؤوم للانقلاب الاخير، بعد ان اعمت بصائرهم المناكفات والمكايدات السياسية من دون أن يقرأوا كتاب الانقلابات العسكرية الثلاث للفريق – الأول، واللواء – الثاني، والعميد – الثالث، على التوالي.

الشاهد في السردية التاريخية المقتضبة اعلاه، هو ضرورة الاعتبار بحكمة العالم الفيزيائي البرت انشتاين التي تقول: (من الجنون ان تفعل الاشياء دائماً بنفس الطريقة ثم تتوقع نتيجة مختلفة)، فالسباق المحموم بين من تبقى من المكونات الحزبية نحو كسب ود المؤسسات الأمنية لتحقيق مكاسب سلطوية، لن يؤدي في آخر مطاف هذا التكالب إلّا إلى ذات المآلات التي اذلّت واهانت المدنيين الحزبيين الذين داهنوا النميري وفرشوا البساط الاحمر للبشير، وهب أن الجنرال الأخير قد توطّدت اركان دولته البوليسية تأكد من أن أول الخاسرين والملفوظين سيكون هو ذلك الرافع لعقيرته بالصياح والمنادي بتلاوة البيان الانقلابي، وهذا ليس ضرباً من السحر ولا تميمة من تمائم الشعوذة، وانما هي حقائق مشت على ارض البلاد وعايشها وشاهدها السواد الاعظم من الفاعلين بحقل السياسة وشئون الحكم، فمهما كانت هنالك من مطامع وتطاول من قبل الاربعة الطوال ما كان يجب أن يؤدي الحنق السياسي الى قلب الطاولة وهد اركان المعبد الذي يستظل تحت سقفه الطوال والقصار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق