آراء

كوكاسيات

الحاجة ‬إلى ‬المعنى

عبد العزيز كوكاس

«حين يهجر المعنى العالم يصير كل شيء مستباحا» دوستويفسكي

قرأت بحزن شديد الحقيقة الضائعة: «إن زمن الكتابة.. قد ولى»، وهي نفس النغمة الحزينة التي كتب بها الحكيم عبد الجبار السحيمي مقاله على صدر الصفحة الأولى من يومية «العلم»، بعد الهجوم الذي تعرض له مقاله: «أما أنا.. فلن أُحْلق لحيتي»، إذا لم تخني الذاكرة التي لا تصلح إلا للنسيان!  حيث كتب: «لا تحاول أن تكتب… فالكتابة في بعض أزمان الهستيريا محفوفة بالمخاطر».

راودني الحزن عن نفسي لأني في العديد من المواقف، أُصبت بخيبة الكتابة، حتى ولو كان الأمر يتعلق بالبوح الممكن لا بالبوح المستحيل، خوفا من أن تترجم محاكم التفتيش مقالك في غير ما تريد، وتحمل الكلمات شفرات سرية لمحاكمتك، في زمن التردي والغموض، دائما ينتصب الأدعياء الذين يلوون عنق كلماتك ليحملوها المعنى اليتيم الذي لم تقصده.

كان أرسطو يقول: «حين تتكاثف الرداءة تتحول إلى قوة»، تمتلك سلطة الحقيقة بوسائل غير شرعية، وكم امتلأت أجواؤنا بالرداءات في كل المجالات!

إننا نعيش زمنا ملتبسا بامتياز، هل هو زمن العتمة حيث توقع كل المفاجآت السعيدة وغير السعيدة؟ هل هو زمن الخواء الفكري والإيديولوجي حيث يسود تبدل سوداوي لقيم وبنيات ومواقف وأفكار مجتمع بكامله؟ وفي كل زمن ملتبس تسود الهستيريا ويكثر تشابه البقر على الناس، وتصبح الحقيقة عزلاء، والناطق بها مغامر غر، لذا يتحول بقوة الأشياء إلى متهم إلى أن تثبت إدانته، ولأن الكتابة انتصار لسلطة الحقيقة فهي في زمن التردي والغموض تغدو غريبة في موطنها كما الرسل محاطة بألف سهم مسموم وبعيون بندقية!

في زمن الالتباس يصبح التافه من الأحداث، كما الأشخاص، محورا للتفكير الاستراتيجي، ويغشو الضباب الأعين ويحجب عنها رؤية الأسئلة الحقيقية، بحيث يكثر الدَّجالون ولاعبو فرق الصف الثالث والرابع، والمغتصبون في أحلامهم، والمصابون بانكسارات أول منعطف الطريق نحو الحياة، والفاشلون الذين يحولون الهزائم إلى انتصارات من وهم أو خشب!

أتذكر وأنا أعيش في بحر تلك الاستعارات الباذخة للدَّارجة، كيف كانت تُعَيِّرني جدتي كلما لم أقدم على عمل جيد أو جديد بشكل سليم: «حيَّد، ما بقات فيك مْعَاينة» ومْعَيْنَة هي تصغير للمعنى، وبإشراق صوفي كان جدي، مثل الحكواتي، يقول لي: «ذُوق المعنى».. حاسة الذوق كأداة اتصال للإنسان بالعالم وأشيائه؟! أليس ما نفتقده اليوم هو غياب المعنى في الوجود، في السياسة، في الاقتصاد وفي التعليم؟ إما نحن الذين كبرنا حتى اضطربت أدوات فهمنا وتحليلنا أو أن الواقع صغر للحد الذي لم تعد تقوى أبصارنا ولا بصائرنا على رؤيته بالصفاء الكامل..

شباب تائهون في المقاهي المنتشرة كالفطر يجترون اليومي الباهت، موظفون يعيشون على الفصام وهم منقسمون في دروب الحياة بين «الِميتْرو» البناء و»ليترو» الشراب، نساء منكسرات في أحلامهن، أطفال لم يعودوا قادرين على الضحك أو على اشتهاء لذائذ المستقبل… حالة التشابه والتماهي بين صباحاتنا ومساءاتنا، بين حكوماتنا القديمة وحكوماتنا الجديدة، صور شاشاتنا بهتت من الرداءة المتراكمة، إنه زمن الالتباس بامتياز، حيث يغيب المعنى ويظل وضع الستاتيكو محافظا على سكونه بشكل مطمئن!

فاللهم ألطف بنا فيما جرت به المقادير، وجنب بلدنا العزيز هذا الفراغ المهول في المعنى الذي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الهباء، فحتى الطبيعة تخشى الفراغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق