سياسة

لعبة المنقلة العالمية والسودانية الأصل

أ.د. عبد الله عثمان التوم

أعادني صديق الكل ومعلم الأجيال، الكاتب شوقي بدري الي طفولتي بكلمات قليلة ضمنها في إحدى مقالاته الملهمة عن السودان في مجلة المدائن العريقة. لم تكن كلمات الأستاذ بدري انصرافا عن المنعطف السياسي الخطير الذي تمر به البلاد ولا احتماءً بفارغ الحديث والذي نصفه بلغة السيارة «الكسرة». أجل، فإن الكاتب يقرع همتنا وانتباهنا لإحدى مساهماتنا للعالم اجمع ولندلف الآن الى سطور كاتبنا الجليل:

هنالك لعبة كذلك مشهورة في اغلب اقاليم السودان وتأخذ وقتا طويلا .تذكرتها عندما كتبت عن السيجا اسمها ،، المنقلة ،،. وربما لأن الكلاب تحرك من حفرة لحفرة. المنقلة مكونة من عشرين حفره عشرة حفر لكل لاعب في صف واحد. في كل خمسة من الحجارة، المجموع 100 حجر. وهذه اللعبة يفضلها الرعاة لأنها تأخذ وقتا طويلا. في كينيا وبعض الدول الافريقية اكتشفوا «منقلة ،، في اعلي الجبال ، التلال والسفوح محفورة في الصخر لها مئات السنين. 

تعود بي ذاكرتي وانا حديث العمر في المدرسة الابتدائية وحيث نتسلى بلعبة المنقلة وكنا نلعبها على الرمل وليس على لوحة صممت من الخشب او الصخر.

لم نكن نشير الى اللعبة بلفظ منقلة فهي فقط «ام بيوت بيوت» إذ ان الاجحار ترمز لمنازل تخص كلا اللاعبين. اما الكلاب أي وحدات الخصمين، فهي تتكون من الحصى ام بقايا ثمار الأشجار مثل السدر او اللالوب. 

كنت اتمني لو استرسل الكاتب شوقي بدري في اوجه لعبة المنقلة وحبانا بعلمه بموقعها في تاريخ وابداعات البشرية بدلا عن عرضها كإحدى وسائل التسلية واستهلاك الوقت. عذرا اخي، بل استاذي بدري فكفانا تواضعا ولنصدح بكل كبرياء بما ساهمنا به في تاريخ البشرية، القديم منه والحديث.  كيف لا ونحن امام ظاهرة وصفها العملاء المتخصصون بانها من أقدم الألعاب الاستراتيجية الثنائية في العالم والتي تعود الى ٧٠٠٠ عام في تاريخ البشرية. يقول الباحثون في هذا المجال أن لعبة المنقلة نشأت» كأسلوب لحفظ السجلات، أو طقوس حصاد، أو أداة عرافة» ومن ثم تبلورت لتصبح أداة للتسلية والتآنس والتنافس السلمي بين الاعبين.

لقد أرجعت الحفريات العلمية أصول اللعبة الى السودان القديم، أعالي النيل ووادي النيل ومن ثم عم انتشارها خارج موطن ميلادها. تحصل علماء الآثار على ألواح المنقلة الحجرية في مقابر مملكة كوش والفراعنة في مصر واثيوبيا وارتريا، ثم عبرت الى العراق الحالي في حقبة حضارة سومر. نضيف الى ذلك اتشار اللعبة في أجزاء اخري من افريقيا حيث تحصل الأثريون على الواح المنقلة في بقايا حضارات جنوب افريقيا مثل زمبابوي القديمة وكذلك في غرب افريقيا، وبالأخص ممالك غانا ومالي المندثرة. يقول باحثو لعبة المنقلة أن هناك ما يربو على المئتين فصيلة من اللعبة في افريقيا، وبأسماء محلية مثل أيويو وباو وأوير وواري وإندودي.

نعم لقد ساعدت الحضارة الإسلامية في نشر المنقلة ومنحتها اسمها العالمي الآن فكلمة المنقلة عربية وترمز الى التنقل التنافسي الذي يصاحب اللعبة. هذا وقد دفع هذا بعض الباحثين الى الزعم ان المنقلة هي عربية بحتة وليست افريقية كما يدعى آخرون. هذا الاستنتاج خاطئ حسب بعض الاكتشافات الحديثة والتي اثبتت وجود اللعبة في حضارة أثينا أي قبل الميلاد والسابقة للحضارة الإسلامية وتوسعها بفارق كبير.

لقد أكدت الأبحاث أن شيوع المنقلة في كل القارات عدى استراليا يفتح المجال لافتراضين هامين (انظر الخريطة أدناه). الافتراض الأول أن المنقلة لم تنتشر لأنها وسيلة للتسلية، فقط، ولكن لدورها في مهام أخرى أكثر قيمة للمجتمع مثل تعليم الحساب والسجلات، تطوير الذكاء وجرد الحصاد واستقراء المستقبل بالإضافة الى بعض الطقوس والشعائر الدينية.

الافتراض الثاني والأكثر إثارة هو أن انتشار المنقلة في كل بقاع العالم قد يعني أن افريقيا قد تواصلت مع أمريكا اللاتينية الاف السنين قبل ان يكتشفها كرستوفا كولمبس في القرن السادس عشر. ويعزز هذا الافتراض وجود المنقلة عند قبائل أمريكا الجنوبية التي لم تتواصل مع الشعوب المستعمرة والتي ظهرت بعد رحلة كولمبس. يذكرنا هذا بمعضلة وجود اهرامات تاريخيه في أمريكا الجنوبية شبيهة بمثيلاتها في وادي النيل وبعضها أنشأت قبل ٣٠٠٠ عام. لقد دفعت هذه الاهرامات بعض دارسي الحضارات القديمة للزعم آن حضارات وادي النيل قد سبقت الأوروبيين الي العالم الجديد بألاف السنين. شكل ذلك الزعم أساس نظرية إليوت سمث البريطاني في مطلع عشريات القرن الماضي وقد تربع سمث على عرش من اسومهم الانتشاريين ومثلت اهرامات أمريكيا الجنوبية العظم الفقري لنظريتهم، أي الانتشارية. تقول النظرية ان الاختراع – قل العجلة مثلاً- يحدث مرة واحدة في التاريخ دون تكرار، ولكنها تنتشر بواسطة هجرة المعرفة عبر حامليها المهاجرين. لهذا فلا مناص من ان اكتشاف الاهرامات قد حدثت في موقع واحد وهو وادي النيل، ثم انتقلت الى مواقع أخري عبر الحراك الانتشاري. أقول هذا واطمع في استقصاء لعبة المنقلة من هذا المنطلق والله المستعان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق