سياسة

المشهد السياسي في السودان بعد اتفاق نوفمبر

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

رغم الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين المجلس العسكري في السودان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، وعاد بموجبه حمدوك إلى قيادة حكومة تكنوقراط حتى إجراء انتخابات عامة في تموز/ يوليو 2023، لا تزال الشكوك تحيط بمستقبل العملية الانتقالية ونيات العسكريين المشاركين فيها؛ نظرًا إلى تراجعهم أكثر من مرّة عن الالتزامات والاتفاقات التي رسمت ملامح هذه العملية، بعد إطاحة نظام الرئيس السابق عمر حسن البشير، وفي غياب أي ضمانات حقيقية تمنع تكرار انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021.

اتفاق 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021

بعد مرور أربعة أسابيع على إقالة حكومة عبد الله حمدوك، ووضعه قيد الإقامة الجبرية، إضافة إلى اعتقال نحو 300 شخصية سياسية وحزبية، أسفرت الوساطات المحلية والدولية عن التوصل إلى اتفاق بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء المقال حمدوك يوم 21 تشرين الثاني/ نوفمبر. اشتمل الاتفاق على نحو 14 بندًا، أهمها: التأكيد على أن الوثيقة الدستورية لسنة 2019 وتعديل 2020 هما المرجعية الأساسية لاستكمال الفترة الانتقالية مع مراعاة الوضعية الخاصة بشرق السودان، وتعديل الوثيقة الدستورية بالتوافق بما يضمن مشاركة سياسية شاملة، والتأكيد على الشراكة القائمة بين المدنيين والعسكريين وتشكيل حكومة كفاءات، وأن يكون مجلس السيادة الانتقالي مشرفًا على تنفيذ مهمات الفترة الانتقالية، وإدارة الفترة الانتقالية بموجب إعلان سياسي يحدد إطار الشراكة بين القوى السياسية والمدنية والمكون العسكري والإدارة الأهلية ولجان المقاومة والشباب والمرأة والطرق الصوفية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والإسراع في تكوين مؤسسات الحكم الانتقالي، وإطلاق حوار موسّع من أجل قيام المؤتمر الدستوري، وإعادة هيكلة لجنة تفكيك نظام الرئيس البشير ومراجعة عملها، والعمل على بناء جيش قومي موحّد.

ردود الفعل

شكّل الاتفاق مفاجأة لبعض قوى الثورة والمتظاهرين الذين كانوا يساندون حمدوك، ويهتفون له ضد الانقلاب الذي أطاح حكومته، وعدّه بعضهم «خيانة». أما ردود أفعال القوى السياسية، فقد جاءت متباينةً إزاء الاتفاق ما بين معارض ومؤيد. ويمكن تصنيف المعارضين ثلاث مجموعات:

• المجموعة الأولى رفضت الاتفاق جملة وتفصيلًا ودانته، ورفضت التعامل مع أطرافه، ويبرز هنا عدد من القوى السياسية في المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، خصوصا أحزاب المؤتمر السوداني والتجمّع الاتحادي وحزب البعث العربي الأصل؛ وهي قوى كانت مشاركةً في حكومة حمدوك المقالة، إلى جانب تجمّع المهنيين بجناحيه. وطالبت هذه المجموعة بمحاكمة «الانقلابين». لا ترفض أحزاب هذه المجموعة الوثيقة الدستورية، ولا ترفض أيضًا مشاركة العسكريين في العملية الانتقالية، ولكنها لا تقبل بالشخصيات التي قادت الانقلاب.

• المجموعة الثانية يمثلها حزب الأمة القومي الذي عبر أعضاؤه عن آراء متباينة، عكست وجود تيارات داخله. فقد شاركت قيادات من الحزب ممثلة في رئيس الحزب وأمينه العام في لجنة الوساطة التي توصلت إلى الاتفاق. وأعرب رئيس الحزب، فضل الله برمة ناصر، عن تأييده الاتفاق ودافع عنه، وأبدى الأمين العام للحزب، الواثق البرير، آراء تتفق مع بنود أساسية وردت في الاتفاق. لكنّ قيادة الحزب اضطرّت إلى الانسحاب من حفل التوقيع على الاتفاق؛ بسبب المعارضة القوية في صفوف الحزب، فقد أعلنت نائبة رئيسة الحزب، ووزير الخارجية في حكومة حمدوك المقالة، مريم الصادق المهدي، عن رفضها الاتفاق. وطالبت مجموعة من شباب الحزب بسحب الثقة من برمة ناصر، ومحاسبة الذين شاركوا في ترتيب الاتفاق، كما خاطب إبراهيم الأمين، نائب رئيس الحزب، التظاهرات المناوئة للاتفاق.

• المجموعة الثالثة ترفض الاتفاق، والوثيقة الدستورية، والحكومة التي سيشكلّها حمدوك. يمثل هذه المجموعة الحزب الشيوعي. وقد أعلن السكرتير العام للحزب، محمد مختار الخطيب، في مؤتمر صحافي في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، أن حزبه سيعمل على إسقاط انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر، والحكومة التي سيشكلها حمدوك، والوثيقة الدستورية. ويقف مع هذا الخط السياسي جناح في تجمّع المهنيين، يتماهى مع مواقف الحزب الشيوعي. وترفض هذه المجموعة مشاركة العسكريين في السلطة، وتصرّ على نقل الحكم للمدنيين.

أما في جانب المؤيدين للاتفاق، فتبرز الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام. وقد أكد الاتفاق على تنفيذ اتفاقية جوبا، وضمان حصص هذه الحركات في مجلسَي السيادة والوزراء. وأيّدته أيضًا أحزاب من المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، وعدّته خطوة مهمة، مثل الحزب الوطني الاتحادي الذي يرأسه يوسف محمد زين؛ والحزب الناصري – تيار العدالة الاجتماعية، ويرأسه ساطع الحاج، وحركة حق برئاسة أحمد شاكر. وقد قابل رؤساء هذه الأحزاب مع آخرين من المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير حمدوك، في يوم 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، وطالبوه بإطلاق سراح المعتقلين وإعادة المفصولين بعد 25 تشرين الأول/ أكتوبر.  يُعدّ حزب الاتحادي الديمقراطي الأصل (ما تبقى من الحزب بعد انشقاقه)، برعاية محمد عثمان الميرغني، أبرز الأحزاب من خارج تحالف الحرية والتغيير التي أيّدت الاتفاق، ومعه شقٌ من حزب الأمة، بقيادة مبارك الفاضل المهدي، وكذلك قيادات من الإدارات الأهلية وزعماء طرق صوفية.

دوليًا، جاءت أغلب المواقف مرحبةً بالاتفاق، وبرز خصوصًا موقف مصر التي امتنعت عن إبداء موقف علني من انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر. لكنها أعربت عن ترحيبها باتفاق 21 تشرين الثاني/ نوفمبر. ووفقًا لنشرة «أفريكا انتلجنس»، فقد شكّلت المخابرات المصرية غرفة عمليات لمتابعة تطورات الأوضاع في السودان، بعد الانقلاب، وأرسلت فريقًا إلى الخرطوم للتوسّط بين الطرفين، والتأكد من أن أي اتفاق سيكون لصالح العسكريين. وقد قابل الوفد حمدوك، حينما كان قيد الإقامة الجبرية، وقابل أعضاء من المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير. وقد رحبت المملكة العربية السعودية وقطر بالاتفاق. وكذلك فعلت دول الترويكا (الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، والنرويج)، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، وبعثة الأمم المتحدة في السودان (يونيتامس) والاتحاد الأفريقي.

عودة حمدوك

يُعدّ تكليف وكلاء وزارات جدد، في الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2021، لتسيير أعمال الوزارات، ليحلوا محل المديرين العامين الذين كلفهم البرهان بعد 25 تشرين الأول/ أكتوبر، أهم عمل يقوم به حمدوك بعد مباشرته مهماته، إثر اتفاق 21 تشرين الثاني/ نوفمبر. وكان عدد من هؤلاء الوكلاء قد شغلوا مناصب في مؤسسات حكومية، إبّان ولاية حمدوك الأولى. واستنادًا إلى خلفية الوكلاء الجدد، يريد حمدوك أن يرسل رسالة إلى الشارع وإلى حلفائه السابقين مفادها أنه ماضٍ في مسار ما قبل الانقلاب، وأنه المتحكّم في تعيين المناصب العليا في الحكومة. لكنّ هذا الميل منه قابله إصرار من العسكريين على تأكيد سلطتهم، فبعد الإفراج عن المعتقلين السياسيين الذين اعتقلوا في فجر 25 تشرين الأول/ أكتوبر، أعيد اعتقال بعضهم فترة وجيزة، وبدأت نيابة أمن الدولة في التحقيق معهم، وهم محمد الفكي سليمان عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق، ووجدي صالح القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي وعضو لجنة إزالة التمكين وآخرين. ودونت في مواجهتهم تهمًا بالتحريض وإثارة التذمر ضد القوات المسلحة. وجرى إطلاق سراحهم بالضمان.

وتشير هذه الخطوة إلى أن المكون العسكري يريد أن يحدّ من الانتقادات التي يمكن أن توجه إليه، وأن يؤكّد أنه صاحب القرار النهائي في إدارة شؤون الدولة، وهو بذلك يثبت أنه لم يغير موقفه وطموحه إلى الاستحواذ على السلطة، وأنه قبل بالاتفاق وإعادة حمدوك من دون الأحزاب تحت ضغط دولي، ولإرباك حركة الشارع المعارضة للانقلاب وشق القوى المدنية.

فرز جديد للقوى السياسية

يعكس تفاعل الأحداث على الساحة السودانية بروز حاضنةٍ سياسيةٍ جديدة، بدأت تتبلور لتحل مكان الحاضنة القديمة المشكّلة من أحزاب المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، التي انقسمت على نفسها بشأن الاتفاق. وكانت مريم المهدي قد أشارت، في بيان لها في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، إلى وجود خلافاتٍ داخل تحالف الحرية والتغيير في «كيفية التعامل مع اتفاق البرهان – حمدوك» . وتتكون الحاضنة الجديدة من الأحزاب المؤيدة للاتفاق إضافة إلى تجمعات مناطقية وقيادات إدارة أهلية وطرق صوفية، المذكورة سابقًا. يضاف إلى هذه القوى تيار من حزب الأمة القومي. وقد وجّه بيانٌ للأمانة العامة للحزب اتهامًا إلى حمدوك بمحاولة شقّ الحزب، وجاء فيه أن الأخير بدأ «بصورةٍ مؤسفةٍ السير باتجاه خلق حاضنة سياسية جديدة متجاوزًا قوى الثورة الحية، ساعيًا لشق الصف بين المكونات السياسية ولجان المقاومة»، بعد أن قابل بعض قيادات الحزب بالولايات. في حين لا «يزال الحزب متمسّكًا بمطالب الشارع ويعبر عن آرائه ويلتزم بمساراته المعلنة في مواجهة الانقلاب». وقد جاءت اتهامات مماثلة من تنسيقيات لجان مقاومة، ورد فيها أن حمدوك يحاول شقّ صف تلك اللجان، بعد أن التقى أفرادًا منها، وأنه يسعى، عبر تعييناته السياسية وسياساته الآنية، إلى طمأنة الشارع المعبأ ضده، وضد العسكريين والمعارضة السياسية المناوئة له، بأنه يشقّ طريقًا مستقلًا عن المكون العسكري.

على الجانب الآخر، تتحوّل أحزاب وقوى الحكومة المقالة، ومعها عدد من لجان المقاومة وتجمّع المهنيين بجناحيه والحزب الشيوعي، إلى معارضة الحكومة التي سيشكّلها حمدوك. وتتباين درجات المعارضة بين الرفض الكامل لمشاركة العسكريين في السلطة وصياغة وثيقة دستورية جديدة، ومشاركة مجموعة جديدة من الضباط في الحكم مع الاحتفاظ بالوثيقة الدستورية الحالية التي تدعمها أطراف أخرى في المعارضة. ستكون الآلية الرئيسة التي ستعتمد عليها المعارضة هي الشارع، بتنظيم تظاهراتٍ للضغط على الحكومة الجديدة. وبالفعل، تم الإعلان عن جدول التظاهرات لشهر كانون الأول/ ديسمبر 2021. ويبقى التحدّي أمام المعارضة الجديدة متمثلًا في القدرة على المحافظة على استمرار التظاهرات وزخمها، وسط وضع اقتصادي متأزّم، وإنهاك اجتماعي، في بيئة سياسية تشهد تحولات مستمرّة.

خاتمة

تعكس التطورات السياسية التي يشهدها السودان حالةً من الاستقطاب الحاد وتشظّي القوى السياسية حول الموقف من اتفاق تشرين الثاني/ نوفمبر 2021. وبدلًا من أن يؤدّي الاتفاق إلى حل الأزمة التي انطلقت بانقلاب الجيش على الحكومة وإقالة رئيسها يوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، يتوقع أن يفرز أزماتٍ جديدة، تعبر عنها بوضوح حالة السيولة السياسية التي تعيشها البلاد. في الوقت نفسه، لا يبدّد الاتفاق المخاوف من رغبة العسكريين في الاحتفاظ بالسلطة وانتظار فرصة مناسبة جديدة للتخلص من الشريك المدني الذي فرضته عليهم الوثيقة الدستورية والضغوط الدولية والداخلية التي عارضت انقلابهم الأخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق