سياسة

لبنان وتصحيح السعودية لبوصلة ماكرون

علي شندب

من خارج السياقات العامة وتضاريسها الحادة في المنطقة أطلّ البيان السعودي الفرنسي المشترك، عقب زيارة الرئيس الفرنسي، ايمانويل ماكرون، الى السعودية، ولقاء القمة الذي جمعه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مدينة جدّه.

فالسياقات كما هو معلوم كانت مستقرّة لصالح توازن قوى تتسيّد فيه إيران النفوذ الإقليمي في المنطقة، بفعل تغوّلها عبر أذرعها في البلاد العربية من عاصمة الأمويين دمشق الى سدّ مأرب. وقد جحّظت قمة بغداد التي تغوّل فيها وزير خارجية إيران بروتوكولياً على قادة دول القمة، ليظهر من خلال وقوفه بينهم مكانة إيران المتقدمة عليهم، الى درجة حرص فيها ماكرون بوصفه وريث الانسحاب الاميركي من المنطقة على عقد لقائين مع عبد اللهيان على هامش القمة.

سياقات انعكست لبنانياً من خلال المعادلة الهاتفية التي أرساها ماكرون مع نظيره الايراني ابراهيم رئيسي بقولهما معا «بإمكان إيران وفرنسا وحزب الله المساعدة على تشكيل حكومة لبنانية جديدة». معادلة جحّظ فيها كل من رئيسي وماكرون «حزب الله» بما يرقى الى مرتبة الدولة.

غاية رئيسي من ذلك ترسيخ نفوذ إيران في لبنان عبر ذراعها الطويلة حزب الله وتأمين اطلالة متوسطية لها. وغاية ماكرون عدا عن الحصول على عقود النفط والطاقة من جنوبي لبنان بعد العراق، تحقيق انجاز سياسي يسعفه في انتخاباته الرئاسية ولو كان الثمن التضحية ليس بالمبادرة الفرنسية التي أطلقها من على أنقاض مرفأ بيروت الشهيد، بل التضحية بامتيازات أبناء «الأم الحنون» في لبنان.

عند هذا الحدّ تقاطعت مصالح الطرفين وتلاقحت فأنجبت حكومة ميقاتي، التي سبق وأسميناها حكومة الماكروسية التي ينتشي رئيسها بشهادات خصومه وأصدقائه واعترافهم بقدرته الفائقة على تدوير الزوايا التي افتتن بها أيضا رئيس فرنسا الذي تردّد أنه عندما أطلق مبادرته لحكومة أخصائيين مستقلين، كان الرسم التشبيهي لرئيسها مطابقاً لمواصفات وزوايا ميقاتي الذي قطع الطريق عليه «المرشح الطبيعي» سعد الحريري.

من هذه الزاوية يمكننا النظر الى احتفاء ماكرون الاستعجالي في قصر الاليزيه بميقاتي قبل أن تعقد حكومته جلستها ما قبل الاولى، حيث استعجل ماكرون زفّ نجاحه لناخبيه واعتباره تشكيل حكومة ميقاتي إنجازاً شخصيا له. بهذا المعنى بدا ماكرون تلميذاً غير نجيب في تدوير الزوايا. كما ان استاذ تدوير الزوايا لم يتعلّم من درس سلفه سعد الحريري عندما تعاطى مع أقرانه من الكتل السياسية بوصفه المفوّض والوصي على تنفيذ المبادرة الفرنسية، لينتهي به الأمر خارج تشكيل الحكومة وخارج لبنان أيضاً، فيمقاتي ومنذ لحظة تكليفه سارع الى إشهار سلاح الاستقواء بـ «الضمانات الخارجية» أي الفرنسية، على الداخل اللبناني، وأمام السعودية بوصفها قبلته السياسية والدينية، لكنه يريد أن يعتمر فيها بتأشيرة فرنسية.

عند هذا الحد، بدت «الماكروسية» التعبير العملي على نسق توازن القوى الاقليمية الجديد. إنه النسق الذي كرّس حزب الله برتبة دولة. وهو النسق الذي أطلق رصاصة الرحمة على اتفاق الطائف. وهو النسق الذي بتفويض أو غض نظر اميركي حاولت فيه فرنسا التمظهر بدور الوصي على المنطقة في لحظة اعلان الولايات المتحدة الانسحاب منها بدءا من أفغانستان بهدف تفرّغها لمواجهة الصين وروسيا. وبهذا المعنى هو النسق الذي رسم لإيران أدواراً متقدمة على أقرانها من دول المنطقة تعمل طهران على تثبيتها على طاولات فيينا وفق ما يشيعه وكلاء الحرس الثوري الإيراني في المنطقة.

ثم انطلق بركان الغضب السعودي والخليجي على لبنان سحباً للسفراء ومقاطعة للمنتجات كبداية لخطوات تصعيدية أخرى بدا معها كل ما بناه ماكرون مع إيران قد شطب بجرّة قلم واحدة.

ظاهر غضب السعودية والخليج المتضامن معها، تصريحات جورج قرداحي. أما جوهر هذا الغضب فهو عبث ماكرون بتوازنات المنطقة وتجاوزه لخطوطها الحمراء.

اذن المقاطعة السعودية والخليجية هي لماكرون وليس للبنان. بدليل أن قرداحي رفض أن يضع استقالته بتصرف رئيسي الجمهورية والحكومة ولا حتى البطريرك الماروني بشارة الراعي لدواعي التمسك بالسيادة والكرامة الوطنية، لكنه وضعها حصراً ويرجح بإيعاز من مرجعيته السياسية سليمان فرنجية بتصرف مانويل ماكرون (دونما أي اعتبار لمفردات السيادة والكرامة) ليصرفها ويتصرف بها مع محاوره السعودي الأمير محمد بن سلمان والتي صرفت اتصالاً ثلاثياً ضمّهما الى رئيس حكومة لبنان نجيب ميقاتي، وقد بدا الاتصال الثلاثي لزوم بعض فقرات البيان السعودي الفرنسي المشترك.

إنّه البيان الذي تضمّن ثوابت السياسة السعودية تجاه لبنان، منذ أن أعلنها بوضوح شديد السفير السعودي في بيروت وليد بخاري عقب آخر لقاء جمعه مع الرئيس اللبناني ميشال عون.

وهو البيان الذي أعاد التشديد على القرارات الدولية من القرار 1559 المختص بحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، والقرار 1680 المتصل بترسيم وضبط الحدود اللبنانية السورية، والقرار 1701 المتصل بوقف إطلاق النار جنوبي لبنان وحصر السلاح بالجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني.

لكن النقطة الأبرز التي تضمّنها البيان المشترك هي التأكيد على اتفاق الطائف «المؤتمن على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي»، وهو الاتفاق الذي عبث به ماكرون من حيث درى أم لم يدر وأهمله عندما غيّبه عن مهاتفته مع نظيره الايراني ابراهيم رئيسي.

أما النقطة ما بعد الأبرز، فهي النجاح الدبلوماسي الكبير الذي حققته السعودية من خلال دفعها لماكرون لمغادرة سرير المساكنة مع إيران، والتموضع التقليدي في مربعها في لحظة تدخل فيها مفاوضات فيينا النووية لحظات حاسمة، بدأ فيها بايدن يهدّد باستخدام خيارات أعدها جنرالات البنتاغون فضلاً عن خيارات أخرى يعلنها ساسة وجنرالات الحرب في اسرائيل.

كما إنه ليس تفصيلاً بسيطاً، أن تتحول الفقرات اللبنانية من البيان السعودي الفرنسي المشترك، الى لازمة أساسية في البيانات المشتركة التي صدرت عقب جولة ولي العهد السعودي على دول الخليج العربي تحضيراً لاجتماع مجلس التعاون الخليجي في الرياض، ما يعني أنه بات لدول الخليج العربي استراتيجية ثابتة ومعتمدة تجاه لبنان الذي لا مشكلة للسعودية ودول الخليج معه، انما المشكلة هي بين حزب الله والشعب اللبناني بحسب وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان.

وبهذا المعنى ينبغي النظر الى غضب حزب الله من تلقف نجيب ميقاتي لخارطة الطريق التي تضمّنها البيان السعودي الفرنسي الذي بات أشبه بخارطة طريق ليس لإعادة تطبيع العلاقات بين لبنان والسعودية والخليج، بقدر ما هي خارطة طريق لتعامل المجتمع الدولي برمته مع لبنان وخصوصاً حزب الله الذي تزداد رقعة تصنيفه تنظيما إرهابياً حول العالم. وبدون ولوج خارطة الطريق التي تضمّنها البيان المشترك، سوف لن تصل المساعدات الكفيلة في نشل لبنان من جهنم وانقاذ اللبنانيين من لهيب أسوأ أزمة كارثية غير مسبوقة، ولا قبل لهم بها.

أغلب الظن أن الاستعصاء سيمدّد اقامته في ربوع لبنان، فالحكومة اللبنانية معطلة حتى إشعار آخر، بناء على تصميم حزب الله على قبع المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت طارق بيطار، وأن الانسداد السياسي سيتعمّق لأن تنفيذ الإصلاحات المطلوبة عربياً ودولياً دونها موانع قاهرة مرتبطة بنسق توازن القوة المحكومة من حزب الله الذي يشعر اليوم أن تضحيته بجورج قرداحي هي بداية ما يتطلبه «الانتداب السعودي الفرنسي» كما وصفه بعض إعلام الحزب، وما لم يحدث كسر لنسق توازن القوة أو التوازن معه بالحد الأدنى، فعبثاً يحاول المحاولون.

وسط هذه المشهدية القاتمة يتواصل انخفاض سعر الليرة اللبنانية، ويحلق الدولار ليلامس الستة وعشرين ألفاً، فيما منظومة الفساد والنيترانيوم والكابتغون منهمكة في سياساتها الخرقاء، في لحظة باتت فيها أمنيات اللبناني منقمسة بين تأشيرة هجرة، أو الموت دون مرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق