سياسة

نجحت الألمانية العربية (DW) في تسليط الضوء عليها كجريمة …

استخدام اسلحة ثقيلة ضد متظاهرين سلميين ... كيف ينظر إليها العالم ...؟!

خالد أبو أحمد

المفارقة وحدها هي التي تسيطر على السودان في الوقت الراهن، نقول «مقارفة» لأن العالم احتفل قبل الايام بيوم حقوق الانسان العالمي، وتصدر التوصيات هنا وهناك، تطالب وتدعو وتحذر وتنادي وتوضح وتؤكد بكل صيغ الأمر والمطالبة بترسيخ معاني وحقوق الانسان في هذا القرية الكونية المغلوب على أمرها، في هذا الوقت هناك من يستخدم سلاح ثقيل يهدم بناية كبيرة يساويها على الأرض يقتل به انسانا فقط لانه طالب بحقوقه المشروعة دينا وعرفا..!!.

هذا ما اثبتته المهنية العالية للقناة الألمانية المعروفة باختصارها (DW) بالتعاون مع عدد من النشطاء السودانيين، الذين وثقوا حوادث مريعة نتج عنها مقتل أكثر من 40 سودانياً وإصابة العشرات بسلاح قوات الأمن السودانية منذ وقوع الانقلاب، ومنذ ذلك التوقيت استخدمت قوات الأمن السودانية الذخيرة الحية بشكل مفرط، إلى جانب الغاز المسيل للدموع، بهدف تفريق الاحتجاجات التي نظمت اعتراضا على استيلاء الجيش على السلطة.

هذه الجرائم أكدتها لجنة أطباء السودان أكثر من مرة في بيانات لها عندما ذكرت بأن قوات الأمن السودانية تستخدم الذخيرة الحية في مواجهة المتظاهرين في الخرطوم، وهو ما أكدته تقارير طبية تلقتها DW عربية من مصادرها بالسودان، حيث أشارت تقارير الصفة الشريحية لعشرة وفيات على الأقل إلى أن سبب الوفاة هو الإصابة بطلق ناري، والمفارقة التي نتحدث عنها اهنا ايضا أن قيادات الأمن السوداني وعلى رأسها البرهان وحميدتي تنفي على الدوام وبشكل قاطع تورط قواتها في أي عمليات قتل للمتظاهرين.

الشعب السوداني اعتاد منذ العام 1989 وحتى تاريخ اليوم على موجات العنف الشديد والمفرط من قبل قوات الأمن وميليشيات الدعم السريع، ومن الغباوة انهم ينفون هذه الجرائم والانتهاكات وبعض المقاطع صورتها هواتف جنودهم في حالة من الزهو والفخر وهم مدججون بأسلحتهم الفتاكة، هذا التعامل العنيف أشارت إليه منظمة العفو الدولية بوصفه تم باستخدام «القوة المميتة»، إذ قالت ديبروز موتشينا المدير الإقليمي لبرنامج شرق وجنوب إفريقيا في منظمة العفو الدولية «إن التصعيد في استخدام القوة المميتة من قبل السلطات الأمنية في السودان في الأسبوعين الماضيين كان مدروساً لترهيب وقمع الاحتجاجات في الشوارع ضد استيلاء الجيش على السلطة الشهر الماضي».

انشطاء السودانيين تمكنوا من إرسال ما قاموا بتوثيقه إلى آخرين نجحوا في تحميل تلك المقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وصل عدد كبير من هذه الصور والفيديوهات إلى DW عربية، هذا برغم انقطاع خدمة الانترنيت في البلاد، وقد أكد النشطاء أن قوات الدعم السريع والأمن السوداني يستهدف المتظاهرين العزل بسلاح ثقيل – ومنها المدافع المضادة للطائرات – الأمر الذي نتج عنه إصابات مباشرة أدت لوقوع وفيات. ووثقت التقارير الطبية التي وصلتنا من نشطاء سودانيين حالات وفاة متعددة نتجت عن الإصابة المباشرة بطلقات نارية (لم يحدد نوعها) استهدفت الرأس والصدر بشكل مباشر.

شاهدت المقطع الذي بثه التلفزيون الألماني DW بالنسبة لنا في السودان قد اعتدنا على ذلك لكن بالنسبة للقناة والمشاهدين غير السودانيين أكيد قد صدموا من عمليات القتل بالسلاح التي حدثت مرحلة بعد ثورة ديسمبر المجيدة، لكن القناة التزاما منها بالمعايير الصحفية غطت على صور القتلى بطريقة فنية لكن المشاهد بفطرته استوعب لأي مدى هؤلاء القتلة كانوا قساة مدفوعين بأحقاد ليس لها مبرر وجهالة عمياء يستغرب المشاهد كيف لشخص يقتل عدد من الشباب فقط لأنه مأمور بذلك..!.

الشكوك ثم اليقين..!

إن الشكوك التي شغلت أذهان الاخوة في القناة حول طبيعة السلاح الذي استخدم لقتل المتظاهرين السلميين كانت في محلها تماما، لكن شعب السودان تعودت على هذه ارتكاب مثل هذه الجرائم من السلطات الحاكمة الآن 33 عاما من القتل والإخفاء القسري والاغتصاب والتنكيل وكل انواع الاغتيالات مورست في الشعب السوداني لانه يريد تحقيق حلمه في دولة مدنية مثله وباقي شعوب العالم، تتعدد أسباب القتل والفعل واحد، ومن خلال التقرير الرصين والمهني بالدرجة العالية تأكد للأخوة الزملاء في DW أن الأسلحة التي وجهت لصدور الشرفاء أسلحة مخصصة لأغراض غير بشرية بل لضرب الطيران وتدمير المنشآت ومخصصة لقتل مجموعة كبيرة من البشر بلمسة واحدة، ولأنهم يدرون بأن الشاب الثوري السوداني بقوة عقله وفكره يمثل أمة بحالها لذلك كان القتلة يستخدموا هذه الأنواع من الأسلحة، لذلك لم يكن مستغربا منهم قتل الشابة الجميلة الشهيدة ست النفر بهذه القسوة فقد كانت تحمل فكرا نيرا وأن تأثيره في الشعب يخلق واقعا جديدا فهم لا يريدون واقعا يبعدهم من السلطة ويرميهم في السجون..!.

وفي هذا السياق تقول القناة الألمانية أنه من خلال الصور والفيديوهات التي تلقتها من مصادرها بدأت تتضح صورة بعض أنواع تلك الأسلحة بشكل تقريبي، لكن لم يتم التمكن من التأكد بشكل جازم من الشركات المنتجة للسلاح أو معرفة الرقم المسلسل لها، نظراً للخطورة الشديدة الذي يمثلها الاقتراب من قوات الأمن على حياة المتظاهرين لتصوير السلاح المستخدم، ولم تكتفي القناة بذلك بل تواصلت DW مع معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI في محاولة لتحديد نوع السلاح المستخدم في مواجهة المتظاهرين العزل والذي تم تركيبه على سيارات الدفع الرباعي فيما يعرف باسم (التاتشارات) تم حصر الاحتمالات في أربعة أنواع من الأسلحة وهي جميعها يمكن أن تستخدم طلقات خارقة للدروع.

السلاح الروسي المضاد للطائرات ZPU-4 السلاح الروسي المضاد للطائرات ZPU-4 هو واحد من الأسلحة التي تمتلكها القوات السودانية، وهو سلاح روسي مضاد للطائرات يتم إنتاجه أيضاً بموجب ترخيص في الصين تحت اسم 56 وفي رومانيا باسم MR-4. النسخة الأولى من هذا السلاح كانت المدفع السوفيتي KPV عيار 14.5 × 114 ملم، ويصل مداه إلى 8 كيلومترات أفقياً و نحو 5 كيلومترات رأسياً. كما يتم إنتاجه أيضاً في أوكرانيا وبالتحديد من خلال شركة SSSFTF Ukrinmash وهي شركة تابعة لمصدر الأسلحة الأوكراني الرئيسي المملوك للدولة  «Ukrspetsexport».

الدوشكا السوداني..

السلاح المضاد للطائرات ZU-23-2 المزدوج والمزود بماسورة 23 ملميصل مدى السلاح ZU-23-2 إلى نحو 2.5 كيلومتر، سلاح روسي مضاد للطائرات مزدوج الماسورة بقطر 23 ملم، ويرمز حرفي Z و U إلى (Zenitnaya Ustanovka)  أو معدات مضادة للطائرات بالروسية ويصل مداه على نحو 2.5 كيلومتر، وتنتجه أوكرانيا أيضاً من خلال الشركة السابق ذكرها.

السلاح المضاد للطائرات ZPU-2 السلاح المضاد للطائرات ZPU-2 يأتي ماسورة قطرها 14.5 ملم واستخدم بكثافة في عدة دول منها ليبيا سلاح مضاد للطائرات بماسورة قطرها 14.5 ملم وهما النسخة الأقدم من السلاح السابق وقد تم تطويره في الصين لاحقاً ويتم إنتاج أيضاً في رومانيا.

يعرف عالمياً باسم (دوشكا) وهو من الأسلحة المعرفة جدا في السودان ويتواصل صنعه في الصين وباكستان وإيران ورومانيا، تم تطوير السلاح لاحقاً وأطلق عليه (Dshkm)  وينتج في السودان حالياً.

القناة الألمانية العربية تواصلت مع مؤسسة SMALL ARMS SURVEY في سويسرا والمعنية بمراقبة حركة السلاح حول العالم والتي رجحت أن الأنواع الثلاثة الأولى – وفق ما ورد في الصور والفيديوهات التي أرسلتها DW عربية إليها – هي أسلحة روسية، أما الرابع فهو إنتاج سوداني وهو نسخة معدلة من الدوشكا التي يتم إنتاجها في الصين، هذه النقطة أيضاً أكدها مصدر سوداني متخصص لـ DW عربية -رفض ذكر اسمه- والذي قال إن أغلب السلاح المستخدم والمثبت على سيارات الدفع الرباعي والذي ظهر في الفيديوهات هو روسي الأصل، وأن الباقي يتم انتاجه (أو تجميعه في الأغلب) من خلال هيئة التصنيع الحربي السودانية وهي مؤسسة حكومية خاصة بإنتاج المعدات الدفاعية للقوات الأمنية السودانية، ومنها السلاح (دوشكا) غير أن الصين هي المصدر الأكبر لواردات السلاح في السودان، وهذا ما أشار إليه أيضاً تقرير معهد بحوث تسليح الصراعات.

تشير القناة إلى أن التوصل لنوعية بعض هذه الأسلحة لم يكن مفاجئاً، ذلك أن قوات الجيش السوداني استخدمت بعضها خلال معاركها مع «الجيش الشعبي لتحرير السودان – الشمال» (SPLA-N)  في المعارك التي دارت في جبال النوبة، إن تقرير معهد بحوث تسليح الصراعات وثق عدداً من هذه الأسلحة الثقيلة والتي وقعت في أيدي قوات (SPLA-N)، ومنها سلاح 12.7 x 108 mm (Khawad) heavy machine gun وسلاح ZU-23-2 23 x 152B mm ، وذلك رغم الحظر الأوروبي المفروض على واردات الأسلحة للسودان منذ عام 1994 والحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة بسبب أزمة دارفور منذ عام 2005م، إلا أنه وبحسب التقرير فإن نتائج البحث تشير إلى أن الحكومة السودانية واصلت الاستفادة من الوصول «غير المقيد نسبيًا» إلى عدد من الأسلحة الثقيلة بعضها معدات غير عسكرية وبعضها ثنائي الغرض من دول في شرق آسيا والشرق الأوسط.

القناة الألمانية DW مهنية وشفافية

في فبراير من عام 2012 شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية ألكسندر لوكاشيفيتش على أن روسيا الاتحادية تصدر أسلحة للسودان «في إطار التزامها بالقوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بحظر استخدامها في إقليم دارفور»، لكن منظمة العفو الدولية كانت قد نشرت قبل ذلك بعدة أيام تقريراً يؤكد أن أسلحة روسية وصينية يجري استخدامها في انتهاك حقوق الإنسان في منطقة دارفور وهو ما يخالف حظراً على توريد السلاح تفرضه الأمم المتحدة، وقالت المنظمة إن روسيا والصين تقومان بتوريد أسلحة إلى حكومة السودان على الرغم من توفر الأدلة على استخدامها في ضرب المدنيين في دارفور .

الزملاء في القناة الألمانية العربية من قوة مهنيتهم وشفافيتهم حاولوا التواصل مع وزارات الدفاع في كل من روسيا الاتحادية والصين ورومانيا وأوكرانيا، إلى جانب الشركة الأوكرانية المسؤولة عن إنتاج السلاحين ZU-23-2 (23 mm) وZPU-4 (14.5 mm) anti-aircraft guns ووجهت سؤالين محددين هما: هل قامت أي من الوزارتين ببيع أسلحة مضادة للطائرات (وتحديداً هذه الأنواع الأربعة) إلى السودان خلال السنوات العشر الماضية؟ وما الذي يمكن عمله إن علمت الوزارات باستخدام تلك الأسلحة الثقيلة ضد المتظاهرين السلميين؟ لكن القناة حتى لحظة كتابة تقريرها الذي وجد اهتماما كبيرا في السودان وخارج السودان لم تتلقى رد من أي من الوزارات الأربع أو الشركة الأوكرانية.

أغلب هذه الأسلحة الثقيلة تمتلكها حالياً ما تسمى بقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو “حميدتي” نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، وذلك بحسب ما يظهر من الصور والفيديوهات على صفحة القوات على موقع فيسبوك بالإضافة إلى التقاريرالدولية وتحقيقات استقصائية سابقة، وهي قوة شبه عسكرية تأسست عام 2013 لمساندة النظام السوداني (نظام البشير) في نزاعها مع المتمردين في إقليم دارفور. وتأتي غالبية أفراد الدعم السريع من الأشخاص الذين كانوا سابقاً أساسا لمجموعات مسلحة أطلق عليها آنذاك اسم “الجنجويد”.

وتتهم قوات الجنجويد/ الدعم السريع من جانب منظمات حقوقية عديدة بارتكاب جرائم ضد الإنسانيّة وجرائم حرب من قتل واغتصاب وسرقة وتعذيب وذلك في الصراع الذي اندلع في دارفور عام 2003، في زمن الرئيس السابق عمر البشير. وبسبب ذلك، وجهت المحكمة الجنائية الدولية تلك التهم بحق 4 أشخاص (أحدهم الرئيس المخلوع عمر البشير).

واتهم المتظاهرون في السودان مراراً تلك الميليشيات المسلحة بممارسة العنف ضدهم، ضاربين مثالاً بفضّ اعتصام للمحتجّين أمام القيادة العامة للجيش وسط العاصمة الخرطوم والتي عرفت لاحقاً باسم مذبحة القيادة العامة والتي نتج عنها مقتل أكثر من 100 متظاهر (عثر على جثث 40 منهم وقد ألقيت في نهر النيل) ومئات الجرحي فيما وثق نشطاء وحقوقيون جرائم اغتصاب وتعذيب مروعة نفذتها تلك الميليشيات بحق المتظاهرين.

وتثير قوات الدعم السريع قلقاً عارماً ليس بين المدنيين في السودان وحدهم، بل وعلى مستوى قيادات القوات المسلحة السودانية التي وجدت نفسها مع الوقت على قدم المساواة مع حميدتي وميليشياته المتهمة بجرائم مروعة. وكان قد أُعلن في السودان سابقاً عن مشروع لتأهيل ميليشيات/قوات الدعم السريع ودمجها في الجيش، لكن حتى الآن لم يتم تنفيذه على الأرض نظراً لاعتراضات من الجانبين.

السؤال الكبير

في خضم الاهتمام الكبير بحقوق الانسان الأمر الذي اسست له منظمة الأمم المتحدة مفوضية سامية وخصصت لها مقرها جنيف – سويسرا، هذه المفوضية تهدف للترويج وحماية حقوق الإنسان بحسب ما ورد في الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي نص عليها الاعلان العالمي لحقوق الإنسان العام 1948م، وتتدافع بلاد العالم للحضور سنويا لهذا المقر وتنافش تقاريرها السنوية وما اخفقت فيه وما حققته من نتائج ايجابية، هذه الدول كيف تنظر لما تقوم به حكومة العسكر في بلادنا المنكوبة من استخدام للأسلحة الثقيلة ضد المتظاهرين السلميين، وتقتلهم أشد القتل، ودول حقوق الانسان لا نسمع لها صوتا..!!.

الدول التي وقعت على الاعلان العالمي لحقوق الإنسان لماذا لا تعير اهتماما بما يحدث في السودان من انتهاكات لحقوق الانسان يندى لها الجبين..؟..

أخيرا لابد من الإشادة الكبيرة بالاخوة الزملاء في الألمانية العربية (دوتشه فيليه) وإشادة خاصة بالزميل الاستاذ عماد حسن على جهده المهني الكبير في صدور هذا التقرير للعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق