سلايدر

حمدوك وتحديات الفترة المقبلة (٢/١)

د. محمد بدوي مصطفى

الشارع يقول لا للاتفاق:

تصاعدت، ارتفعت وانتشرت في كل مدن السودان المترامية، حاراته وشوارعه، حضره وباديته، بل وفي كل أنحاء العالم المترامية، الأصوات عالية تنادي د. حمدوك بالتأني، التريث والحذر الشديد. نعم، تناديه ملئ شدقها أن يتوخى الحذر الشديد وألا يقع في الخطيئة، وألا يكون الندم هو الخاتمة المريعة، في نهاية المطاف، بعد أن يقع الفأس في الرأس، فإذا تذكرنا المثل العربي الأصيل الذي يقول: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين؛ سوف نعي لمَاذا كل هذه النداءات والصيحات. رغم ذلك دعونا نطرح السؤال التالي، سؤال سيفرض نفسه حتمًا في الفترة المقبلة: من الذي سيُلدغ من الجحر ثانية؟ أحمدوك أم البرهان وحميدتي؟! والجواب متروك بادئ ذي بدء لخيالكم الفياض، ومن ثمّة لحكمة د. حمدوك، الذي أتى بأجندات واضحة مستندة على قاعدة واسعة ودعم سياسي واقتصادي عالمي لم يشهد له السودان من مثيل. فأمريكا ودول الترويكا وكل الدول التي تعلم علم اليقين، أن مستقبل السودان في المدنية الصرفة وليس في حكم العسكرية، الذي عانى منه العقود الطويلة، وقفت مساندة لهذا الخطوة ولمسألة التحول الديمقراطي عمومًا وإن كانت بعض دول المنطقة قد دخلت في اللعبة مرغمة: مرغم أخاك لا بطل.

كل الدول التي لها مصالح سياسية في السودان وفي موقعه الاستراتيجي واهميته الجيوستراجية في المنطقة – والسياسة مصالح – لا غير، أرادت بعد استشارته أن تقف وقفة تأمل لجرد الحسابات التي تكدست خلال العامين الماضيين لتسأل نفسها ماذا قدمت الحكومة السابقة والتي تغيرت عدّة مرّات، تلك التي آزرت السيد حمدوك ومنذ البداية، نعم، ماذا قدمت من نجاحات، سواء من تقدم وازدهار للبلد وماذا فعلت على أرضية الواقع لتفادي كل الأزمات الاقتصادية الطاحنة والمتتالية، ومن ثمّة بؤس الاحتقان الاجتماعي الذي ما فتئ يفتك بالنسيج الأسري في البلد يومًا تلو الآخر. دعونا نذكر وبكل صراحة الإخفاقات الآتية: ازدياد معدلات الجريمة والقتل والنهب والسلب، تفاقم الأزمات بكل أشكالها وألوانها، انحصار الناس في فئة واحدة، مغلوبة على أمرها، انقراض الطبقة الوسطى بجدارة. صرنا إما من الفقراء الذين يعيشون تحت خط الفقر – الذي أشارت إليه للأسف وحددته مؤشرات عالمية؛ أو الفئة الأخرى والتي صارت من الطبقة الأرستقراطية العليا، والتي انفردت بالثروات الطائلة والهائلة، العقارات والأراضي، والذهب والمواد التموينية، وهي فئة ربما تصل فقط إلى واحد بالمئة فقط من نسبة سكان السودان وحدث ولا حرج. إذن أين الخلل يا سادتي؟ وكيف يمكن التصدي له؟

هل شهدنا في فترة السنتين السابقتين أي تقدم في أي مجال يذكر؟ التعليم، الصحة، الاقتصاد، البنى التحتية، المشارع العامة، الخ. للأسف لا، فهل نقعد دون أن نُساءل أولى الأمر الذين كانوا يمتلكون نصاب الأمور؟ إذن كيف نصلّح العترة؟ كيف يستقيم العود؟ هل نسير في هذه الطريق، ونقول، فليكون ما يكون؟! لا يا إخوتي. يجب أن نقف ونساند د. حمدوك، فهو ملزم بهذا الاتفاق، والسياسة العالمية حقيقة لعبة كبيرة، ليس للعوام فيها من شأن، رغم ذلك فإن ثورة السودان العظيمة استطاعت أن تستقطب كل النفوس والعقول الحكيمة لتقف بجانبها وبجانب الثوار الذين يحلمون وينادون دون لأي بالحرية والسلام والعدالة، رغم أن كل قواهم في كل أنحاء السودان تقول للاتفاق لا. فلم ترض قوى الثوار والثورة أن يسير د. حمدوك في اتجاه الاتفاق الذي أبرمه قبل أيّام، أن کان مجبرًا، صاغرًا أم حكيماً، وعلى حد قوله في لقائه مع قناة الجزيرة، أن الشيء الذي دفعه لاتخاذ هذه الخطوة الجريئة والمؤلمة والتي سوف تقسم الشارع في شأنه كرئيس للوزراء كانت فقط «حقن الدماء». وأنا استشهد بالآية: بشر الصابرين الذين إذا أصابتهم». والبشرى قادمة لا محالة والفرج قريب بإذن الله يا ثوار الفداء. فلنصبر مع حمدوك لنعبر إلى بر الأمان.

البرهان وتجاوز الشارع السياسي:

بعض الأصدقاء من الإخوة العرب يقفون في كل المحن مع أهل السودان، والعكس أيضًا فإن أهل السودان يكنون في أنفسهم محبة خاصة لأهل لكل من يقف معهم في محنتهم هذه، إذ يربطنا سويًا رباطًا تاريخي وثيق، ذلك على مد العصور. فمن الذين وافوني بإطراءاتهم الثرّة عقب ابرام الاتفاق بين د. حمدوك والبرهان، كان صديق عزيز، وكان تعليقه في قراءة المشهد هكذا:

«أعتقد ان البرهان قد تجاوزه الشارع السياسي السوداني بقوته وثباته ووقوفه ضد إرهاب الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية. البرهان سقط سياسيا وشعبيا وحتى عسكريا ودوليا وأظن ان شرفاء المؤسسة العسكرية سيقومون بالحركة اللازمة للإطاحة بالبرهان وهذا لن يكون بعيدا. كفاح الشعب السوداني من أجل دولة مدنية أو دولة المؤسسات كل حسب اختصاصه ودوره المنوط به للنهوض بالبلاد نحو بر الأمان، دولة يضمن فيها المواطن كل الحقوق التي تحفظ كرامته وإنسانيته ويضطلع فيها المواطن بالواجبات التي تصنع وطن التكامل والتكافل إلى حد الإحسان. الثورة مستمرة في السودان وفي سوريا و في لبنان و في تونس بل في كل الوطن العربي حتى إزاحة كل أشكال الفساد السياسي و الاستبداد السلطوي و تخليص الوطن العربي من التبعية المذلة و من النخب التغريبية التي لها أجندات لا تخدم مصالح المنطقة العربية سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و فكريا.»

مجبر أخال لا بطل:

وكما نعلم كل العلم أن انقلاب الفريق البرهان وحميدتي، في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، قد قوبل بعواصف عارمة من الرفض. لقد خرج الشيبة والشباب من كل فئات المجتمع السوداني ليقولوا لا ثم لا! ولقد عللت موقف الدكتور حمدوك في مقالي السابق (شكرًا حمدوك … سنصبر … لنعبر) ولا أريد أن أعود إلى ما ذكرته مرّة أخرى في سياق هذا المقال. لكن أود أن أشير أن كل طبقات السودان اجتمعت في الشارع تناهض الاتفاق بكل ما تملك من شكيمة وتدحض حيثياته وبنوده. ولا تزال الغالبية العظمى من أبناء الشعب السوداني في حال وجع واكتئاب، وكثيرون صرحوا بأن أملهم قد ضاع في السيد رئيس الوزراء ولهؤلاء نقول: صبرًا آل ياسر … إن موعدكم المدنية.

فالملفت للنظر يا سادتي أن الشارع عكس بكل صفاء وحدة وتوحد واتحاد المجتمع السوداني الثائر، فخرج الغني والفقير على حدا سواء، الكبير والصغير، الأطفيال، النسوة والصبايا، وكلهم يهتفون بصوت واحد: حرية – سلام – عدالة. نحزن ونبكي لمن مات من خيرة شباب السودان، ست النفر وغيرها من الأبطال الجواسر، ولكن دماءهم لم تبلل أرض الوطن الطاهرة سدا، فسوف تنمو من خلالها شجيرات المنى وزهرات التفاؤل وبراعم المدنية حتى نصل إلى ما نصبو إليه جميعًا: الديموقراطية والمدنية التي لا جدال ولا مساومة فيها. والعسكر إلى الثكنات.

لكن ما أعلن السودان على الملأ عن توقيع الاتفاق الذي أغضب الكثيرين، بين قائد القوات المسلحة السودانية، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء المعزول د. عبد الله حمدوك، حتى أتته الطامة الكبرى وانهالت عليه شتى الاتهامات من كل الجهات، من الأصدقاء الأقرباء وحتى من أهل أعدائه الذين لا يكنون له أي احترام. اتهم الرجل بالخيانة العظمى والغدر والخوف من العسكر وفتّ الفريق محمد حمدان دقلو في قناة الجزيرة الكثير من الأقوال، لا علم لنا بصحتها، ولكن كان القصد تجريم الرجل وفض شعبيته له وأن يتحمل مع العسكر الغضب الذي انهال على الانقلابيين، وكأنه يقول بلسان حاله: كلنا في الهواء سواء – حتى د. حمدوك الذي كان معصومًا لديكم. وما كان مجبرًا من قبلنا، لكنه أتى بقدميه إلى حيث الاتفاق.

العسكريون فاوضوني بنيَّة سيئة أكثر من كونهم كذبوا عليّ».

لقد رأينا يا سادتي وقبيل ابرام الاتفاق أن العالم كله قد اجتمع ببيت السيد حمدوك إذ تزاحمت عليه الوساطات السودانية والإقليمية وحتى الدولية لتجبره على التفاوض مع العسكر، فمجبر أخال لا بطل، على حد قول المثل. فتفاوض الرجل مع من حبسه وأرغمه إلى أن ينصاع إلى أمره، وردة فعله كانت عين الحكمة وأقوم السلوك السياسيّ الحسن ومن قبل أرى أن الرجل يتحلى ببعد النظر وببديهة حاضرة وكل ذلك من أجل من بربكم، من أجله وحده؟ لا وألف لا، إنّه من أجل الوطن والمواطنين. لقد أجبرت هذه الوساطات جلّها د. حمدوك على التنازلات التي أُخذت عليه من قبل الشارع السوداني ومن الرأي العام قاطبة. بيد أن عودته تعتبر في نظري خروجًا عن السناريو الذي خططه العسكريون سلفًا حينما أحكموا تدبير وربطة انقلابهم المأسوف عليه، دون أن يحسبوا حسابًا للقوى الكبرى في العالم، لا سيما الولايات المتحدة ودول الترويكا، التي لها وزنها الكبير في السياسات الإقليمية ولا سيما في أي مشهد سياسي يحدث بالسودان بعد انحلال ليل الإنقاذ، نعم يؤمنون بقوة ومستقبل هذا البلد العظيم وذلك منذ اندلاع الثورة. لحسن الحظ لم يحسب العسكريون حسابًا لخط السياسية الخارجية الأمريكية الجديد ومصالحها الكثيرة في السودان، لنذكر على سبيل المثال المواقع الاستراتيجية في المنطقة، بالأخص تلك التي تُعنى بسواحله الممتدة على شاطئ البحر الأحمر، وهو أحد أهم الممرات المائية في العالم على الإطلاق، ولتوسطه ميدان القرن الإفريقي كجسر بين العالم الإفريقي والعربي. لقد خطط الانقلاب المشؤوم على فض الشراكات والعهود التي جاءت بها ثورة أكتوبر المجيدة، وكان الفريق البرهان ومحمد عثمان دقلو يعزمان تعيين حكومة جديدة «من الورقة» على رأسها رئيس وزراء يختاره العسكر، دون أن يفكروا البتة من بعيد أو قريب في د. حمدوك. نعم، لذلك أجد تضارب في أقوال الفريق حميدتي وما صرح به لقناة الجزيرة، في إن د. حمدوك كان على علم تام بكل ما يدور وحيثيات الانقلاب لكن يا سادتي نقول لهم الأيامُ دولٌ وسوف تظهر حتمًا كل الحقائق وتظهرها على الملأ وليس في ذلك من شك أرادوا أم أبوا. يا سادتي ما كان أمر الانقلاب العسكري إلى الانتهاء التام من الثورة وحراكها الذي يخيفهم ولا يترك لهم جفنًا ينام، وأسروا في نواياهم بالأخص إقصاء من هو على رأسها: د. حمدوك، قاصدين الرجوع بنا ثلاثة عقود إلى الوراء وآملين استجلاب عملاء المؤتمر اللاوطني المنحل ثانية إلى المشهد السياسي، حتى يكون «زيتهم في بيتهم». وخططوا لكل ذلك وهم قاب قوسين أو أدني من صناديق اقتراع مفبركة، ستكون حتمًا مزورة مئة بالمئة؛ على شاكلة صناديق اقتراع وانتخابات رئاسة كبيرهم الذي علمهم السحر «بشّة» بنسبة نجاح تفوق ٩٩،٩ بالمئة، كما هي الحال أيضًا في كل الدول التي لا تراعي من بعيد أو قريب أمر الديمقراطية لكن تكمن أولوياتها في حق «الديموكراسي» – وهذا لغة اصطلاح العقيد معمر القذافي. فلم يكن ارجاع رئيس الوزراء د. حمدوك وحاضنته في خاطرة ولا حلم البرهان، ومن تبعه إلى يوم الدين، البتّة. لقد عوّلوا «على عينك يا تاجر» على دعم رفاقهم في الكفاح ضد مشيئة الشعوب: روسيا والصين الشعبية ومن قبل على دعم المحور الرباعي المضاد للثورة: الإمارات، مصر، السعودية وإسرائيل. لكن لحسن الحظ سارت الأمور على علاتها وليس كل ما يتمنى البرهان أدركه، إذ أتت الرياح بما لا يشتهي السَّفِن، أي القبطان. وقد أتى المبعوث الأمريكي فيلتمان بالخبر اليقين حين قال وقد أساءه خبث العسكر: «العسكريون في السودان فاوضوني قبل إجراءاتهم، بنيَّة سيئة أكثر من كونهم كذبوا عليّ».

اقتباس:

ثورة ديسمبر المجيدة تحت نظرية الثورات العالمية:

لفهم الأمور في سياقها الإنثروبولوجي، أود أن أعود لاقتباس هام للغاية وثرّ بكل ما تحمل هذا الكلمة من معان، هو حقيقة من مقال للبروفسير عبد التوم بعنوان: ثورة ديسمبر ٢٠١٨ السودانية ونظريات الثورة في العالم. نشر سابقًا بصحيفتنا (المدائن بوست)

تعرف معظم نـظريات الثورة أنه الحراك الشعبي المفاجئ الذي يقود الى تغيير جذري في جميع أوجه المجتمع وقد يجنح الثوار الى النهج السلمي أو الدموي لتقيق أهدافهم.  تختلف الثورة هنا عن مثيلاتها في طرق التغيير كحركات الإصلاح والانقلابات العسكرية أو انقلابات داخل القصر الحاكم إذ أن الحالات الثلاثة الأخيرة لا تأتي بتغيير جذري في بنية الدولة ومجتمعها. بعد هذا التعريف المقتضب، دعونا نعرج إلى موقع ثورة ديسمبر في نظريات الثورات العالمية. تعج كتب العلوم الاجتماعية بعشرات النظريات التي تحاول تفسير الثورات العديدة التي صاحبت تاريخ البشرية، الحديث منه الغابر.  يمكننا تقسيم هذه النظريات الي كومتين أم كومين في لهجة أهلي في دافور ولا أنكر تمرد بعض النظريات التي تحرص أن يكون لها رِجلٌ (كراع) في كلا المعسكرين.  أولاً هناك كوم نظريات المعسكر العُنفي، وهو الأقدم تاريخياً، والذي يرى أن الثورة لا تتم إلا باستصحاب العنف وسفك الدماء، قليلة كانت أم كثيرة. إما الكوم الثاني فهو يحوي النظريات “اللا-عُنفية” للثورة، وسوف أستنجد أيضاً بلغة أهل السودان السلسة وأشير إليها “بالثورات السلمية”.  تقبع أهمية هذه الكوم في تمثيله نهجاً لثورة ٢٠١٨ السودان ويمكنني أن أصرح بمليء فوهي أن الثورة السودانية قد طورت هذا النمط من الثورات ولابد لنا في المجتمع الأكاديمي أن نستصحب معنا مخرجاتها في المستقبل.   

دعوني أتفادي المغالطات الدينية التي تدرج الرسل، موسي وعيسى ومحمداً في عداد الثوار، وأقفز الي العالم الحديث، آخذا مارتن لوثر كنز ومن بعده المهاتما غاندي بانهما البطلان اللذان وضعا اللبنات الأولي للثورات السلمية الحديثة.  تطور هذا النمط من الثورات واحدثت قفزة عالمية بمجهود البروفسير جين شارب، الأستاذ بمعهد آينشتاين في الولايات المتحدة الامريكية.  نشر شارب عددا من الكتب ولكن تصعد أحد إصداراته ليصبح في مصاب الكتاب المقدس والهادي لجميع ثوار العالم بما فيهم ثوار الربيع العربي وثورة ديسمبر السودانية.  ذلك هو الإصدار: “من الدكتاتورية الي الديموقراطية: الإطار المفاهيمي للتحرير”.  تصمم هذا الإصدار في عام ١٩٩٣ لدولة تايلند، ميانمار الآن، وترجم لاحقاً الي أكثر من ٣٠ لغة، بما فيها العربية.  الغريب أن هذا الكتاب الثوري فشل في إحداث التحول الي الديموقراطية في ميانمار الي اليوم، بالرغم أن الكتاب قد حظي بمباركة الدول الغربية والتي انتزعت حريتها بالدماء وليس بالسلم. تقول نظرية شارب إن قوة النظام الدكتاتوري ليست متأصلة فيها وإنما تنبع من الطاعة التي يمنحها الشعب للنظام.  هذا يعني أن تقويض الدكتاتورية يكمن في سحب الطاعة والتعاون معها.  يدعو شارب أن يتم سحب التعاون من النظام القاهر بالنضال السلمي، دون الجنوح الى العنف.  يقترح شارب قرابة المئة طريقة للمناهضة السلمية مثل الإضرابات، والمسيرات والعمل البطيء والأغاني والشعر والجداريات وغيرها.  وينتهز شارب الفرصة لكي يعلل المسلك السلمي ويضرب به المعسكر العنفي في نفس الوقت.  يقول ان الذين يجنحوا لاستعمال العنف كوسيلة التغيير، يرتكبون خطأً مهاجمة الدكتاتورية في المجال الذي تتفوق فيه على الثوار.  فللنظام الدكتاتوري جيش قوي ومنظومة شرطية بالإضافة الى أجهزة قمع كثيرة لا تحصي.  لهذا يوصي شارب بالتركيز على موضع ضعف النظام وليس مكمن قوته. ما زال الهتاف “حرية، سلام وعدالة” يرن في أذن كل سوداني وسودانية ويصلح لكلا المعسكرين، السلمي والعنفي.  ولكن الشعار “سلمية، سلمية، ضد الحرامية”، والذي ردده الثوار في مختلف بقاع السودان، هو الذي يرسخ موقع ثورة السودان في قلب نظرية شارب.  إن تكرار لفظ “سلمية” قد يكون ضرورة للإيقاع اللغوي، ولكنه يعزز نبذ العنف الذي أصبح ديدن المتظاهرين في وجه نظام شرس لن يتورع في قتل شعبه.  لقد ظهر جلياً أن البشير وأعوانه لم يحسنوا قراءة تاريخ الثورات في العالم ولم يتعرفوا على تحذير هاليدي، والذي تخصص في دراسات الثورات العالمية.  قال هاليدي “لا تغزو الثورة”، وكان يعني أن مقابلة الثورة بالعنف تأجج نارها وتزيد من جذوتها.  وهذا هو ما حدث تماماً في ثورة ديسمبر، فكلما أشتد عنف النظام ضد المتظاهرين السلميين، كلما امتلأت بهم الشوارع. 

لا تعني الفقرة أعلاه أن ثوار ديسمبر قذ اتبعوا مشروع شارب بحذافيره.  نعم لقد تكونت لجان مقاومة شعبية في مختلف بقاع السودان والتزمت كلها بعدم التفاوض مع النظام وهذا يتماشى مع روشتة شارب “ناهض ولا تفاوض”.  ظل الفقيد المحامي علي حسنين يركز على عدم التفاوض حتى مماته المفاجئ.  يقول شارب أن النظام يفوق الثوار في مجال التفاوض نسبة لخبرته الطويل فيه ولتفوقه في امتلاك الخبراء والاعلام والمستلزمات اللوجستية المتعلقة بالتفاوض. لقد التزم الثوار بوصفة عدم التفاوض بجدية متناهية ويتضح هذا جلياً من الشعار: “كدا بالواضح وما بالدس والليلة تسقط بس”.  هذا الشعار يجسد عدم التفاوض والبعد عن قبول أي شرط يريد النظام أن يمليه في مقابل التنازل عن السلطة.  ولكن إصرار الثوار على عدم التفاوض لم يصمد أمام تقاطعات الثورة.  فعندما تم اعتقال الدكتاتور ونزع سلطته، أصاب الذعر قادة الثروة وانحازوا عن استراتيجية عدم التفاوض.  لقد تخوف قادة الثوار من احداث فراغ سياسي وأمني وتكرار التجربة الليبية أو الصومالية في البلاد.  ربما يكون هذا أكبر خطأ من قبل قادة الثورة فقد قزمت الثورة وكادت ان تؤدها في مهدها.  ظهر هذا ذلك جلياً في تكوين الحكومة والتي تألفت من مجلس سيادي يهمن عليه طاقم ممن كانوا حتى الأمس حماة النظام السابق ومجلس وزراء مدني لا يستطيع الحراك دون مباركة المجلس الأول.  كيف لا وقد انتزعت القوات النظامية مقعدين مفصلين في مجلس الوزراء أيضاً وهما وزارتا الدفاع والداخلية. هذه هي حصيلة عدم الانتباه لتحذير شارب وزميله علي حسنين. لقد أذهلت ثورة سبتمبر العالم بتفادي العنف والتزام الجميع بالشعار “سلمية، سلمية، ضد الحرامية”.  ربما ذهل البشير نفسه لسلمية الثورة حيث تفادى هو وأسرته مصير رصفاءه المخلوعين أمثال ساوجسكو والقذافي وعلي عبد الله صالح.  ونزيد هنا أن سلمية ثورة سبتمبر تشكل معضلة للمتخصصين في علم الثورات، فكثيرون منهم يعتبرون العنف الثوري جزء لا يتجزأ من التعريف الأكاديمي للثور ة. ونضيف هنا كتاباً أعلاماً آخرين ذهبوا في هذا المنحى مثل كارل ماركس وبرنتون وسامويل هنتنقتن.  أما عن السياسيين، فيكفينا قولة ماو سي تونغ الشهيرة: “الثورة ليست حفلة شاي ومن العبث أن تتوقع تقادمها دون عنف”.

اللهم أحفظ السودان وأهله من كلا بلاء وثورة حتى النصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق