ثقافة وفن

من اليمن السعيد

مأخوذا بالشعر

نادية مرعي

نطل اليوم على شاعر سوماني رصين مأخوذا بالإنسانية بعمقها الأرقى جمالية وجود شفيفة ففي مجموعته الأولى « مأخوذة بالنهايات» الفائزة بجائزة المقالح في دورتها الخامسة والصادرة عن دار أروقة للطباعة والنشر تلك المجموعة المذهلة التي تأخذك جمالية التقاطاتها وعمق وعيها بالإنسانية عموما والأنثى خاصة ووجعها وغربتها، واغترابها من الإهداء إلى آخر نص، حتى أني كنت أعود للغلاف لأتأكد من الشاعر أنه هو (بلال قائد عمر) ولست مخطئة ففي النصوص إحساس عال وصوت لا ينقل وجع المرأة أو يصوره كمتعاطف خارجي ولا كشاعر امرأة يستعرض فحولته ورجولته عبر تلك النصوص، بل إنه صوت عميق يصرخ ويئن ويبكي وينسج تفاصيل أنثوية بقلم رجل صموت هادئ متأمل لطيف كروح شفافة تهوم في كل جمال إبداعي وفعالية تجده منسقا داعما وحاضرا لكنه لا يقاتل من اجل المنصة ولا يسعى لها كأنما لا يعنيه أن يعرفه أحد كشاعر بديع، لا أخفيكم تلك المجموعة أخذت تلابيب روحي أبكتني وأدهشتني وأشعرتني كأنثى يمنية أن الدنيا بخير وأن في الرجال من يشعر بنا بصدق ورقي ويساندنا ولو بالحرف وفي ذات الحرف يدلق روحه الإنسانية فيهمي آدميته مطرا متزن العبق يصب الألم الوجودي الصرف عن ألم البشرية، ففي مجموعة «مأخوذة بالنهايات « تجد نفسك تعيش بعمق تجربة الراهن / الواقع / هنا والآن، تشعر أنك بين يدي سيدة اللحظة مغمورا بتفاصيل رقيقة تلمس شغاف الإنسانية تندرج في أزمنة بلا عناوين تحمل وجع اللامتناه من القهر والسطوة الوجودية بشعرية تصاعدية متألقة فريدة المبنى والمعنى كما أشار لذلك البروفيسور/عبدالعزيز المقالح حفظه الله، في متواليات أسبوعية تشدك وكأنها مذكرات تسرد خصوصية عجيبة تحلق بك تسكرك تثملك تظن أنها متواليات حدث بيولوجي لتخلق كيانا فانتازيا لروح ولادتها تتحقق في الأسبوع الثلاثين تلج للمجموعة من مدخل يفتتحه الشاعر:

المدينة نائمة..

الليل يروي أرض الأرق

يؤرق ظمأ الألوان..

على حافة النافذة فتح ذراعيه

لاحتضان المآذن،

يحرقني المدى وتشعلني القبل

تسجيني الشهقة الأخيرة

وبركان.

لك أن تحلق بفكرك ومشاعرك ما شئت لكنك تجد ذاتك تتدفق ملء النص بآدمية قانية، تجدك في الأسبوع الثلاثين وبسردية شعرية متقنة لحرف يعالج الهم الوجودي يحفر عميقا في الذات البشرية بوعي وحكمة لذيذة تمتع الروح والعقل، وأجدني مأخوذة بالإنسانية المتعالية لدى هذا الشاعر الجميل بلطافة لا تطاق، و في مجموعته الثانية «وحدهم» تقع تماما بين دفتي شاعر محترف واع خبير يعلم ما يفعل يعتمد خطة إبداعية ونسق فريد لبصمة تخصه وحده فيضعنا في تقديم مرهف للبديع المقالح يأخذنا لعمق تجربة شعرية مكتملة النضج والتميز في مشروع شعري مختلف ذو رؤية إنسانية وحكمة وآفاق مشرعة الوجود لشاعر يدرك تماما هدفه وغايته ينقلنا في متوالية ومكانية كأنها قصة يوم كامل تبدأ من الواحدة مساء أول نص وتنتهي في تسلسل بديع بالسابعة صباحا وشاعرنا هنا يغرقك في ألم الطفولة ووجع الطفل الذاتي المشرد الطريد اليتيم اللطيم والطفلة السليبة وآمال لم تدرك ونظرة طفولية رقيقة تتصاعد كرائحة بن يتماهى وجمال إنساني مطلق يطوحك في تعال صوفي روحي نفسي شفيف يحملك للذة مبصرة بصيرة تنضح بالآدمية تخاطب طفلك الداخلي تعاطفا مرحا ألما وأملا مفقودا، ثم يختتم المجموعة وكأنها قصة يوم كامل أو رواية تختصر أجيالا في يوم بنص فاتن «ماء يطعن الظلام» عنوان قاتل لمحتوى يلخص وجع الإنسانية العربية اليمنية الناتجة من ظلم وقهر الأنثى بالشرشف / الحجاب اليمني المأخوذ من الاحتلال التركي الذي يكفن المرأة بسواده سواد نشأ منه كل قهر، يقول بلال:

وحدهم يشرشفون أمنياتهم،

وفي عزلة ينتظرون خاتمة،

ومن نصف غيبوبة

يشرفون على هاوية النسيان.

في غابات من الممرات المتشابكة

تتسلل حكايات وأقمار.

شمس تثقب قلوبهم.

يأخذهم الرصيف « دون عودة» إلى فجر تحت قيد الرحيل.

يخربش أزمنتهم.

من حفرهم يلتقطون ضوءا يطوي صفحاته.

تثقبهم قطرات ماء تطعن الظلام.

والوقت يئن على فراش واهن.

يصفف حشرجاتهم المتعبة يلقي أسماءهم النابتة بالعراء.

في نهاية الخريف.

بكل هذا الألم والقسوة يصفع بلال الواقع القاسي ويتركنا للوجع والدموع وقلة الحيلة في كل هذا الظلام القبيح الفاتك بالطفولة عنفا وتشريدا وقبحا، أتمنى أن تجد مجموعتي بلال قائد عمر الناقد الحصيف المنصف الذي يبرز جماليتها وأرجو أن أجد متسعا من لذة النص لأقاربه هما بعمق أكثر هذه مجرد إطلالة صحبتكم فيها لجمال من اليمن السعيد ببنيه حقيقيي الجمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق