ثقافة وفن

في حوار مع الكاتبة الإسبانية إنماكولادا غارثيا هارو

البطلات المخفيات ... التاريخ بنون النسوة

هي إحدى أهم الكاتبات الإسبانيات البارزات في منطقة الأندلس نظرا لمؤلفاتها المتنوعة بين الشعر والسرد اضافة الى مؤلفاتها وبحوثها الأكاديمية القيمة هي حاصلة على شهادة في الفلسفة والأدب قسم الجغرافيا والتاريخ -تخصص تاريخ الفن من جامعة مالقة

لها العديد من الدواوين الشعرية من أبرزها LA RUTA SAGRADA و VERBO UNGIDO.. الخ وفي السرد كتاب HISTORIAS DE BABIL إضافة إلى العديد من المنشورات الجماعية مع كتاب وروائيين إسبان.

تُرجمت أعمالها إلى الإنجليزية والرومانية والهولندية والألمانية والمجرية والإيطالية والعربية، والكتالونية والأستورية والفالنسية والجاليكية. اضافة الى أعمالها السابقة تعتبر الكاتبة من أبرز المتخصصات بشبه الجزيرة الإيبيرية في استعادة الذاكرة التاريخية للمرأة في الأدب والفنون والذي ترجمته من خلال كتابها موضوع مقابلتنا:

HEROÍNAS OCULTAS Mujeres Escritoras y Artistas Excluidas por La Historiografía

ضيفة هذا الحوار الاستثنائي ولأول مرة هي الكاتبة والباحثة الإسبانية إنماكالودا غارثيا هارو لكي تتحدث لنا عن أهم ملامح كتابها HEROÍNAS OCULTAS أو البطلات المخفيات والكتاب عبارة عن دراسة تاريخية لتسليط الضوء على موضوع استبعاد النساء في مجالي الأدب والفن خاصة في حقبة القرن التاسع عشر، وكيف أن الأخلاق المسيحية البرجوازية كان لها دور في تراجع حقوق المرأة في أوروبا، والصورة النمطية للأديان السماوية الثلاث تجاه الأنثى من خلال التفسير الذكوري للنصوص المقدسة وعلاقة ملحمة جلجاميش بالأميرة الأكادية انخدوانا كأقدم كاتبة وشاعرة في التاريخ. .

حاورها عبد الحي كريط

< كتابك هو عبارة عن دراسة تاريخية لتسليط الضوء على موضوع استبعاد النساء في مجالي الأدب والفن خاصة في حقبة القرن التاسع عشر، ماهي المحددات الرئيسية التي انطلقت منها في تأليف كتابك؟

> كانت الصعوبة التي واجهتها المرأة عبر التاريخ في تطوير التخصصات الأدبية والفنية هي أحد أهم الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تأليف هذا الكتاب على وجه التحديد، والتهميش والإخفاء هو نوع من إساءة معاملة النساء وتمت ممارسته بشكل منهجي في تاريخ الفن والأدب صحيح أن هنالك عدد كبير من النساء حققن الشهرة في تلك الحقبة، على الرغم من عدم وجود بيئة اجتماعية وثقافية مواتية ولكن من خلال بعضا من الاستثناءات المشرفة وهي غير مدرجة في المناهج التعليمية المدرسية لأن الشريعة اﻷبوية هي المهيمنة بشكل بارز والسبب الرئيسي في ذلك أن تاريخ الفن والأدب، مثل بقية تخصصات التأريخ كما نعرفها اليوم، بدأ في القرن التاسع عشر، وهو أحد أكثر الأوقات رجعية لحقوق المرأة القائمة على الأخلاق المسيحية البرجوازية التي أسست تطورها على الأهمية الأساسية لنواة الأسرة ومؤسسة الزواج، وبالتالي على «نقاء» المرأة.

وبهذه الطريقة ومنذ بداياته، تم التخلي عن تاريخ الفن والأدب ليشمل النساء وخلق الشريعة الذكورية الخالصة التي استمرت حتى يومنا هذا فقد همشوا وأسكتوا أسماء الفنانات ولم تظهر أعمالهن في المتاحف التي يعود تاريخ إنشائها كما نعرفها الآن إلى وقت قريب.

< ماهي الأسباب التي دفعتكم إلى تأليف هذا الكتاب؟

> السبب الأساسي الذي دفعني لكتابة هذا الكتاب هو وضع حد لهذا الظلم التاريخي من خلال تحليل أسبابه واستعادة السيرة الذاتية وأعمال وإبداعات هؤلاء النسوة بحيث يتم في نهاية المطاف إدراج الكتاب والفنانين الأكثر صلة في القانون وإبرازها في المناهج المدرسية من خلال نسيج ذكوري مهيمن على مجالات الإبداع.

< قلت في كتابك أن الأخلاق المسيحية البرجوازية كان لها دور في تراجع حقوق المرأة في أوروبا، كيف ذلك؟

> حسنا سؤال وجيه، نشأت النسوية في الفلسفة السياسية الحديثة كفكر مستنير ونموذجي ومن بين النصوص الكلاسيكية يجب أن نسلط الضوء على النص الذي يعتبر الوثيقة الأساسية للثورة من أجل مساواة حقوق المرأة: إعلان حقوق المرأة والمواطن (1791) من قبل أوليمبيا دي جوج، ردًا على إعلان حقوق الرجل والمواطن (1789) والدفاع عن حقوق المرأة لماري ولستونكافت (1792) وهو نص يعتبر من النواة الأساسية للعمل التأسيسي للنسوية. ولكن كما تؤكد أميليا فالكارسيل لا يمكن استنتاج مما قيل إن التنوير هو نفسه نسوي. علاوة على ذلك، أعتقد أن النسوية هي الطفل غير المحبوب لعصر التنوير، ديمقراطية روسو لتي تمثل أعظم إنجازاتها في إرساء أسس دمقرطة التعليم – للرجال، كما هو مفهوم – حصرية لأنها تؤسس المساواة بين الرجال في تفوقهم على النساء: الدولة المثالية هي جمهورية يكون فيها كل ذكر رئيسًا للأسرة والمواطن وجميع النساء، بغض النظر عن وضعهن الاجتماعي أو مواهبهن الخاصة محرومات من مجال المواطنة والحرية الخاص بهن.

لذلك، على عكس ما كان يمكن أن يحدث بالتطور الطبيعي، لا يمكن أن تكون ظروف نضالهن أقل ملائمة فقد أدى تطبيق القانون النابليوني إلى واحدة من أكثر المراحل قمعية تجاه النساء: الأخلاق المسيحية البرجوازية في القرن التاسع عشر نحن نعرف بالاسم العام للتدوينات النابليونية تلك الأشكال الجديدة من القانون الوضعي التي حلت محل النظام القديم للقانون الجزئي للعديد من الطوائف والحرف والعقارات وأخذت القانون الروماني كنموذج وكمصدر للعقد الاجتماعي لجاك روسو وكلاهما حصري للنساء والأقلية العمرية للنساء. كانوا يعتبرون بنات أو أمهات في سلطة آبائهن أو أزواجهن أو أبنائهن لم يكن لديهن الحق في الحياة العامة أو إدارة ممتلكاتهن أو ممارسة السلطة الأبوية أو بالطبع، رفض الأب أو الزوج العنيفين وتم استبعادهن من القطاعات التعليمية التي قامت الدولة بإضفاء الطابع المؤسسي عليها لأول مرة وبالتالي يمكن القول إنهن مستبعدات من الحق في المواطنة وفي نهاية المطاف من الحرية.

< قلت في كتابك أن صورة المرأة النمطية التي جاءت بها الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية والإسلام كانت سببا في بروز الخطاب الذكوري بمختلف المجتمعات، ألا تعتقدين أن سبب ذلك راجع إلى التفسير الخاطئ لنصوص التوراة والإنجيل والقرآن على حد سواء من قبل رجال الدين؟

> إن ما يسمى بأديان الكتاب (اليهودية والمسيحية والإسلام) هي نتيجة لتطور أنثروبولوجي وديني حيث عبادة الإلهة الأم، الزهرة القديمة إله الأب السامي وإله ذكوري أطلق عليه اسم «أديان الكتاب» أو أديان النظام الأبوي حتى يومنا هذا ومن الواضح أن المؤسسات التي تقوم عليها هذه الأديان هي تلك التي تفرضها لعقائد.

< عندما قرأت لكم بعضا من نصوص كتابكم ذكرتني بالباحثة والكاتبة المغربية اسماء المرابط والتي لها العديد من المؤلفات والتي أعادت الاعتبار لمكانة المرأة في الإسلام بعيدا عن تفسيرات الكهنوت الذكوري، هل يمكن القول إن كتابكم هو عبارة عن دراسة نقدية أعاد الاعتبار للمرأة في المجتمع المسيحي؟

> فعلا توصيفكم صحيح ومقارنتكم مثيرة للاهتمام فقد أكدت الدكتورة والناشطة الإسلامية النسوية أسماء المرابط (الرباط، 1961) وممثلة الحركة النسوية الثالثة، وهي مقاربة إنسانية للنسوية الإسلامية التي تراجع النصوص المقدسة، أن التفسيرات المعادية للمرأة والبطريركية التي تهمش النساء والرجال يجب أن يتم تفكيكها. لقد حرموها من حقوقها، على عكس الخطاب الرسمي للقرآن والذي حرر المرأة من قيود الأعراف والمجتمع الذكوري وأعطى لها جميع حقوقها في المجتمع الغربي، الذي هو محور هذا الكتاب مع بعض الاستثناءات هو بشكل عام ديانة مسيحية تقليدية (كاثوليكية، بروتستانتية، أنجليكانية، إلخ)، لكن القطاع العلماني حاليًا يكتسب أرضية صلبة بالإضافة إلى ا الديانات الأخرى نظرا للتعايش مع مجتمعات أخرى من مختلف البلدان. ومع ذلك فإن تأثير مذاهبهم لا يزال كامنًا، ومن الواضح أن تفسير النصوص المقدسة كان دائمًا يتم تنفيذه من وجهة النظر الأبوية ومن الضروري للغاية مراجعتها.

< ماهي الأدوات المعرفية التي اعتمدتها في استنباط بعض الحقائق التاريخية لوضع المرأة في المجتمع الأوروبي، وهل الثورة الصناعية التي عرفتها أوروبا كان لها دور كبير في تحرر المرأة من سلطة الكهنوت؟

شكلت الثورة الصناعية نقطة تحول تاريخية في عمل المرأة حيث فتح إنشاء المصانع فرص عمل جديدة وجعل النساء يتمتعن بتقدير عالٍ للقوى العاملة لمهاراتهن في العديد من المهام وخاصة في التصنيع وهو قطاع رئيسي للتصنيع والمنسوجات. ومع ذلك، فإن عواقب هذا التغيير على حياة المرأة كانت ولا تزال موضع نقاش وجدال وبالتالي ومن منظور متفائل يعتبر عمل المرأة جيد و أن رفع أجرها ومساهمتها في دخل الأسرة والاعتراف الاجتماعي بها داخل الأسرة وخارجها لها دور كبير في تعزيز المنظومة الأسرية من ناحية أخرى ومن وجهة نظر أكثر تشاؤمًا، يُقال إن ظروف المعيشة والعمل السيئة أدت إلى تدهور كبير في الرفاهية و يمكن القول أن النساء في قطاع البروليتاريا قد تدخلن في الحياة العامة على عكس الطبقات الأكثر ثراءً وأن هذا على المدى الطويل عزز فكرة أن الاستقلال الاقتصادي كان أساس تحررهن من جميع طبقات المجتمع..

< ما علاقة ملحمة جلجاميش بالأميرة الأكادية انخدوانا؟

> لقد انتقلت انخدوانا إلى الأجيال القادمة لأسباب مختلفة. الأولى لكونها واحدة من أوائل النساء الموثقات والثانية للدور المهم الذي لعبته هذه الأميرة الأكادية في تجسيد قمة الطبقة الكهنوتية لهذا السبب من السهل استنتاج أنها لم تكن مجرد امرأة، بل كانت ابنة العظيم سرجون الأول مؤسس الإمبراطورية الأكادية، الذي كان في منتصف القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد ولتي شملت جزءًا كبيرًا من بلاد ما بين النهرين، ليس فقط في أحواض نهري دجلة والفرات ولكن حتى في لبنان وساحل البحر الأبيض المتوسط. والثالث والأهم هو أن إبداعها الأدبي يسبق قصيدة جلجاميش ولتي كانت تُفهم حتى وقت قريب على أنها أول رواية أدبية، وهو ما جعلها أول كاتبة امرأة تكتب في التاريخ.

< كيف تنظرون إلى واقع التعاون الثقافي والحضاري بين إسبانيا والمغرب؟

> أستطيع أن أؤكد لكم أن التعاون الثقافي بين إسبانيا والمغرب هو الذي يتمتع بأكبر قدر من الازدهار وقد عزز معهد ثربانتيس هذا التعاون لكن من دون شك، فإن المغاربة من أصل إسباني وكتاب المغرب الذين يكتبون بالإسبانية هم الذين عززوا أيضا هذا التعاون بالنظر إلى أن عددًا قليلاً من المؤلفين من إسبانيا وبجهد كبير، حافظوا على هذه العلاقات بين البلدين معًا وهذا هو حال ترينا ميركادر من تطوان في خمسينيات من القرن الماضي مع مجلته «المعتمد» والشاعر خوسيه ساريا من مالقة والمتخصص الحقيقي في الأدب الإسباني المغربي اليوم وكذلك بالوما فرنانديز غوما مع مجلتها Dos Orillas والتي حصلت مؤخرًا على جائزة مانويل ألتو لا غير لراعي الآداب الأندلسية الممنوحة من قبل ACE- قسم الحكم الذاتي الأندلسي، وهو كيان ضم العديد من هؤلاء الكتاب المغاربة في صفوفه والذين يكتبون بالإسبانية.

< كلمة ختامية؟

> في الختام، سيكون من الضروري التحدث عن مستوى الوعي الحقيقي الموجود في المجتمع حول الدين التاريخي المتعاقد عليه تجاه هؤلاء النساء الرائدات في العديد من المجالات، وقبل كل شيء، تقييم المسار الذي لا يزال يتعين القيام به نحو المساواة الكاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق