ثقافة وفن

الفن التشكيليّ

حدود Borders Frontières

رشيد فاسح

تتميز الفنون المعاصرة إلى حد كبير بتخريب الشرائع الأكاديمية، والتجربة الطليعية، وغالبًا ما تشكل فجورا نظريا وجماليا لتفسح المجال لرؤية أخرى جديدة بمفهوم الحداثة الآكلة لنفسها، وكلها علامات على ما أصبح عادةً يطلق عليه «أزمة التشكيل العالمي» الذي أخذ منحا آخر بمفاهيم ومصطلحات تتجاوز إحباط الماضي، وتؤسس لجدل حقيقي حول ماهية الرؤية والفكر الجمالي المتجدد.

تؤدي هذه الاضطرابات والتغيرات الحادة، إلى كشف عدد معين من المشكلات الأساسية التي يطرحها الفن بشكل عام في عصرنا الحديث، ما دام الفن يفرض نفسه بشكل كبير على أذواق المجتمع وطبقة المهتمين والعاملين فيه، حيث تكون مصحوبة بخطاب سلس وتوافقي وتمثيل ذاتي، مما يكاد لا يسهل من إلقاء نظرة نقدية أو على الأقل طرح الأسئلة الجوهرية التي يجب أن يعالجها الفن داخل مجتمع ما في حدوده الجمالية والثقافية المتوارثة.

أخوض حاليا كفنان تشكيلي مغربي تجربة فنية مدمرة وفريدة، تمتح من تكويني الأكاديمي في علم الاجتماع والتعمق اكثر في علم اجتماع الفن، ونظرته التأثرية والبنائية لصراعات المفهوم والموضوع وصيغ المعالجة التشكيلية، مع تأثر كبير بأعمال وكتابات الشاعر الإسكتلندي: ( كينث وايت) لأطرح بالتالي مفارقات وتشنجات مفاهيمية ومادية تتمحور حول مفهوم جمالي واستطيقي يتعلق بمفهوم الحدود LES FRONTIERES، الذي اخترته كغطاء محيط لتجربة استطيقية مستفحلة في نظامنا الذهني والفكري والتمثلي ووجهات نظرنا الصاخبة حوله.

لكن ما الذي يجعلني كفنان تشكيلي أسكن فجوة بين الواقع المادي وفكر ميتافيزيقي، وأسبح في (سبيرنوفا) الحدود، محاولا السباحة بين بحور وتيارات مسارات جمالية استطيقية وفلسفية معرفية، وأعبر بالتالي بسرعة الفكر والرؤية الجمالية كسرعة الضوء متجاوزا مفاهيم الزمان والمكان؟ محاولا اقتفاء آثار مخلفات بشرية تتجاوز الخطوط والحواجز التي رسمها الإنسان نفسه، عبر عقود من الزمن حيث بقي رهينتها إلى حدود عصرنا الحديث، حاملا معه: أي الانسان، مضايقات وسلوكات بدائية تسكن سلسلته الوراثية، ومدركاته الثقافية والفكرية داخل مجتمع البشر بتلاوينه وتبايناته.

اعتقد إن تلك المتاريس والحواجز والخطوط الحمراء أو السوداء او الصفراء في تاريخ البشرية التي رسمها الانسان في ذهنه قبل اسقاطها بعوامل الثقافة والدين والسياسة والأخلاق والقيم، والتي تحتل حيزا كبيرا في أنماط ثقافته وفكره، هي ما أحاول جاهدا عبر الفن والتشكيل تفكيك متاريسها وتردداتها المتتالية وإعادة قراءتها في توليفة تشكيلية، ولفت الانتباه الفكري والنظري الى كونيتنا وانسانيتنا في تشكل العالم خارج الآناء، بل يجب أن تكون لنا القدرة على السفر الحر خارج الجسد والحدود الوهمية التي نبنيها عبر نمونا ثقافيا بشكل عام، وبالتالي خارج التفكير المنمط بأشكال ثقافية وأثنية محدودة، والقدرة على التحرك والمشي والترحال في مجالات الوعي والادراك والمادة والزمن والفضاء، لاكتشاف أنفسنا قبل ان نعكس ذلك على أعمالنا وسلوكاتنا كبشر.

يجب ان ننتصر لإنسانيتنا بعدل بشري لا يقبل التمايز. فالفنون والثقافات بأنواعها لها القدرة على السفر خارج الحدود وتكسير متاريس مركبات نقص أو تمييز اثني او ثقافي الذي يرتوي من أحكام مسبقة تغذيها وسائل الاعلام، والساسة، وملوك التجارة الثقافية العالمة المسيطرة.

يجب اقتفاء اثار العابرين والبحث فيما وراء الاكتشاف، لاستشعار انماط جديدة للجمال وهذا هو سر اختلافاتنا، بل يجب أن نلقي بأفكارنا المسبقة عن المجتمعات البشرية في سلة مهملات ونتخلص منها، ونفسح المجال للذوق وتذوق أدني الأشياء لأننا ننتصر للإنسان كقيمة وللطبيعة والفضاء كقوة قاهرة مؤثرة أساسا في هذا الجمال.

لذلك فالعمل التشكيلي الحالي الذي يزعزع استقرارنا ويحرك السؤال فينا، لم يعد من الممكن إستقباله كما كان في الماضي مدمجا في التراث الثقافي والجمالي البسيط ككائن زخرفي أو مصدر بسيط للمتعة الجمالية الثابتة الذي يعيد إستنساخ نفسه، لا يمكن إستقبال العمل الفني على اساسيات التأمل السردي والسلبي الشاعري والممتع فقط أو الدراما المأسوية لمتاعب نفسية وإنسانية، فالعمل الفني المولود من تجربة الرؤية الكونية، يجب أن يتخلص من أوهام الآنا الزائفة للفنان نفسه، التي ترسم معالم تشكيل محدود إبداعيا وتصويريا، بل يجب أن يحقق وظيفة عقلية وتعديل في الهياكل النفسية وينقل التجربة المعرفية والابعاد الخارقة للاستيطيقا للأخرين، وينتقل بالمتلقي وجمهور العاشقين من مرحلة المشهد الى كائنا انتقاليا متحركا متجاوزا تلك الحدود، فلا عبث مع الفن في طرح قيمته الجمالية الإنسانية والطبيعية معا، واغناء المعرفة البشرية ثقافيا.

اننا نفتح منهجا مثاليا للتمزق، الذي يفتتح فنا له حدود غير حاسمة في البحث عن علاقة جديدة مع العالم، تتحرر من الفئات البشرية التي تضع احكام مسبقة عن قيم الجمال وتحدد اولوية حسية ونشوة تذوق بمقاسات محددة سلفا، خصوصا في أعمال الصباغة والقماش، والتخلي عن الشريعة الجميلة لصالح المادة والشكل المغروسة لقيمتها الجمالية الخام، وحلحلة الموضوع الإبداعي وتفكيكه، الذي يتلاشى قبل إبداع الفكرة نفسها، فالفن كتجربة إبداعية يمارس خارج مفاهيم الزمان والمكان، بل في عوالمه الذاتية والمفاهيمية الخاصة.

إن لمفهوم الحدود عدة توصيفات وأنماط واشكال متعددة تنطلق من الجغرافيا مرروا بالثقافة ونمط التفكير والتمثلات التي نصبغها على الأشياء المادية والروحية والفكرية، وبالتالي اول الحدود التي يجب تكسيرها هي اختزال الفن في انتاج تمثيل تسيطر عليه قيم جمالية محددة سلفا، او تهيمن عليه رؤية نظرية تابثة، لذلك يحتاج الابداع الفني للمشاركة في مواد الأرض وكل المواد الأخرى كيفما كانت بعين التشكيل المتجدد على خلفية تجارب متعددة الحواس عبر الحركة الفكرية والمادية على حد سواء.

ضمنيا شخصيا أعتبر مسالة الحدود ذات أهمية كبرى من الناحية الفلسفية والمفاهيمية وبالتالي الجمالية الاستيطيقية، وأحاول إخفاء ذلك السمك المتغير من الخطوط الخيالية الفاصلة بين الانسان ونفسه، ثم بين الانسان والفضاء، فالإنسان والزمن، تبعا لاعتبارات عدة تاريخية ثقافية اثنية سياسية. .. الخ، والتي تسقط بشكل رهيب كوعي مادي وتحضر في النقاش العمومي كمواجهات عنيفة بين هو والأخر. هذه التجربة الفنية والابداعية الجديدة كسرت بها حدودي انا شخصيا، وترث فنيا على منتجي الفني حيث أنشئت عالم خاصا بلا حدود، يسبح في فضاءات الابداع الرحبة واللامتناهية حيث حركة الوعي والتفكير غير محدودة، وبالتالي أجدها عميقة وتناولها صعب كذلك، وهي عموما تتزبق من محاولة تحويط، حيث تفر إلى مجالات أرحب تستشعر فيها الطلاقة واللامتناهي واللا محدود ضمن المحدود الذي أعيد القاءه على المتلقي بعنف وهدوء في آن واحد، واضع رؤيتنا الفكرية والبصرية أمام جدارن فاصلة وحواجز العمل الفني الثابت والمتغير، ضمن هذه الأفكار ينمو الإبداع الفني الذي يمتح من الواقع المادي بعناصر الرؤية الجديدة، والتناول المتجدد للفن الذي يسمو بالمعرفة الجمالية الفنية وتسمو المعرفة الاحساسية به، وفق مسارات الأسلوب والتقنيات والاستعارات الرمزية أو الدلالية لمفهوم الحدود. أستقي تلك العناصر من سفر العابرين ليس بالضرورة عبور مادي جغرافي محدد، بل مجرد فكرة لعبور حدود فقط.

من خلال هذه التجربة أحاول حمل المتلقي إلى فضاءات تفكير مشتركة عادية ومألوفة وبشكل أعمق الى ماهية العمل التشكيلي المتجدد الذي يجد في الفن وطفرات الفن المعاصر أرضية خصبة لطرح أسئلته الجمالية والمفاهيمية وتجديدها، وأحيانا كثيرة إلى تجاوز الحدود الفنية المتفق عليها.

وبالتالي يجب أن يرتبط الابداع الفني بإعادة اكتشاف الوجود الفوري للعالم والانسان كوعي معا، في حركية دائمة، واستكشاف العمل الفني خارج نطاق المحدود، والانتقال من عالم أكثر وحشية وفوضى بدائية تحكمه عناصر الاستعباد البشري الجديدة، بين الاضطراب والنظام، الى عالم ليس بالضرورة مثالي في مدينة فاضلة. بل عالم يتحرر من قيود الانسان المسلطة على نفسه وعلى من حوله من طبيعة خام، يجب أنسنه الحياة عبر حركة الإنسان كما تتحرك كل الفنون بلا قيود.

« في هذا السياق المعرفي يقول نيتشه: الفنان ليس فقط خالق العمل الفني والجمالي، بل هو جمالي في وجوده الخاص، لذلك تتطلب حياة الفنان نظرة بصرية، تلغي حدود الإدراك العام وتجعلها متاحة لتوسيع الحواس بلا حدود. وبذلك يصبح العمل لفني البلاستيكي شهادة على رحلة إلى الحياة الآخرة، وانشطار الأنا لصالح الوحي الذاتي للحياة في حد ذاته. ولكن من خلال تحويل مركز الثقل من الخليقة إلى المعرفة، وحتى من المعرفة إلى الشعور الخالص وشهادة المغامرة على حدود الذات، والتي تتخلى عن قيود التصنيع ومتطلبات تجمع مما يجعل من الممكن لتبادل العواطف؟

يجب ان يعبر الفنان والمبدع الأراضي والثقافات، من أجل فتح فضاء عالمي أكثر وضوحًا وحيوية وإلهامًا.

التجربة التشكيلية والمفاهيمية حول الحدود حاولت استئصال داء الخطوط والحواجز وإعادة تشكيلها فنيا لأضعها في مواجهة مباشرة معها من خلال الفجوة التي أطل منها وهي الاعمال المنجزة، ولتجاوز مفهوم الحدود استبدلت الاحجام المتوسطة والصغيرة بأحجام كبيرة مانحا للجسد حرية أكبر للتحرك في فضاء اللوحة يمينا وشمالا فوقا وتحتا، كما حاولت جلب العالم الى طاولة اللوحة والعمل الفني المتكون من كل الرموز والآثار والعلامات الطبيعية والخامات المهجورة، عن طريق الكولاج وأرشفة أجزاء من الاجسام المادية لمخلفات العابرين، ليسوا بالتحديد مهاجرين سريين او قانونيين، بل كل عابر ومار، في إحالة رمزية على الزمان، كما استعنت بمواد و خلائط غبار ومواد لاصقة لتثبيت الطبيعة في إحالة الى الجغرافيا بعناصر طبيعية، باتجاهاتها رغم رغبته المحلة في تجاوز حدود المتاريس والحواجز التي اغلقها في وجه المتلقي بشكل عنيف ومدمر، محيلا على ضرورة التنقل الى الضفة الأخرى فكريا وماديا، ليس بالضرورة ضفة اكثر تطورا، ولان الفن ممارسة كونية، فالعمل الفني بالنسبة لي لم يعد بالضرورة تعبيرا عن وجهة نظر شخصية من الناحية الجمالية، حيت لا يجب أن يبقى الفنان بلا حراك أمام عالم متحرك طبيعيا وبشريا، بل يجب على الفنان أن يتجاوز حركة العالم ليعيد انتاج تصورات جديدة حول هذا العالم او تشويهه، دون الخضوع للتعبيرات المبتذلة الإسقاطية واستيعابها الذاتي، اذن هو فن جديد من الادراك والشعور بعيدا عن تضييق الروابط مع الذات ومع الخارج، حيث يجب كسر حدود التفكير والمادة لبناء أسس منفتحة تليق بالإنسان الحديث والمعاصر. يجب النطر لحدودنا لنكتشف ونسلط المزيد من الضوء على قضايا عبورنا البصري في بعده الجمالي وذوقنا الجمالي المتجدد.

لنبني تصور رائد لممارسة إبداعية مغربية تكسر مفهوم الحدود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق