ثقافة وفن

تطورات التجربة النحتية وتأثيرات المدرسة التعبيرية

بشرى بن فاطمة

أثارت التجربة النحتية عبر تطورها البصري في الابتكار والتنفيذ والتماهي مع التغيير، الكثير من التساؤلات وعديد الانفعالات التي كانت سببا في تحوّلها من التجسيد المثإلى للشكل إلى التداخل التعبيري مع الموقف والتماس مع الواقع من خلال طرح جوانب من جرأة الانحراف بها أبعد، وكسر حواجز التلقي العادية التي من خلالها استطاعت أن تقول إن الحجم في النحت لا يعبّر عن كل شيء والخامة ليست هي التي تحدّد الفكرة بقدر ما تصقلها، فكان الابتكار وانتصر المفهوم على اللغة النحتية بثقلها المختلف مع قوة الخامة وتفاعلاتها الصلبة مع الطبيعة.

إن التجربة النحتية التي تمازجت مع الأسلوب التعبيري حملت الكثير من المعاني والفلسفة البصرية الجديدة، ابتعدت بالتفسير عن المألوف المثإلى في تفصيل الصورة الخاصة بالمنحوتة من حيث التصميم والتنفيذ والعرض والتماهي.

فالتعبيرية هي حركة فنية ظهرت في بداية القرن العشرين في شمال أوروبا، بدأت في ألمانيا وتطوّرت مع روادها لتحاكي بالواقع الخيال وتبحث في الهموم عن الأمل الباقي من الانسانية، لمست التعبيرية مجالات فنية متعددة، الرسم والعمارة والأدب والمسرح والسينما والموسيقى وكذلك النحت وقد استمرت حتى ظهور النظام النازي الذي رفضها واعتبرها تيارا فنيا «منحط»، فخرجت منها إلى أوروبا عبر روادها وعادت إليها بعد الحرب بقواعد وتفاصيل أكثر حدّة ورمزية.

«لا يتم إنشاء التعبير فقط من خلال العاطفة التي تنعكس في وجه الإنسان أو من خلال لفتة مؤلمة، يساهم في التعبير كل من المساحة التي يشغلها شكل أو كائن، بالإضافة إلى المساحة الفارغة التي تحيط به –في التعبيرية-كل شيء يلعب دورًا « (HENRI MATISSE).

تتوافق التعبيرية مع الروح الحاضرة المعاصرة في تجليات التنفيذ بين تفاصيل مختلفة، إذ أنها حاولت أن تتجاوز التعبيرية نفسها على عدة مستويات ومحامل حيث وظّفت التلاقي البصري مع التنفيذ المفاهيمي من حيث الأداء والعرض والخامات والتقنيات، وهو ما جعل التعبيرية تستمر في عدة نواح وزوايا وعمق بصري على مستوى دولي جعل قوة التأثير فيها تتميّز حسيا ذهنيا فنيا وجماليا حيث قدم الفنانون التعبيريون الجدد أعمالهم بطرق قاسية ووحشية تقريبًا من خلال إحياء إعادة الإعمار والتدمير وخلق الفوضى والترتيب بلغة بصرية متناقضة ولكنها شديدة التنظيم، فالتعبيرية كتيار فني استطاعت أن تخلق في الألوان تفاسير مغايرة للغة الأحجام الكبيرة ليتم تجسيد المعاناة بشكل شديد التنسيق غالبًا.

اعتبر بعض مؤرخي الفن أن التعبيرية التي بدأت كمرحلة حاسمة لتحديد مرحلة مهمة من تاريخ الفن هي مرحلة الفنون الحديثة هي نفسها التي فتحت المنفذ أمام فنون ما بعد الحداثة من خلال تجارب التعبيريين الجدد والتعبيرية المعاصرة.

وهو ما تجلى أكثر في النحت عندما خضعت الخامة نفسها للكثير من التصورات وامتزجت مع الفكرة والواقع ومع الرؤى البصرية ومع الخيال الحالم والمشوّه في المدرسة التعبيرية، وهو ما كان واضحا في في رؤى جياكومينتي النحتية لتٌخبر العالم أن الشكل النحيل له أيضا رمزيته وأن المدى البشع أقرب لواقعه من تلك الأساليب المثالية التي كثيرا ما اقترنت بالنحت في مختلف التشكلات.

فقد استثارت الأساليب الحديثة والمعاصرة في النحت الفكرة كما استدرجت معها المفهوم ومكّنت الفنان من اكتساب حرية أكبر في تجسيد منحوتاته وفق خصوصياته وقواعده وهو ما تراءى مع جياكومينتي وتصوراته الإنسانية التي حادت به عن السائد وأكسبته جوانب أخرى غير التي كان يريد بها التعبير عن الخيإلى قبل تخيّله ومن ثمّة تحويله إلى الواقع وتفعيله معه ليقوم بتجسيده من جديد.

إن التجارب المعاصرة في النحت خاضت ابتكاراتها وتحرّرت من قيودها لتتسرّب أكثر في تفاصيل الواقع وتنتحل مواقفها الإنسانية، فقد تنوّعت حسب الأسلوب ولكنها بكل منافذها تلتقي عند الفكرة الأولى للنحت مهما كانت مختلفة في كل أنحاء العالم، وإذا ما توجّهنا بالقراءة في بعض التجارب العربية فيمكن اعتبار أنها كانت وليدة بيئتها في عدّة مستويات وحسب أشكال مختلفة تداخلت بين الذاتية والعامة.

فقد تعدّدت رؤى الخامة وانتقلت بين المساحات العامة وطرق العرض والاحتواء التي أثّرت بشكل كبير وجمعت بين العرض والأداء والمفاهيمية وكلّها لامست التعبيرية في مسارها الأول والمفاهيمية في انطلاقها نحو الرؤية المعاصرة.

فهي تنساب من التعبيرية كأصل ثابت وصادم بين فكرة البناء والهدم والترميم والصقل والصياغة والتنفيذ وحتى يلتقي الفنان مع أشكال منحوتاته بشكل أقرب للطبيعة وأعمق فيها وأكثر تعبيرا عن ذاته من خلالها دون أن يثير عُقد المثالية ويترنح عبر الخيال، بل ليلمح حدوده التعبيرية بالصدمة التي تجادلت معه الفكرة لتعطي الأشكال النحتية طاقة حضور أخرى في تماثل الخامة مع إكسابها في بعض الأحيان اللون وإخضاعها لتفاصيل الحجم وتوازيها مع الشكل متضمّنة رموزها اليومية في الطبيعة والفلكلور سواء في نحت الحجارة والحديد أو البرونز والكتل الاسمنتية والأليمنيوم والخشب.  فالتقنية بصور عامة ترتكز على ما يستثير الفنان في تعابيره وما يدفعه لإكساب عمله مواقفه الصريحة من جمالية التشكيل التي يريدها ويرتاد بها مساحات البحث عن انعتاقه، وتبعا لكل ذلك اختلفت التجارب التي انفلتت من رؤاها الأكاديمية إلى تسرباتها التعبيرية والتي انطلقت في مساراتها لدى الغرب بعد الحرب العالمية الثانية وتبعاتها النفسية والاجتماعية، الفكرية والسياسية، الأسلوبية والتقنية، فكسرت حواجز فهمية مختلفة ارتقت لمستويات تعبير متنوعة أثّرت بشكل كبير لأنها حمّلت فلسفة الوصف التعبيري مواقف بالغت فيها واستمرت معها أبعد.

حيث ربط هذا المسار التطويري للمنهج التعبيري بين الأفكار والخيال والصناعة والتجريب والابتكار والواقع ما خلق للنحت همزة الوصل الاستشرافية التي اتصلت أيضا بالإنسان ومحيطه وهو ما شكّل ارتباطه بالرموز والمفاهيم التي صاغت محدثات الإنشاء وفقا للفكرة وخدمة لفلسفتها الجمالية ومعانيها.

إن الإصرار على الخلق الفني والابتكار الممنهج للتعبيرية ساهم في تطوّر حركة النحت وتماهيها مع الحركة الحداثية التي قدّمها رواد التكعيبية والتجريد والسريالية أمثال بيكاسو وجياكوميتي وماتيس، ما أثار في المفاهيم الجمالية وتعابيرها منظورا مختلفا في الأسلوب التنفيذي وفي توافقاته التعبيرية وهو ما أضاف على الحركة الكلاسيكية قيما جديدة تجرأت على التواتر المثإلى نحو ابتكار الثيمة واستشرافاتها التنفيذية، وبالتإلى أضافت مع الحركة تأملات العناصر التكوينية سواء التي لامست المضمون أو الشكل، خاصة في  فلسفة الفراغ للتحرر من الخامة والتفرع عبرها نحو الوسائط المتعدّدة والشمولية والتصميم الرقمي والقطع الجاهزة وفلسفة الفكرة والزخرف الحروفي سواء في التجريب العربي أو الغربي في تظمين النصوص الأدبية والفلسفية وأبعادها الرمزية داخل الحفر والخشب والزوايا متعدّدة المفاهيم والاشتغال الأدائي مع فكرة الخامات المبتكرة والتصورات النابعة من الواقع وهو ما خفّف في الظاهر التنفيذي للمنجز النحتي من التواصل اليدوي والصقل الكامل وبالتإلى أعلى من التواصل المفهومي الفكري والذهنية البصرية عند التلقي، وهذا التجريب مهّدت له التعبيرية بصنوفها التنفيذية وخلقت روح المعايشة والمواكبة والانتماء للواقع بعيدا عن المثالية ومداها المبالغ.

*الأعمال المرفقة: بسام كيرلس، عدنان يحيى، عزت مزهر، عبد الحي المسلم، محمود السعدي، ميرفت عيسى، عبد الرؤوف شمعون

محتف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق