ثقافة وفن

الديني والسياسي في المجال الغربي المسيحي والشرقي الإسلامي

جهان نجيب*

عندما نفكر في الاشتغال عن موضوع، «الدين والسياسة في التاريخين الغربي المسيحي والشرقي الاسلامي» هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن هذين التاريخين هما الحالة الوحيدة التي يتداخل فيها الدين والسياسة، بل إن إشكالية العلاقة بين هذه الأخيرة قديمة قدم الإنسان نفسه، كما لا يمكن أن يكون هذا التداخل دائما في صيغة دين وسياسة ولكن يمكن أن يتخذ أشكال مشابهة من قبيل «التداخل بين المقدس والسلطة»، كما سبقت أن استخلصت ذلك الأنثروبولوجيا، حيث يخبرنا «بلانديه»، أحد الباحثين في الأنثروبولوجيا، أنه في أي مجتمع بشري لا عيب لأي سلطة سياسية، من أن تتخذ لها إخراجا مسرحيا يؤيد نوعا من التقاليد ذات النمط الديني. إن المقدس هو أحد أبعاد الحقل السياسي، يمكن أن يكون الدين أداة للسلطة وضمانة لشرعيتها وإحدى الوسائل المستعملة في إطار المنافسات السياسية، ففي كتابه المخصص لديانة  «اللوغبارا» الأوغنديين التي يتناول فيها أساسا علاقة الطقس بالسلطة يوضح، «أن البنى الطقسية وبنى السلطة وثيقة العرى، وإن ديناميتهما الخاصتين مترابطان، ففي هذا المجتمع النسبي تشكل عبادة  الأجداد دعامة السلطة، فالمسنون، و‭{‬ ذوو الشأن‭}‬، يستخدمونها بهدف احتواء ادعاءات أولادهم البكر بالاستقلال ويعبر عن النزاعات بين الأجيال، ‭{‬المميزة بأوضاعها المتفاوتة‭}‬، بعبارات روحانية وطقسية.» الانثروبولوجيا السياسية ص 146، حيث تبدوا استراتيجية المقدس المتبعة لأغراض سياسية بوجهين متعارضين في الظاهر إذ، يمكن أن توضع هذه الاستراتيجية في خدمة النظام الاجتماعي القائم، والمواقع المكتسبة وأن تخدم طموحات هؤلاء الذين يريدون الفوز بنفوذ الاستيلاء على السلطة وتشريعها وتلجأ المنافسة السياسية إلى لغة  التضرع إلى الأرواح وإلى لغة السحر الأولى، التي هي سلاح أصحاب السلطة، والثانية هي عدة هؤلاء الذين ينكرونهم ويشبهون عجزهم وأخطاءهم بتصرفات السحرة، ويعي أفراد جماعة «اللوغبارا»، هذا التلاعب بالمقدس، وتعبر تناقضاتهم الطقسية على تناقضات حياتهم الواقعية، يؤكد «ميدلتون» بقوة على العلاقة القائمة على هذا النحو بين مختلف عناصر الاستراتيجية السياسية، فالله والأموات والسحرة، يدخلون في نظام السلطة مثلما يدخل فيه الأحياء من الناس….وهذا ما يؤكده الدرس الأنثروبولوجي، وهو أن العلاقة بين المقدس والسلطة، هي من قبيل العلاقات الاشكالية التي ارتبطت بالوجود الانساني، وهذا ما أكده روسو في القول، «والناس في بداية أمرهم لم يكن لهم اللبثة من ملوك سوى الآلهة، ولا من حكومة  سوى الحكومة التيوقراطية.»…

هذا بالنسبة إلى دور المقدس في حياة البشرية بشكل عام، أما بالنسبة للتداخل بين  الدين والسياسة، في العصور التي عرفت انتعاش السياسة والفلسفة، فإن «ذلك تابت من خلال ما تم حفظه من كتابات المنظرين السياسيين، وحتى المنظرين اللاهوتيين، حيث أن الفلسفة الإغريقية تدور في جلها حول المسألة الدينية السياسية أو العلاقة بين الأخلاق والدين من جهة، والأخلاق والسياسة من جهة ثانية.»….

إن جدلية الدين والسياسة، هي غير مقتصرة على هاذين التاريخين  الغربي والاسلامي وإنما لها جذور في التاريخ القديم، وفي الحضارات السابقة للحضارتين الغربية المسيحية والشرقية الإسلامية، فما هي إذا معالم التداخل بين الدين والسياسة في هاتين الحضارتين؟

    لابد من التوضيح الفرق المهم بين المجالين التداولين، الاسلامي والمسيحي، فإذا كان الأول لم يعرف بدايات صراعية مع الدولة، كون هذه الأخيرة لم تكن موجودة في البيئة التي انبعث فيها الإسلام، فإن المسيحية كان لها وضع مختلف، حيث انبعث في ظل وجود دولة إمبراطورية مسيطرة مما يعكس اختلاف ظروف الذين المسيحي عن الاسلامي.

لقد تميزت مرحلة الدين المسيحي عن الدين الاسلامي، كون أن الأول كان صراعه مزدوجا مع الامبراطورية التي تدعم الأديان الوثنية ومع المجتمع الذي يقدس الامبراطور، ويرفض عبادة آلهة غير مرئية، لذلك سيختلف توجهنا في مرحلة البحث في المجالين التداوليين الاسلامي والمسيحي، فإذا كنا سنستهل الدراسة بدراسة تاريخ المسلمين أثناء القرن السادس الميلادي، ‭{‬لحظة ظهور الدين الاسلامي‭}‬…فإن دراسة المجال التداولي الغربي المسيحي لن  تستهل من خلال هذا التاريخ، بل على ما قبل المسيحية، ما دمنا سينصب تركيزنا على الدين والسياسة من خلال الامبراطورية الرومانية، وهنا تكمن أهمية بحثنا، حيث غايتنا تكمن من خلال هذه الدراسة في البحث عن المتشابه، وتسليط الضوء على اختلاف التواريخ بين المجالين الديني المسيحي والاسلامي، بداية مع مسار تشكل المجال السياسي الديني في بدايات الفترة الوسيطية، وصولا إلى المرحلة المعاصرة.

تتجلى أهمية تبين التاريخ السابق لعلمانية أوربا والمسار الذي قطعته التفاعلات السياسية والثقافية والمجتمعية، في مساعدتنا على الالمام بالمسألة الدينية في عهد الإمبراطورية الرومانية وتوضيح تطور علاقة الدين بالسياسة في مختلف مراحل هذه الامبراطورية. …

يمكن هنا الوقوف بعجالة مع أبرز المواقف التي يثيرها موضوعنا:

*في المجال الغربي المسيحي:

سيادة الكثير من الود والعبودية، مما جعل الأباطرة في موقع الآلهة دون أن يتسبب ذلك في أي شعور بالتنافر….لذلك شكلت معاناة  المسيحيين والصبر على ما تعرضوا له من صنوف التضييق والتعذيب، كانت أهم الدوافع التي أدت بالكثير من رعايا الأباطرة العظماء إلى مراجعة موقفهم من هذه الديانة، إذ شكلت بداية القرن الثاني الميلادي إرهاصات هذا التحول من خلال تغيير الموقف الرافض للمسيحية.

لقد توج هذا التحول القيصر قسطنطين الأول. ‭{‬قسطنطين الكبير‭}‬ الذي قرر الاعتراف بالمسيحية كدين للإمبراطورية الرومانية، جراء انتصاره في إحدى حروبه سنة 312م  مما فتح الباب للكنيسة الكاثوليكية لتصبح دولة داخل دولة….

لأنه من المفيد التذكير بالوضع الذي ساد قبل إعلان مسيحية الامبراطورية، نذهب إلى القول على لسان عزيز العظمة، «أن الأديان النبوية التوحيدية تختلف اختلافات بينة عن الأديان القديمة التي اقترنت بالدولة وبالإمبراطورية، وبشكل خاص الوثنية الرومانية لم تفرض  الامبراطوريات القديمة تجانسا عقيديا دينيا على تشريعاتها العامة، بل كانت، ذات أديان ضئيلة المحتوى العقدي، كثيفة الممارسة الطقسية مما جعل من السهل على آلهة الجماعات المغلوبة الاندماج بآلهة الشعوب الفاتحة دون أن يترتب على ذلك أكثر من اندماج أسمى على صعيد الديانة، ولو كان هذا الاندماج يفضي إلى وحدة دينية أوسع دون قسر عقائدي، ولم تكن في الامبراطورية الرومانية المتأخرة من المتطلبات الدينية ما يفوق عبادة الامبراطور، وهو عمليا طقس عبادي باتجاه الدولة، دون أن تترتب عليه نتائج عقائدية فالوثنية ديانة توليفية في العمق…

في إطار البحث عن إجابة مقنعة عن اللحظات والمحطات الأساسية للتحول الرئيسي لموقف الامبراطور الروماني من الدين المسيحي، تحول في ذهننا عدد من الأسئلة المقلقة من قبيل هل التسامح مع المسيحية جاء من أجل ضمان الاستمرار للإمبراطورية، في ظل واقع عرف بالانتشار الواسع للمسيحية؟

عندما بات واضحا أن المسيحيين يجب عليهم أن ينتظروا مجيئ مملكة الله اضطرت السلطات الكنسية إلى التصالح مع العالم وإن العملية الطويلة التي توصلت بها الكنيسة إلى التفاهم مع الامبراطورية أسفرت عن وضع تبرير للسلطة السياسية القسرية ومجموعة من الوجهات النافعة لأجل وضع الكنيسة في صمم المجتمع المدني…ناهيك عن الكتابات اللاهوتية والسياسية التي أدت دورا مهما في إسناد هذا التحول حيث انتشر الفكر اللاهوتي الذي يدعوا إلى طاعة الامبراطور واعتبار ذلك طريقا لعبادة الله.

أما الجانب الآخر الذي تبرزه العلاقة بين الكنيسة والسلطة الزمنية فهو أن ضعفا بدأت تعرفه البابوية، ولا سيما بحلول القرن التاسع، وهو العنف الذي أسهم فيه فساد رجال  الدين وشيوع بيع الوظائف الكنسية، وزواج رجال الدين بل أصبح منصب البابا نفسه ألعوبة في أيدي بعض العائلات المترفة الأمر الذي أصبح معه مطلب الإصلاح أمرا يعني الكنيسة نفسها أكثر مما يعني أي جهة أخرى في هذا التاريخ، ‭{‬ق 11‭}‬ ،ستبرز أهم شخصية دينية في تاريخ البابوية وهي الشخصية التي ستغير من العلاقة السائدة بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية. حيث تكريس الهيمنة البابوية، والاسهام في خلق أجواء مواتية لبروز فاعلين جدد على الساحة السياسية في أوروبا الوسيطية، وتكريس الرغبة للمواكبة الصراع بين البابوية والإمبراطورية، والتي تمثلت في محاولات حثيثة الاستقلال عن النفوذ البابوي، وهذا ما أسر على مرحلة جديدة انتقالية اعتبرت أهم لحظة محورية في تاريخ الغرب السياسي، إنها لحظة القرن السادس عشر، العصر الوسيط.

نخلص للقول في هذه الفقرة إلى استنتاج مسألة أساسية، وهي أن المسيحية في بواكيرها الأولى لم يكن لها اهتمام كبير بقضايا الحكم والسياسة وهذا يفسر التوافق الكبير الذي حصل بين الحكم الإمبراطوري الروماني والمسيحية بعد الاعتراف القسطنطيني، إذ اعتبرت المسيحية أن كل ما يتعلق بشؤون الدُّنيا سرعان ما سيزول إلى الفناء، ولكن عندما بات واضحا أن المسيحيين يجب عليهم انتظار مجيئ مملكة  الله، اضطرت السلطات الكنسية إلى التصالح مع العالم.

*الدين والسياسة في الإرهاصات الأولى من التاريخ الإسلامي:

ما يميز التاريخ الاسلامي، هو أن معالجة السياسة تشكلت من غير تقاليد سابقة لها، ففي اللحظة التي انبعث فيها الاسلام، لم يكن لدى العرب من تجارب سياسية خارج ما كرسته الممارسة القبلية، في ظل غياب سلطة امبراطورية كما برزت في التجربة المسيحية….

بهذا لم يواجه النبي محمد، لحظة بعثته إشكالية الدولة أو السلطة، أو كان همه الوصول إلى السلطة، أو إزاحة نظام حكم، من أجل تكريس نظام سياسي مغاير، وإنما على العكس فالهدف الأساسي الذي كانت تطمح إليه التجربة النبوية، في بداياتها هو انسيابية الدعوة الدينية وتحقيق الانتشار الأوسع.

بعد التجربة النبوية، بدأت بعض البوادر السياسية والسلطوية لدى المسلمين من خلال النقاش المحتدم حول خلافة الرسول، وطرق اختيار من يتولى هذه الخلافة والشروط الأساسية في الشخصية التي ستدير شؤون الحكم، مما سيفسح المجال لفصول من الصراع حول السلطة، مما سينتقل المسلمون من وضعية الدعوة والأمة إلى وضعية السلطة والدولة، غير أن الوسائل المعتمدة في تدبير النقاش بين المسلمين، ما بعد الرسول لا تقتصر على الشأن السياسي وإنما تم الدفع بالنصوص الدينية إلى ساحة الجدل وسارع كل فريق إلى عرض حججه الدينية من أجل التدليل على مشروعية السياسة، مما سيسهل ظهور نقاشات وانقسامات بين التيارات الدينية والطوائف.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سعى النبي محمد إلى تشكيل أمة ترتكز على الإيمان أو هدف إلى تأسيس دولة سياسية؟

وهو ما سنجيب عليه من خلال هذه الدراسة من خلال استحضار علي عبد الرازق الذي  طرح مجموعة من الأسئلة من قبيل إذا كان الرسول قد شرع  في تأسيس دولة سياسية، فلماذا خلت دولته، من كثير من أركان الدولة؟ وكيف يمكن مماثلة المضمون الديني السياسي لمرحلة الأمة، ‭{‬غياب الدولة‭}‬، بالمحتوى السياسي في اللحظة الراهنة التي تقوت فيها الدولة وتكرست دعائمها؟

انتهت مرحلة النبوة، وخلا منصب الزعيم وانجلت سحابة الوحدة وجاءت لحظة الخلاف والصراع، فما أصل هذا الاختلاف في الإسلام وجدره؟

الخلاف السياسي:

تعد مسألة الخلاف من أبرز، وأخطر المسائل التي واجهت وتواجه العقل العربي والإسلامي، حيث أن الخلاف هو خاصية الاجتماع العربي الإسلامي إن لم نقل داؤه المزمن الذي لا يبرأ منه، فمنذ وفاة الرسول، دب النزاع ووقعت الفتن والحروب وحدث الانشقاق الذي ما انفك العقل العربي الإسلامي يستعيده ويعيد إنتاجه، ولاشك أن أعظم خلاف وقع في أمة العرب، ومن ثم في الملة الإسلامية هو الخلاف في الإمامة أي في الخلافة.

يلاحظ غياب التأسيس الفكري والعملي للدولة فإن جدلية الديني والسياسي لم تكن حاضرة في هذه الحقبة أيضا، فالحاكم هو إما خليفة الرسول، أو خليفة خليفته وهو قائد الجيش، مما تؤكد أن العنصر السياسي ظل ثاويا خلف الاهتمامات الدينية وتأثير مرحلة  النبوة لا يزال له مفعوله في العقل والوجدان الإسلامي. ولكن إلى أي مدى كان الصراع من أجل الدعوة؟

في العصر الحديث الغربي:

ثمّة خط واضح يرسمه شتراوس للفصل ما بين الفلسفة السياسية الكلاسيكية التي ازدهرت بصورة أو بأخرى إبّان العصور الوسطى وبين الفلسفة السياسية الحديثة، وهو في الوقت ذاته يقسّم الفلسفة السياسية الحديثة إلى ثلاث موجات، حيث تبدأ الموجة الأولى، «بأعمال ميكيافيللي الذي يعده شتراوس مؤسسا للحداثة، وتستمر هذه الموجة إلى القرن الثامن عشر حيث تواجه للمرة الأولى أزمتها التي نبعت من خلال الانتقادات التي وجهها «جان جاك روسو» إلى نظريات «هوبز»، و»لوك»، ومن ثمّة تبدأ الموجة الثانية التي تمثلت ذروتها في الفكر السياسي الذي طرحه كانط وهيجل، وتستمر هذه  الموجة لتواجه بدورها أزمتها من خلال أوجه النقد التي وجهها نيتشه إلى الميثالية الألمانية وهكذا تبدأ الموجة الثالثة التي ما تزال قائمة إلى أيامنا هذه.

       لعلّ ما ميز العصر الغربي الحديث، هو انبثاق الدولة الوطنية على أنقاض الامبراطوريات الذي كان خطوة من ضمن خطوات كان على هذه الدولة أن تقطعها لبلوغ المرحلة الحديثة.

وبصرف النظر عن النقاش الدائر حول التأريخ لعصر النهضة، فإننا نطمح من خلال هذا الفصل إلى تبيّن دور الفلسفة السياسية في إحداث خلخلة معينة حيال المسألة الدينية السياسية.

يدفعنا هذا الطرح إلى التساؤل عن نوع العلاقة التي جمعت بين المجتمع المدني والدولة في هذه المرحلة الأولى من النشأة؟

سأحاول من خلال هذا البحث أن أرصد باقتضاب مسار تشكل وتطور المجتمع المدني في ارتباطه بالدولة من خلال مقاربة تاريخية ترصد لأهم المحطات المهمة والتي سأقف من خلالها على الارهاصات الأولى لتشكل المجتمع المدني في بوادره الأولى الوسيطية، ثم سأقف عند نوعية العلاقة التي جمعت بين هذا المفهوم، ‭{‬المجتمع المدني‭}‬، ومفهوم الدولة.

إن خطورة التوجه نحو علمانية المجتمع المدني، كان بفضل الصراعات الفكرية التي شهدتها أوربا، جراء صيحاتها المنادية بفصل الكنيسة عن الدولة مما ساعد على قيام اللادينية للدولة بوصفها مرتكزا أساسيا لبناء حضارة أوروبية أساسه التنوير». فما هي إذن معالم التداخل بين الدين والسياسة في الحضارة الغربية؟ وكيف تمّ تدبير هذه العلاقة الجدلية بين مجالين مختلفين في الماهية والمسار؟ ما نوع العلاقة التي جمعت بين المجتمع المدني والدولة عبر التاريخ؟

لقد بدأ هذا المنحى في علمنة الدولة، «توماس هوبز»، أحد مؤسسي عصر التنوير من خلال ما ألف من كتبه أهمها «الليفيتان»، باعتباره وضع قطيعة تامّة مع الفكر الكنسي جاعلا المجتمع المدني حر تماما من كلمة الإله، إن هذا العمل المؤدي إلى بناء الدولة، وتنظيم عام ينظم شؤون الناس السياسية، أفضى إلى الإحلال محل النظام القديم، والمرجعية الدينية والتقاليد التراثية…إلخ. كما أن ما يميز ميكيافيللي حسب حنة آرندت هو أنه الوحيد من بين من سبقوه وآتوا بعده، من فهم الأساس الذي تقوم عليه إيطاليا موحدة.

يحضرنا بعد هذا الجيل التأسيسي أهم مجدد اللاهوت السياسي «باروخ سبينوزا» فهل ظل هذا الأخير وفيًّا للمتن الهوبزي أم أنه جدد بعض رؤاه فيما يخص تنظيره السياسي، خاصة وأنه كان من الذين اشتهروا بجدالهم الكبير مع رجال الدين، وانتقد تأويلاتهم، وهو ما يدفعنا للتساؤل هل يصلح الحكم الإلهي في الظروف الراهنة؟

  يحسب لاسبينوزا دفاعه عن سلطة العقل، وإيمانه في قدرة الانسان على توجيه نفسه دون وصاية، ورفضه تدخل رجال الدين في السياسة وممارساتهم الأسطورية مما ساهم في تبدي الطابع السحري على العالم، وهو ما سيتوج تطوره مع دخول المرحلة الأنوارية مع فلاسفة العقد الاجتماعي.

شكل عصر التنوير منعطفًا تاريخيًا حاسمًا في تاريخ الحضارة الأوروبية، وهذا ما أكده «دالمبير» الذي يقول: «لقد حصل تغيير هائل في أفكارنا وسرعة هذا التغيير تعد بالمزيد منه لاحقًا. لقد حصلت ثورة فكرية حقيقية ولن تستطيع إلا الأجيال اللاحقة أن تقيس حجمها وأبعادها أو إيجابياتها وسلبياتها. فنحن لا نزال غاطسين فيها، وبالتإلى فغير قادرين على رؤية كل ملابساتها وتنقصنا المسافة الزمنية الكافية لذلك، ولكن يمكن القول كتشخيص أولي بأن عصرنا هو عصر الفلسفة فإذا ما تفحصنا الحالة الراهنة للمعرفة عندنا لا نملك إلا أن نلاحظ التقدم الكبير الذي حققته الفلسفة»

بما أن الاشكالات المتعلقة بعصر الأنوار غير قليلة، فإنه يمكن الاقتصار على بعضها من قبيل: ما المقصود بعصر الأنوار؟ وما مضمون فلسفته؟ ولماذا سمي بهذه التسمية؟

فالدولة في فلسفة لوك ليست في يد الحاكم المطلق كما نظر إليها «توماس هوبز»، وليس من شأنها مراقبة إيمان الناس والحد من الفتن كما ارتآها «سبينوزا»، فوظيفة الدين الحق مختلفة تماما حسب لوك: «فالدين الحق لم يتأسس من أجل ممارسة الطقوس ولا من أجل الحصول على سلطة كنسية ولا من أجل ممارسة القهر، ولكن من أجل تنظيم حياة البشر استنادا على قواعد الفضيلة والتقوى.

هذا هو مضمون الحكم المدني اللوكوي، فكيف استقبله روسو؟ هل نقدًا أو نسجًا على منواله؟

من مواصفات العقد الاجتماعي عند روسو، أن السيادة لا يمكن التصرف بها ولا تنتقل بالتوكيل، ومن تمة فإن نواب الشعب ليسوا، ولا يستطيعون أن يكونوا ممثليه، وإنما هم مجرد مفوضين، والسيادة لا تتجزأ، إنما هي مطلقة، إذ أن العقد الاجتماعي يعطي الجسم السياسي سلطة مطلقة على جميع أتباعه.

الأخلاق الاجتماعية أساس بناء المجتمع المدني

إن ما يميز المجتمع المدني هو مجال للاعتماد المتبادل بين الناس، فأنا أعتمد على غيري في إشباع حاجاتي، كما أن غيري يعتمد علي في إشباع حاجاته، كما يؤدي ثانيا إلى تقسيم العمل بين الناس، والعمل بصفة عامة لحظة أساسية في إشباع الحاجات البشرية، ذلك لأن موضوعات الطبيعة قلما توجد في ظروف وأوضاع تمكننا من إشباع حاجاتنا بشكل مباشر، بل لابد أن تتشكل عن طريق فاعلية الانسان، والعمل هو جعل الطبيعة روحية أو قل بأنه هب الغرض في مادة بلا روح وتكيف هذه المادة مع الحاجات العقلية والعمل المستمر الذي يقوم به الأفراد في المجتمع، يؤدي في النهاية إلى الثروة التي هي نتاج اجتماعي وهي لهذا يمكن أن تعتبر ملكًا للمجتمع ككل وتفصيل ذلك على كل حال يدخل في دائرة علم الاقتصاد لا في الفلسفة السياسية».

   يحضرنا التصور الهيغيلي لمفهوم المجتمع المدني في اعتبارها أحد منجزات العقل، ولا وجود لإرادة فردية، لأن الدولة هي تعبير عن روح الجماعة العامة، والإرادة كذلك وما الفرد إلا جزء من هذه الجماعة وما الحرية الفعلية إلا جزءًا أيضًا من هذه الجماعة، ولا تتحقق إلا داخل تجمع سياسي، ‭{‬الدولة‭}‬، وما دامت هذه الأخيرة تعبر عن أهداف المجتمع، من خلال تلبية رغبات الأفراد وضمان حقوقهم التي كانت مستبعدة في الماضي. فالدولة انطلاقًا من هذا القول، هي كنه تطور التاريخ، من خلال التحول الكبير بين التاريخين القديم والحديث، حيث اليوم أصبحت الأولوية لصالح الفرد، وتحقيق أمنه وحريته وضمان حقوقه، ما دام النظر إلى الانسان خارج الظروف الإنسانية وتصور الحرية خارج الدولة هو ضرب من الوهم حسب هيغل.

من الوجهة التاريخية يتعلق ظهور الروح الهيغيلي هذا، «بازدهار الحرية السياسية، والحرية في الدولة تبدأ هناك حيث يشعر الفرد بأنه فرد، وتشعر الذات بأنها ذات وسط العامة، أو هناك حيث يظهر وعي الشخص، وعي الإنسان بأن له في ذاته قيمة لا متناهية عندما أطرح نفسي على نفسي، ويكون لي قيمتي بذاتي فقط. وإن التفكير الحر في الموضوع، الموضوع المطلق، العام، والجوهري، يكمن هنا أيضا، ليس هناك حرية سياسية، أخلاق حرة، وعي محض، وفكر، وحتى يظهر ذلك كله، لابد من بروز الذات كوعي في مواجهة المادة الجوهرية، وبالتإلى يثم الاعتراف بها على هذا النحو».

*الديني والسياسي في المجال التداولي الإسلامي الحديث

إن مناقشة موضوع الدولة لهو بمثابة معرفة موقف الفكر العربي الإسلامي من  قضية الدين والسياسة، والوقوف عند التفاعلات التاريخية والفكرية والسياسية على ساحة النظر العربية الإسلامية الحديثة، ومحاولة، الوقوف على تجليات هذه التأثيرات على مستوى الشخصيات ومن هنا نتساءل كيف قرأ المفكرون العرب والمسلمون تاريخهم؟ وكيف نظر الفكر النهضوي للتجديد الديني؟

يحضرنا مؤسسين نهضويين بهذا الخصوص أهمهم: الكواكبي مهاجما الاستبداد ورافضا أي أساس ديني للحكم أو أي دور لرجال الدين في الشأن السياسي.

الواضح أننا أمام مصلح على إطلاع وافر بأمور الدين كما الدنيا، من أجل تطوير أدواته لمساجلة الاستبداد وأعوانه وهو الذي يقول، تضافرت آراء أكثر العلماء الناظرين في التاريخ، الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، والبعض يقول، إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان أبوهما التغلب وأمهما الرياسة أو هما صفوان قويان بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان والمشاكلة بينهما، إنهما حاكمان أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب والفريقان مصيبان في حكمهما بالنظر إلى مغزى أساطير الأولين والقسم التاريخي من التوراة والرسائل المضافة إلى الإنجيل ومخطئون في حق الأقسام التعليمية الأخلاقية فيهما، كما هم مخطئون إذا نظروا إلى أن القرآن جاء  مؤيدا للاستبداد السياسي.

كما نجد في هذه اللحظة التاريخية كيف أن الفكر الديني بدأ يراجع موقفه وهو ما عبر عنه الأفغاني  حيث لا مجال بالنسبة إلى الأفغاني، للحكم الإلهي الذي يدعيه الحكام، كما لا مجال لأفضلية الحاكم على المحكوم مهما كانت الخدمات التي يقدمها الأول للأخير، وكل هذا لا يبرر سطوتهم، ‭{‬الملوك‭}‬، وسلطتهم، وامتثال أوامرهم، واجتناب نواهيهم، ويرمون الرعية بالتقصير فيما يجب عليها….

فكغيرهما من الإصلاحيين في الفترات الانتقالية، إن الأفغاني ورفيقه لم يذهبا بتصوراتهما الإصلاحية إلى أقصاها، بل عاد السياق الذي حكم الطهطاوي لكي يحد من إصلاحيتهما، وهكذا راح الأفغاني ورفيقه يشترطان في عدل ونجاعة الحكم، ألا يتأسس إلا على أحكام الشريعة حيث لا يتأتى أي قانون إلا متوافقا معها، ومن تجليات  ذلك أن الأفغاني، قطع برفض كل قانون يخالف شريعتها، ‭{‬الديانة الإسلامية‭}‬، ونبذ كل سلطة لا يكون القائم بها صاحب الولاية على تنفيذ أحكامها.

ولئن كان عبده متوجسا من أي دعوة إلى الاقتداء بالغرب فإن رشيد رضا لا يرى مانعا في تعلم صنعة الأوربيين واستعارة ما يمكن أن يفيد الشرق، وأعظم فائدة استفادها أهل الشرق هو معرفة ما يجب أن تكون عليه الحكومة وتجاوز الحكم المقيد بالشورى…

رفض السيد، أيضا الحكم المطلق ودافع عن سيادة القانون معلنا أنه لا معنى للسؤال، هل الأمة معدة لحكم ذاتها، فالحرية وحدها تخلق روح الحرية، وليس باستطاعة الحكم  المطلق أن يربي الناس على حكم أنفسهم بأنفسهم….

أما السياسة فهي عنده قائمة على الوطنية والمنفعة وهو يسلم بأن وحدة الاعتقاد عنصر انسجام بين الأفراد لكن ينكر أن تصلح لأن تكون في القرن العشرين قاعدة للأعمال السياسية التي يجب أن تبنى على المنافع، لا المعتقدات. فنفس الاختلاف في مفهوم الجنسية الذي هو انتماء إلى دولة وطنية عند لطفي السيد، أما الأفغاني فقد هاجم هذا المفهوم الجديد حين قرر أن المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلا في دينهم واعتقادهم…

تطور ثنائية الدين والعلمنة عبر العصور

يحضرنا مباشرة بعد هذا العنوان، المفكر الجابري في طرح فكرة العلمانية التي جاءت تحث تأثير من محاولات الاستقلال عن الترك، حيث ارتبطت مفاهيم، الاستقلال، الوحدة والعلمانية، ارتباطا عضويا ببعضهما، وهدف ذلك إقامة دولة عربية في المشرق غير خاضعة للسلطة العثمانية …لكن وبما أن الجابري في موضع آخر من كتاباته يؤكد أن الفكرة العلمانية ما طرحت إلا من قبل المسيحيين العرب، فهذا يستفاد منه أن من يسميهم القوميين العرب، الذين طرحوا فكرة الاستقلال عن الأتراك، كانوا كلهم مسيحيين أو على الأقل كان بعضهم من المسيحيين وهذا ما يرفضه الكثير من الباحثين، الذين يرون أن هناك مجانبة للصواب في هذا الطرح على أساس أن من طرحوا فكرة الاستقلال عن العثمانيين، لم يكونوا كلهم مسيحيين، بل كانوا أغلبهم من المسلمين، فضلا عن أنه لم يكن المسيحيون العلمانيون في بلاد الشام في أواخر القرن التاسع عشر من المنادين بالانفصال عن الدولة العثمانية بل كانوا عثمانيي الجنسية والولاء السياسي ونذكر على سبيل المثال لا الحصر بطرس البستاني…، ثم لم يكن دعاة الانفصال آنذاك على الأرجح دعاة عروبة أو علمانية، بل دعاة طائفية، ولا كان دعاة العروبة من العلمانيين…

إن المنحى الحداثي للجابري يتجلى في وضعه، حاجز بين الرياسة أي السلطة الروحية، والسياسة أي السلطة المدنية، وذلك لأن الرئاسة تتعلق ذاتا وطبعا بأمور داخلية ثابتة  لا تتغير بتغير الأزمان والأحوال، بخلاف السياسة، فإنها تتعلق بأمور خارجية غير ثابتة، وقابلة للتغيير والإصلاح بحسب المكان، والزمان والأحوال، ولذلك كان المزج بين هاتين السلطتين المتمايزتين طبعا، والمتضادتين في متعلقاتهما وموضوعهما من شأنه أن يوقع خلافا بينا وضررا واضحا في الأحكام والأديان، حتى لا نبالغ إذا قلنا، إنه يستحيل معه وجود التمدن وحياته ونموه.

ومن هنا، يرى الجابري أن النهضة ارتبطت في ذهن المفكرين العرب ولا سيما المسيحيين بفصل الدين عن الدولة أما أسباب هذه الدعوة فيردها الجابري إلى أمرين أساسيين، أولهما أن دعاة العلمانية كانوا يفكرون في نموذج النهضة مرتبط بالنموذج الأوروبي، أما السبب الثاني، فهو عائد إلى الاستبداد التركي المتلبس بالدين وهو ما رأى فيه المفكرون العرب سببا في التخلف، وأوجبوا الحد منه عن طريق الاستقلال، وفصل الدين عن الدولة.

امتدادا لذلك نجد فرح أنطوان لم يكن ليدافع عن قيم المساواة، والتمييز بين الشأن الديني والسياسي من منطلق طائفي أو عرقي، فعلى الرغم من حماسه للفكر الغربي إلا أنه كان شديد الارتباط بواقعه المجتمعي، …غير أن استعمال فرح أنطون لمفهوم العلمانية كان بدلالته الأنوارية وفي سياق تاريخي مغاير لسياق الصراع بين الكنيسة والدولة كما حصل في المجتمع الأوروبي ورغم أن تحليل سياق استعماله يعلمنا أن كتابات فرح أنطون في هذه المسألة بالذات جاءت كرد فعل على شعار ‭{‬الجامعة الإسلامية‭}‬، الذي كانت ترفعه  الحركة الإصلاحية السلفية في زمنه، وهو ما يعني أن المفهوم وظف للحد من هيمنة  السياسة الدينية على السياسة المدنية، فإن ظرفية انتقال المفهوم، لا تماثل  الظرفية التاريخية والنظرية التي تشكل في صلبها تاريخ الفكر والمجتمع الأوربيين….

نلاحظ أن سجاليات الفكر النهضوي أسهمت في تطوير الفكر النهضوي والانفتاح على ثقافات مغايرة، فالفكر العلماني رأى أنه من اللازم عليه العودة إلى دراسة التراث الديني، من أجل مواكبة أفكار المنافحين عن الطرح الديني، أما أنصار المشروع الإسلامي فقد كان لزاما عليهم أن يغرفوا من الفكر الغربي من أجل تملك الوسائل الحجاجية التي يتقنها الطرح العلماني….

بناءً على ما راكمه التاريخ من علاقة وثيقة بينهما، ‭{‬الدين والسياسة‭}‬، حتى وإن كان الأمر مخالفا لتعاليم الإسلام نفسه، فالفصل التام بينهما يبقى من غير المتيسر تحقيقه في البلاد التي مازالت تربط بين الحاكم والكيان السياسي، التي لم تصل مرحلة تمييز النظام السياسي عن كيان الدولة، على الرغم من أن ملامح الأخيرة لم تتعين في العديد من البلاد العربية الإسلامية، فالنخب الفكرية والسياسية في هذه البلدان لا يزال اهتمامها بفكرة الدولة في مرحلته الجنينية الأمر الذي يرجعه برهان غليون إلى مجموعة من الظروف والعوامل ما نتج عنه سوء تأويل في فهم العلاقة المحتملة بين الدين والدولة لذلك يؤكد، أن الدولة العلمانية إذ تنفي الاعتراف بتأشير الدين في السياسة رسميا وتلغي إمكانية التفكير فيه والبحث عن حله، لا تستطيع أن تحد من هذا التأثير عمليا إلا إذا خانت نفسها وتحولت إلى دولة قمعية، أي حددت من حرية التفكير والتنظيم…

تلخص لنا هذه الأطروحة أن غليون يؤكد على أطروحة التمييز بين رجال الدين ورجال السياسة، في مقابل أطروحتي الفصل بين الدين والسياسة من جهة والفصل بين الدين والدولة من جهة أخرى. ففكرة كون العلمنة لا تقوم على الفصل بين الدين والسياسة، أو المعارضة بين قيمها، والسبب في ذلك حسب غليون عائد إلى أن قيم السياسة لا يمكن أن تصدر عن شيء آخر غير معتقدات المجتمع وإيمانه، وإلا أصبحت السياسة نفيا لهويته الوطنية، إنها التمييز بين مهام رجال الدين ومهام رجال الدولة، وهم جميعا يخضعون من حيث المبدأ، أو المفروض أنهم يخضعون في مجتمع سيد للقيم ذاتها والأهداف والتربية والتكوين العام الجماعي والقومي ذاته، أي أنه فصل، ‭{‬أي تحديد أيضا‭}‬ بين صلاحيات لا بين أنماط قيم وعيش، ولا يغير ذلك من أن النظم الاجتماعية أو أنماط تنظيم هذه القيم والتعامل بها في المجتمعات، تتغير عبر التاريخ وتتبدل وتأخذ بعضها من البعض الآخر لا محاولة، والمتال البسيط على ذلك أن عدة الجيوش وأسلحتها ومتاعها وتقنيات الحرب والقتال تتبدل بشكل دائم وتتطابق ويعم انتشارها مدنيا مختلفة ومتميزة، ولكن خطط الشعوب واستراتيجيتها وتحالفاتها لا يمكن أن تنقل عن بعضها البعض، فهي تظل خاصة بها لأنها  تتعلق بظروفها الطبيعية وحجمها وموقعها وأهدافها وقيمها…

للجابري من مفهوم العلمنة موقف يوضحه بكونه مطلب لا تقتضيه الحاجة، وهذا ما جعل نتائج المصير الخاص، الذي عرفته العلمانية في المجتمع العربي والإسلامي، تختلف كليا عما حدث في الغرب المسيحي فبذل أن تكون وسيلة لفك الاشتباه بين سلطتين متنازعتين، خلقت خصومة لم تكن موجودة من قبل، ودفعت إلى تكوين الدين والكنسية في مواجهة الدولة العديمة الشرعية والأخلاق، لقد أنتجت قطيعة اجتماعية وعقيدية من عدم، دون أن تنجح مع ذلك في تقديم الحلول المطلوبة على المسائل المطروحة بقوة وإلحاح في التجديد، الديني أو تجديد الفكر السياسي نفسه وتحول العلمانية  إلى دين مقابل، خلقت أرضية المواجهة، بين منظومتي قيم متنافيتين، تدعي كل منهما السيادة والأسبقية في قيادة شؤون المجتمع الدينية والدنيوية. إن تحول العلمانية إلى فلسفة دينية جديدة تغطي المطالبة بالسيادة المطلقة للدولة على الروح والجسد والعقل والقلب والجوارح، باسم العلم أو الوطنية، أو التقدمية، قد شكل تحديا حقيقيا للفكر الإسلامي الذي حاول أن يجيب على عملية إخراجه من المجتمع المدني والسياسي معا بتطوير نزعة مماثلة للحصول على السلطة الشاملة والسيادية.

لقد رأينا في التاريخ الغربي كيف أن العلمانية لم تأت لمحاربة الدين وإنما سعت إلى تجسيد الدولة عن التوظيف الديني وهو ما أنجزته الثورات الغربية وهي تورات لم تكن تهدف إلى القضاء على الدين ورجاله، وإنما هدفت إلى الحسم مع الحكم المطلق ومسوغاته الدينية، لكن الوضع مع التاريخ الشرقي يختلف وهذا يعكس لنا في نفس الوقت أن التاريخ أظهر أن العلاقة بين الدين والسياسة كانت تعبيرا عن لغة المصالح أكثر مما هي تعبير عن لغة الدين، وهي الخلاصة التي أردنا تأكيدها من خلال هذه الدراسة.

بناءا على ما سبق، فأساس بناء المجتمعات هو بفصل السلطتين وضمان الاستقرار لا يكون إلا بالحد من سلطة رجال الدين حتى يتفرغوا لأمور الدين والعقائد السلفية الشائعة، مع مراعاة مصلحة الدولة والدين.

على هذا الأساس سبق لاسبينوزا الإشارة إلى ضرورة مراعاة مصلحة الدين والدولة لا ينبغي إعطاء أصحاب السلطة حق التمييز بين الأفعال والحكم عليها، فإذا كان هذا الحق لم يعط حتى الأنبياء دون أن يلحق الضرر بالدين والدولة على السواء فالأولى ألا يعطى من هم أقل قدرة منهم….

فإذا كانت الغاية من الدين هي تدبير الشؤون الروحية للمؤمنين، فإن الغاية من تأسيس الدولة، هو إتاحة الفرصة للأفراد حتى يقوموا بوظائفهم في آمان ثام، حيث ضرورة ضمان استخدام عقولهم استخداما حرا دون إشهار أسلحة الحقد أو الغضب أو الخداع.

فالحرية إذا، هي الغاية الحقيقية من تأسيس الدولة، ومن أهم هذه الحريات حسب غوشيه هو حرية المعتقد.

نستنتج من كل ما سبق أنه لا سبيل للحديث عن الدولة المدنية في الدولة الغربية في غياب قيم الديمقراطية ومن أهمها قيم المساواة واحترام الحقوق وضمانها، والمشاركة السياسية، واستقلالية المجتمع وتقديس التعددية الاجتماعية والثقافية…إلخ، أما الواقع الشرقي الإسلامي فالأمر يختلف وهذا كان رهاني منذ البداية لإثباته من خلال هذه الدراسة.

 أستاذة باحثة في الفكر السياسي الحديث والمعاصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق