ثقافة وفن

التشكيلي غازي انعيم يقدم نشيد الأرض في برلين

بشرى بن فاطمة

يقدّم جاليري أرابيسك للثقافة والفنون البصرية في برلين ابتداء من 4 ديسمبر القادم، معرض «نشيد الأرض» للفنان التشكيلي والناقد الفلسطيني غازي انعيم.

وقد عُرف انعيم مصوّرا ورساما وجرافيكيا ومُصمّم مُلصق فني «بوستير»، كانت له مساهمات عديدة في تطويره ليتواصل جماليا مع بقية الفنون بإخضاعه للمتغيرات الفنية البصرية المعاصرة.

فقد أضاف انعيم مع عدّة تشكيليين فلسطينيين لفن البوستير الكثير على مستوى المحتوى والقضية والموقف السياسي والتفصيل المفهومي في فكرة التنفيذ الأسلوبي وكذلك على مستويات الجماليات والمفاهيم والعناصر التشكيلية منذ أواخر السبعينات وبالخصوص في فترة الثمانينات والتسعينات.

وقد قدّم تجربته في فن الملصق من خلال معارضه المتنوعة في الوطن العربي وفي العالم ككل كسرد بصري توثيقي لحركة المقاومة الثقافية الفلسطينية وكانت له رؤيته الخاصة كما أن له مجموعة متنوعة في فن الملصق ضمن مقتنيات المتحف اللبناني الأمريكي متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية.

والمعروف أن فن البوستير يُعتبر رؤية بصرية تشكيلية لاقت رواجا فنيا من قبل العديد من الفنانين التشكيليين في العالم وبالخصوص في فلسطين ولبنان حيث تحوّلوا به من دوره الإعلاني إلى دوره البصري التشكيلي الذي كان جزء من تاريخ الحركة الوطنية النضالية الثقافية في فلسطين، لذلك كانت مساهمة غازي انعيم في هذه الحركة الفنية مهمة ومؤثّرة خاصة وأن قوة البوستير أو فن المُلصق تكمن في اختصار جمالي للمواقف السياسية يعبّر في هذا الاختصار عن رمزيات تجيد تفكيك المعاني بعلاماتها وروحها وتوجهها الإنساني، لأن له القُدرة على التأثير في اليوميات التي تعبث بالذاكرة من خلال الورق والألوان والخامات وتوظيفها للتعبير بشكل آخر يحمل أبعاده الإنسانية الأعمق بعيدا عن البروباغاندا التي خلقت التمشي الأول في استعمال هذا الفن في الترويج للفكرة والشعارات، وهو الذي حمل الفنان الفلسطيني نحو الملصق للتعبير عن قضيته كما دفعه ليتخذ منه مجالا واسعا للتعبير عن ذاته وهويته وحقيقة انتمائه لأرضه حضاريا وتاريخيا، ليكون فن الملصق مدرسة فلسطينية رائدة ازدهرت جماليا وانتعشت لفكرة الوعي العالمي وطوّرت التجربة فنيا وابداعيا اعتبر غازي انعيم رائدا فيها.

تتسم الحركة التعبيرية في فن الملصق بقيم بصرية عميقة ذات مواقف إنسانية وخصوصيات فنيّة لها درجاتها الانفعالية والتحفيزية التي غيّرت الكثير على مستوى التوظيف الخاص بفكرة الأفيش، فالرموز المُعتمدة أكسبت هذا التجريب الخصوصية الفلسطينية، إذ يعتبر غازي انعيم «أن فن الملصق يحمل خصوصياته من خلال العلامة الرمزية المألوفة والقريبة من ذاكرة المُتلقي لأنها ورغم كثافتها استطاعت اختصار مجاز المعنى واحتواء المضمون والمفاهيم مع التصوّر الكافي لطرح ذاته، ما خلق نوعا من التناغم بين الطباعة والنشر والاعلان والتوزيع، لأن التواصل بالملصق كان يبعث رسائل ويقدّم عبارات ويطرح ثقافة وطن بكل ذاكرته.»

يضيف انعيم «حمل الملصق دورا جماليا في التحريض على التعاطف بقوّة والمناصرة بإنسانية وتحمّل الموقف الواضح والحقيقي في مساندة العالم بشعار الأرض في خصوبة أنوثتها المُحرضة على الحياة وفي البندقية ودورها المقاوم، والشهيد وحقه الأول وفي الزيتون وخلود البقاء كل تلك العلامات حوّلت الواقعي إلى جمالي حرّ».

تحمل الألوان التي صاغها انعيم في تجربته التشكيلية حركة وتفاصيل وتعابير جديدة ومستحدثة أعادت صياغة الذاكرة بالخيال والتصوّر بالجماليات لكسر حواجز التواصل والتفرقة والانفصال، لأن التعبير المتناغم مع الطبيعة عالج الواقع والأحداث وامتصّ صخب الحركة من ضيق أفقها الحاضر في التمشي إلى اتساعها في الفضاء مع القدرة على استيعاب تفاصيل الحنين فيها واحتوائها.

وعن هذا المعرض يقول الأستاذ أحمد فؤاد شما مدير الجاليري «في هذا المعرض يفاجئنا انعيم بتجربته الجديدة الرقمية كرسام للمناظر الخلوية حيث عكست مواضيع لوحاته حبّه للطبيعة وبشكل خاص جمال الريف الفلسطيني والأردني، فالمناظر التي يرسمها تغتسل بالضياء وتكتحل بالظلال، فهو ينقل إلينا وهج الريف ورطوبة الدروب، لوحاته نوافذ مفتوحة يطل منها المشاهد ولا يملّ النظر فهو يختطف المشهد بحيوية على طريقة التأثيريين في صيد الضوء ونثر النور».

إن تطوّر تجربة غازي انعيم سواء في فن الملصق أو في التجربة التشكيلية تتناغم بشكل تصاعد وتصادم وتفاعل بمواقف وحساسيات مع واقعه وما دار حوله من تفاعلات بصرية وتغيرات تقنية فهو لم يترك جزئية في ذاكرته إلا وصاغها بشكل حداثي على مستوى الخامة والتشكيل الهندسي والبناء المعماري والتركيز الرمزي للعلامة سواء في الطبيعة والمعمار في الشخوص والأزياء والعادات والزخارف والأشكال في الألوان والانفعالات المتكاملة بينها وهو ما يجعل للوحاته بصمة خاصة به تشبه روحه وتفانيه في صقل الأمل وتشكيله.

وعن هذه المشاركة يقول غازي انعيم «حاولت أن أحمل وطني في ألواني وعلاماتي في رموزي ومواقفي في إيماني الأول والأساسي بأن الفنون هي لغة الإنسانية وجسر العبور الجمالي بين الحضارات فحسن التعبير عن الذات والهوية وخصوصية الانتماء هي الرسالة التي حملتها إلى الألمان وإلى العالم لتسردني في ألوانها».

غازي انعيم تشكيلي متمكّن فنيا وتقنيا من خلال الشكل واللون والاختيار العام للوحة التي من خلالها يتحاور مع المتلقي بصريا ليترك له فسحة الارتسام معه في كل مشهد وتقمّص كل حكاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق