ثقافة وفن

حكاية الفلسفة (2)

أبو بكر الصديق على أحمد مهدي

أصل كلمة «الفلسفة»

أصل الكلمة (Etymology): دراسة أصول الكلمات وتاريخها، عادة ما تكون عن طريق تفتيت الكلمة وتفكيكها، واعادتها إلى جزيئياتها وأجزائها الأصلية، ومنابعها وأصولها الأولى، وتحديد وتعيين هذه الجزيئيات، والاشارة الجريئة والمباشرة لتلك الأجزاء.

الولادةُ بسيطةٌ ***** فأنتَ تصبحُ نفسَكَ

والموت بسيط ***** فأنتَ لمْ تعُد أنتَ

كان ميلادها تتويجاً لاقتران كلمتين يونانيتين، جمع بينهما العشق العام الشمولي، فتعاشرا وأنجبا، الكلمة الأولي قالت أنا الحب (فيلو-Philo)، والثانية قالت بل أنا الحكمة (صوفوس/صوفيا/صوفي –Sophos‭\‬Sophia‭\‬ sophy)، فكونتا «حب الحكمة»، وكانت الفلسفة حاضرة إلى يومنا هذا، وإلى بعده.

الفلسفة ‭{‬فيلو (الحب) + صوفيا (الحكمة)‭}‬ = حب الحكمة

اذن، الفلسفة لا تعني شيء سوى أنها «حب الحكمة».

ولكن، هل كل من أحب الحكمة أصبح فيلسوفاً؟

الفلسفة «حب الحكمة» تهتم وتعتني بدراسة الأسئلة العامة، والأساسية المتعلقة والمرتبطة بالوجود، -الوجود والمعرفة والقيم والعقل واللغة.

يقول مارتن هيدجر؛ ان الفلسفة تبحث في الموجود بما هو موجود؛ انها في الطريق إلى وجود الموجود؛ أي صوب الموجود مقصوداً في وجوده؛ وعلينا نحن أن نغدو لملاقاة ما تتجه الفلسفة صوبه؛ أي وجود الموجود؛ وذلك بأن نتجاوب معه؛ فنستمع اليه؛ ونفهم مقصده.

ويواصل هيدجر في تجلياته الصوفية موضحاً بأن السير لملاقاة «وجود الموجود» ليس قطيعة مع التاريخ؛ تاريخ الفلسفة؛ بل امتثال وتحويل لما أتى به النقل الفلسفي. ونحن في جوهرنا نغدو صوب هذه الملاقاة.

وعادة ما يتم طرح مثل هذه الأسئلة، أسئلة الوجود، والتساؤلات عنه، على أنها قضايا يجب فحصها أو معالجتها بشكل إيجابي. ولقد كان فيثاغورس هو أول من صاغ (570-495 قبل الميلاد) كلمة «فلسفة».

وتحتوي المناهج الفلسفية على أسئلة متعددة متنوعة، ومناقشات نقدية عميقة، وحجج عقلانية منطقية، وعروض منهجية جيدة. وتتكرم هذه الأسئلة، وتلك الاستفسارات الفلسفية الكلاسيكية والتقليدية، برفدنا بما يلي:

• هل من الممكن معرفة أي شيء وإثباته؟

• وما هو الأكثر واقعية؟

ويطرح الفلاسفة أيضًا أسئلة عملية وقوية وعميقة، مثل:

• هل هناك طريقة أفضل للعيش؟

• هل الأفضل أن تكون عادلاً أم ظالمًا (إذا كان بوسع المرء أن يفلت من العقاب)؟

• هل يمتلك البشر إرادة حرة؟

فلسفة العلم

القليل من التعليم أمر خطر،

فإما أن تنهل بغزارة أو لا تذق منابع المعرفة،

فالجرعات الصغيرة تغيب وعينا،

بينما تعيدنا الجرعات الكبيرة إلى حالة الاتزان.

يشار إلى فلسفة العلم ببنان التفريق والتمييز بين ما هو علمي وما هو غير علمي، وبإشكاليه كيفية الفصل بينهما، أي الفصل بين العلمي وغير العلمي، وبأي طريقة، وبأي وسيلة؟ ومثالاً لا حصراً، نسأل:

• هل يجب اعتبار التحليل النفسي علمًا؟

• ماذا عن الخلق المعروف باسم العلم «خلق العلم»، أو فرضية الكون المتعدد التضخمي، أو الاقتصاد الكلي؟

أطلق كارل بوبر على هذا، بالسؤال أو بالاستفسار الأساسي في فلسفة العلم أو العلوم. وعلى الرغم من عدم قبول أي قيمة واحدة موحدة للقضية بين الفلاسفة، وبعضهم يعتبرها مشكلة غير قابلة للحل أو غير مثيرة للاهتمام حتى.

ولقد كافح واجتهد وجادل وحاور مارتن غاردنر، في سبيل استعمال معيار بوتر ستيوارت القائل: «أعرفه عندما أراه»، وذلك لمعرفته بالعلوم الزائفة غير الحقيقية.

ووضعت المساعي والمحاولات الأولى للوضعيين المنطقيين (Logical positivists) العلم تحت الملاحظة والمشاهدة والمراقبة، بينما جعلت اللا-علم غير متعلق أو غير جدير بالمراقبة والمشاهدة والملاحظة، وبالتإلى لا معنى له، وفقير جداً، وخإلى الوفاض من أي فائدة، ومن كل منفعة.

وبكل الجدية وقوتها، وبعمق ايمانه ومداه، ناقش بوبر بالقول، بأن الخاصية الرئيسية للعلم، هي القابلية للتزييف وللتدليس وللتحريف. أي أن كل ادعاء علمي صادق، يمكن أن يكون غير صحيح، على الأقل من حيث المبدأ.

والسؤال ذو الصلة هو، ما هذا، الذي يمكن أن يعتبر توضيحًا أو تفسيراً علميًا إيجابيًا؟

وإلى جانب وجود وتوفر التنبؤات حول الأحداث المستقبلية، ينظر المجتمع مرارًا وتكرارًا إلى النظريات العلمية، على أنها وسيلة، لتوضيح وتفسير الحوادث، التي تحدث بإيقاع روتيني متكرر، أو تلك التي حدثت بالفعل.

لقد درس الفلاسفة المعيار، الذي من خلاله، يستطيع المنهج العلمي تقديم تفسير ناجح للظاهرة المعنية أو المحددة، والتي تتمدد مستسلمة تحت رحمة البحث والدراسة، وذلك لبرهنة واثبات بأن النظرية العلمية غنية وثرية بقوتها التفسيرية.

تعتبر فلسفة العلم مجال فرعي للفلسفة، يتعامل مع أسس وتقنيات واستنتاجات العلم. وتركز فلسفة العلم الأضواء على الجوانب الميتافيزيقية والمعرفية والدلالية للعلم. وتتعلق القضايا الأخلاقية مثل أخلاقيات علم الأحياء، والخطأ العلمي، بمجال الأخلاق أو الدراسات العلمية، بدلاً من فلسفة العلم.

وليس هناك، ولا يوجد البتة أي اتفاق أو اجماع بين الفلاسفة حول بعض المشكلات أو الموضوعات المرتبطة بفلسفة العلم، بما في ذلك ما إذا كان بإمكان العلم تفسير حقيقة أشياء غير قابلة للرصد وللملاحظة وللمشاهدة، وما إذا كان يمكن تعريف التفكير العلمي من الأساس.

اضافةً لما قيل، ولما ذكر، ينظر فلاسفة العلم في القضايا التي تنطبق على علوم معينة (مثل علم الأحياء أو الفيزياء). ويستخدم العديد من فلاسفة العلم، أيضًا، نتائج جديدة في العلم للوصول إلى استنتاجات تتعلق بالفلسفة ذات نفسها.

ويعود التفكير الفلسفي في العلم إلى أيام أرسطو ولياليه المزدهرة بالأسئلة الفلسفية العامة الشمولية. وقد كان تطوير الفلسفة العلمية، في القرن العشرين، ينشد ويهدف إلى تطوير معايير، لضمان جدوى وفائدة جميع الأقوال والبيانات الفلسفية، وفحصها ودراستها بموضوعية، وبعيداً عن أي نوع من التحيز أو الانحياز.

وقد انتقل كل من تشارلز ساندرز بيرس وكارل بوبر من الوضعية أو الفلسفة الوضعية إلى وضع مجموعة معاصرة من المعايير للمنهجية العلمية.

وهنا، يصرخ فيليب فرانك في كتابه «فلسفة العلم»، بكلمات، قائلاً فيها: «وعندما نتناول العلم في حديثنا، وفي كلامنا، فإننا لا نستطيع أن نتجاذب أطرافه الا في طرفين أو على مستويين من الخطاب أو التجريد.

فالطرف الأول هو تجاربنا الحياتية اليومية المعتادة سليمة الفطرة، فنحن نشاهد نقطة سوداء أو قاتمة تتحرك بالنسبة لنقط أخرى سوداء أو قاتمة، وهذا يعتبر مستوى الرؤية المباشرة، وتهتم التقارير المعملية بمثل هذه الحقائق البسيطة في خبرتنا البسيطة الخالية من التعقيد.

ونستطيع أن ندرس ونحلل هذه الخبرات البسيطة السهلة من الناحية النفسية أو السيكولوجية، ولكننا نعجز عن القيام بها هنا. وسنعتبره من المسلمات أن نشترك كلنا في مثل هكذا خبرات، وهكذا تجارب. ولكن، هذا لا يمنع من مناقشتها بعمق عميق، ولكنها، ويا للأسف، ليس لدى هذه المناقشات أدني علاقة بالفلسفة البتة.

والطرف الآخر أو الثاني من الحديث، والذي يجب أن يعلو صوته خفاقاً، تنبيهاً بنفسه، وإشارةً اليها، هو مستوى المبادئ العامة في العلم. وهذا يختلف كلياً عن المستوى الأول، مستوى خبرة الفطرة السليمة.

فمستوى الفطرة السليمة يستطيع الجميع أن يشارك فيه، أما المستوى الآخر فيستعمل لغة لا تشبه لغات الخبرة اليومية بتاتاً. ويتألف العلم من هذه المبادئ العامة. فليس من العلم في شيء أن يتم تجميع بعض النصوص عن النقط الراقصة المتمايلة.

والمعضلة الأساسية في فلسفة العلم تتبلور في كيفية الانتقال من النصوص المستساغة المعتادة إلى المبادئ العلمية العامة. فهذه الخبرات والنصوص المعتادة الفطرية يتقبلها الكل كما سلف الحديث عنها. وقد انفعل الشاعر الأمريكي الكبير والت هويتمان تعبيراً عن هذا في بضع أبيات من الأشعار:

لن نقتنع اطلاقاً بالمنطق والمواعظ

ان رطوبة الليل تسري عميقاً في روحي

ومثل هذا الشيء فقط يمكن أن يقنع أي رجل أو امرأة

ومثل هذا الشيء فقط لا يمكن أن ينكره أي انسان

للحكاية بقية.. وكمان نهاية ….

المصادر:

• الفرنسية، آر.، 2017. مقدمة في تاريخ الفلسفة والفكر والأفكار: سلسلة محاضرات الفلسفة، فيديو 1: فروع الفلسفة، 12 سبتمبر، [فيديو على الإنترنت]. متاح على: URL: <https://www.youtube.com/watch؟v=dPJYKL2ZeEw. (تاريخ الزيارة:20-11-2019)

• إيكيلوف، غ.، 2016.  الولادة والموت: نص شعري للشاعر السويدي: غونار إيكيلوف، ترجمة: عبد النبي أصطيف. [متصل]. متاح على: URL https://antolgy.com/birth-and-death/ (تاريخ الزيارة: 6-12-2021)

• فرانك، ف.، 1983. فلسفة العلم: الصلة بين العلم والفلسفة (ترجمة الدكتور على على ناصف). الطبعة الأولى. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت.

• هيدجر؛ م.؛ 1964. ما الفلسفة؟ ما الميتافيزيقا؟ هيلدرلن وماهية الشعر؛ ترجمة: فؤاد كامل عبد العزيز ومحمود رجب السيد؛ مراجعة وتقديم: عبد الرحمن البدوي. الناشر: دار النهضة العربية. القاهرة.

• ويكيبيديا. فلسفة. [متصل]. متاح على: URL: https: //en.wikipedia.org/wiki/Philosophy (تاريخ الزيارة: 06-11-2019)

• ويكيبيديا. فلسفة العلم. [متصل]. متاح على: URL: https: //en.wikipedia.org/wiki/Philosophy_of_science (تاريخ الزيارة: 6-11-2019)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق