ثقافة وفن

نافيد كرماني

تقديم وترجمة: فادية فضة وحامد فضل الله

مَدخل:

نافيد كرماني ألمانيّ من أصلٍ أيرانيّ، درسَ العلوم الاِسلامية والفلسفة، وهو كاتبٌ وروائيّ حرُّ، أصدر العديد من الكتب الهامّة وفازت أعماله الأدبيّة والأكاديميّة بالعديد من الجوائز المرموقة، وهو عضوٌ فاعلٌ في مراكزَ بحثيّة هامّة، اشتهر بمقالاته النقديّة، والتي يقدّمها دون خجلٍ أو تملّص أمام جمهورٍ واسعٍ، وبالتإلى يتحدّى مستمعيه للاِبتعاد عن أنماط التفكير المألوفة. ونشير هنا إلى كتابه الهام، وهو أطروحة الدكتوراه بعنوان « الله جميلٌ، المُعايشة الجمالية للقرآن» (الطبعة الرابعة). كرماني كان لصيقاُ بنصر حامد أبو زيد ويمكن اعتباره تلميذاً له. والمقالُ هو الكلمة التي ألقاها، بمناسبة الذكرى 75 على تأسيس ولاية ساكسونيا السّفلى، في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 في هانوفر.

إلى النص:

عاد آخر الجنود الألمان من أفغانستان في 27 آب/ أغسطس. وشهدت ألمانيا منذُ ذلك الحين، انتخابات فيدرالية، وعادتْ الحياة العامّة حالياً إلى طبيعتها، على الرغم من ارتفاع عدد الإصابات بوباء كورونا، وعاد المشاهدون إلى الملاعب والمسارح، وتحتفل كلّ ولايةٍ فيدراليّة تلو الأخرى بعيد ميلادها الخامس والسبعين، يتفاوض الفائزون في الانتخابات وينقسم الخاسرون وهناك محاولة حدّ للسرعة على الطرق السريعة الألمانية، لا يزال بعيد المنال.

وماذا عن أفغانستان؟! بعد شهرين، هل توقّع أيّ شخصٍ شيئاً أخر؟ لم تعد قضيّة فعلاً! يتعين على المئة وستين ألف جندي ألماني الذين خدموا في أفغانستان أن يتعاملوا مع حقيقة، بأنّ انتشارهم قد فقد كلّ معناه بين عشيّة وضحاها، وذلك بسبب الاتفاق بين الولايات المتّحدة وطالبان وعدم استخدام الدبلوماسية الأوروبيّة.

تُرك 38 مليون أفغاني، ستة ملايين منهم في المنفى، ليواجهوا مصيرهم بأنفسهم، والاتجاه آخذ في الارتفاع بشكلٍ حادٍ. عليهم أن يتعاملوا مع حقيقة أنّ بلادهم، قد تمّ إرجاعها إلى ما قبل عشرين عاماً، الاستبداد، والتطرّف الديني، وكره النساء، وازدراء حقوق الإنسان، واحتقار الثقافة، وأيّ شيء مُختلف، وما هو هامّ ومفقودُ الآن هو، الأمل في التحرر.

لماذا افغانستان؟ ألم يكن لدينا ما يكفينا عن ذلك؟! لماذا لا أتحدّث عن ولاية سكسونيا السفلى كما يجب أن يكون في مثل هذا الاحتفال؟ إنني مُهاجر إيرانيّ، مولود في ويستفاليا، ونشأتي في راينلاند، «ألمانياً ممتناً»، وأوروبياً قناعةً، ولكن مصادري عن ساكسونيا السفلى ليست كافية.. ولهذا السبب اعتذرت أولاً بأدبٍ من دعوة إلقاء خطاب اليوم. إلاّ بعد التأكيد، بأنّ الحفل لا يكتفي بالتفخيم والاِعتزاز بالنفس فحسب، بل إثارة الأفكار حول قضايا سياسية عامّة. حسناً، أعتقد أنّه يمكنني التحدّث عن الفيدرالية، وإلى أيّ مدى ساهمتْ في نجاح الجمهورية الفيدرالية (الاتحادية) وما هي التحدّيات التي تواجهها في مواجهة العولمة. ولكن عندما رأيت الأشخاص الذين تشبثوا بالطائرات الأمريكية وهي تُقلع في كابول وسقطوا كما الحجارة على الأرض من على ارتفاع مئات الأمتار، لم تعد تلك الصور، وذاك الحدث الشبحي الكامل الذي لا يصدق، أن يفارقا ذهني. إنني لا أتذّكر في السنوات القليلة الماضية أنني عايشت حدثاً سياسياً أرهقني بشدّة، بقدر عودة طالبان إلى السّلطة. ويرجع ذلك بالتأكيد إلى انطباعاتي الخاصّة عن هذا البلد الجميل المُدمَر للغاية، والذي كانت السياسة العالميّة تتلاعب به مثل لاعبي كرة القدم، منذُ زحف الجيش الأحمر قبل أكثرَ من أربعين عاماً. ويرجع هذا أيضاً، إلى أصدقائي الأفغان في ألمانيا، الذين بالكاد أتجرأ للنظر في عيونهم منذ آب / أغسطس، لأنّهم جميعاً يائسون وقلقون بشكلٍ مطلق على أقاربهم، وخاصّة على الإناث منهم.

وكذلك تضاعف إحساسي بالذهول، بسبب الفشل في أفغانستان، يبدو الآن أن أيّ التزام بالديمقراطية في العالم، وبناء المجتمعات المدنية، والتحرير قد أصبح واهياً. لقد ناضلت طوال حياتي الفكريّة لضمان أن نوجه نظرنا إلى الخارج، وعلى الرغم من كلّ حبّنا لوطننا، نرى أنفسنا كمواطنين عالميين في عين الوقت. ولكن مضمون العديد من التعليقات الآن، وخاصّة في الشبكات الاجتماعية، هو: إذا تسببت مساعدتنا في الكثير من الضرر، فسيكون من الأفضل للجميع، إذا لم نعد نتدخل في أي مكان. وبناءً على ذلك، لم يكن هناك في الحملة الانتخابية الأخيرة تقريباً أي شيء يُسمَع عن السياسة الخارجية أو المسؤولية العالمية أو المشاركة الدولية. ولذلك قررت أن أتحدث في نفس الموضوع الذي يؤثر عليَّ سياسياً هذه الأيام. ولأن أفغانستان لها علاقة بساكسونيا السفلى – ليس لأنّ الجنود الألمان العائدين هبطوا في فنستورف (Wunstorf)، على بعد اثنين وعشرين كيلومتراً من هذه القاعة فحسب، بل إن تأسيس ولاية ساكسونيا السّفلى الفيدرالية في 1 نوفمبر 1946، يعود الفضل إلى عملية عسكرية أجنبية حدثت من خلال قوة احتلال. أي أنّنا نحتفل اليوم بالنجاح الباهر للتدخل العسكري. وقبل شهرين، على بعد عشرين كيلومتراً، رأينا نهاية تدخل عسكري فاشل بشكلٍ مذهلٍ.

هل كلتا المهمتين قابلتين للمقارنة؟ بالتأكيد ليس في مدى نطاقهما. لكن اجتمعت في كلتا الحالتين دول عديدة ومختلفة للغاية للإطاحة بنظامٍ قاتلٍ بشكل غير عادي. في كلتا الحالتين، سعت الدول المعنية بالطبع إلى تحقيق مصالحها الأنانية، استراتيجياً واقتصادياً ومن ناحية السياسة الأمنيّة أيضاً؛ الإيثار لم يحكم العالم أبداً. ومع ذلك وبعد ترددٍ طويلٍ في كلّ من عام 1939 وعام 2001، ساد التفاهم الدولي بأن الأيديولوجية الفاشية يجب أن تُحارب بعنف، لوقف تزايد انتشارها – والوهابية المُتشددة لطالبان ليست سوى فاشية دينيّة، لا تقوم على أساس تقاليد بشتونيّة عمرها قرون، وإنما إبداع أصيل للحداثة..

«لا شيء جيد في أفغانستان»، قالت امرأة بارزة من ولاية ساكسونيا السفلى في عام 2010، كانت آنذاك الأسقف الإقليمي ورئيسة مجلس (الكنيسة الانجيلية في ألمانيا (EKD)) مارجوت كيسمان، ويبدو أن الأحداث منذً سقوط كابول، تثبت صحّة ما قالته. ومع ذلك: كانت الجُملة خاطئة في ذلك الوقت وصفعة على الوجه لكلّ من ناضل بلا خوف من أجل التنمية السلمية في أفغانستان. ولا يصبح الأمر صحيحاً بأثر رجعي، من خلال الفشل المفاجئ لهذا الجهد الذي استمرّ عشرين عاماً، والذي تمّ إحداثه عمداً من الخارج. لأنّ ما نلاحظه الآن ليس نتيجة المُهمة الغربيّة – لقد كانت عواقبها إشكالية بدرجة كافية ــ فمنذ رحلتي الأولى إلى أفغانستان في عام 2006 كنتُ من أشدّ منتقدي استراتيجية الناتو. فما تعيشه أفغانستان الآن هو النتيجة المباشرة لانسحابنا. وهذا هو بالضبط ما حدث فعلاً، وإن كان بطريقة غير مسؤولة وأكثر مما كان يُعتقد أنّه ممكن، وهو ما دعت إليه مجموعات قليلة من اليسار واليمين من الطيف السياسي منذ سنوات: إنهاء الحرب في أفغانستان! نعم، انتهت الحرب. ولكن هل أصبح أيّ شيءٍ أفضل في أفغانستان؟ لا، بل على العكس: لقد تمّ الآن القضاء، على الخير القليل الذي أتاحه العمل العسكري الغربي: حقوق المرأة، والوصول إلى التعليم، والصّحافة الحرّة، وتطوير مجتمع مدنّي، والتبادل الدولي، وتطوير الفنّ، والأدب، والموسيقى. يشير تقرير الأمم المتحدة، بأنّ الإمدادات الغذائية غير مؤمنة لأكثر من نصف سكّان الأفغان وأن 3.2 مليون طفل يعانون بالفعل من سوء التّغذية الحاد.

قال مدير برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة ديفيد بيزلي (David Beasley) الأسبوع الماضي: «تعد أفغانستان الآن واحدةً من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، إن لم تكن أسوأها. نحن في العد التنازلي لوقوع كارثة».

انخراط عمل عسكري جديد هو الآن غير واردٍ، ولذا لا يسعني إلاّ مناشدة العالم، بألاّ يجب أن تُنسى أفغانستان مرّة أخرى. ومع ذلك، سينعقد لساني عند النطق بهذه الجملة، لأنني، وكذلك كلّ الحضور في القاعة يعلمون، بأنّ هذا هو بالضبط ما سيحدث: سيتم نسيان أفغانستان مرّة أخرى، وهذا ما تمّ فعلاً بعد شهرين من عودة جنودنا. وسوف تُصبح منسيّة مثل اليمن وإثيوبيا ومدغشقر وبورما وسوريا، ومن أجل التذكير، تمثيلاً لا حصراً، لبعض الحروب والمجاعات الأكثر تدميراً، والتي لا تلعب أدنى دور في السياسة الألمانية، ولا على التلفاز الألماني ومع ذلك، فإنّ السؤال الذي طُرح عن نشر جنودنا في أفغانستان لن يختفي – إذا فكرتم في التطورات في مإلى – فسوف يشغل هذا لجانَ الأزمات وبرامجنا الحواريّة مرّة أخرى في الأسابيع أو الأشهر القليلة المُقبلة. أعني مسألة فيما إذا كان الغرب، وما إذا كانت أوروبا، وما إذا كان ينبغي على الجيش الألمانيّ، على وجه التحديد، التدخّل عسكرياً في أي صراع.

لا دماء من أجل النفط – ربما يوافق الجميع في القاعة، وحتى ممثلي القطاع الاقتصادي على الأقل على ذلك علناً. ولكن ماذا لو كانت الإبادة الجماعية على قدمٍ وساق، أو تعرّضت النساء للاغتصاب بالآلاف، أو استخدم ديكتاتور الغازات السامة ضد شعبه؟! وخاصّة في يوم كهذا، عندما نحتفل بالحرية التي حارب من أجلها الجنود الأجانب من أجلنا، يجب ألاّ نجعل الإجابة على أنفسنا بسيطة للغاية، على سبيل المثال، الانسحاب بعد الانهيار في أفغانستان، إلى فكرة بأنّ الديمقراطية ببساطة غير قابلة للتصدير. وبدلاً من ذلك، فإنّ الدرس المستفاد من كلا التاريخين، 1 تشرين ثاني / نوفمبر 1946 و 27 آب / أغسطس 2021، هو أنّه لا توجد إجابة بسيطة. لا يمكن للجنود الذين يسافرون من فنستورف أن يفقدوا حياتهم فحسب، بل يمكنهم أيضاً، حتى لو كان ذلك ضدّ نواياهم ونية قادتهم، زيادة معاناة السكان. لكنّها يمكن أن تؤدي أيضاً إلى الموت، وحتى آلاف وملايين من القتلى، إذا بقي الجنود في ثكناتهم.

لم يكن غزو العراق في عام 2003 خرقًا للقانون الدولي فحسب، بل كان في نفس الوقت خطأً كارثياً، ويمكننا، على سبيل المثال لا الحصر، أن نذكر بكلمة «لا» لشخصية بارزة ثانية في ولاية سكسونيا السفلى، يجب أن نكون ممتنين لجيرهارد شرودر (المستشار الألماني السابق ـ ألمترجم) حتى يومنا هذا، لإبعاد ألمانيا عن هذه الحرب الإجرامية – وضدّ إرادة زعيمة المعارضة آنذاك أنجيلا ميركل. منطقة حظر الطيران والضربات الجويّة في عام 2011 في ليبيا، عندما بدا أن ملايين المتمردين في شرق البلاد مُهددّون بتقدّم القوات الحكوميّة – أعترف، بأنّي في البداية لم أكن متأكداً، فيما إذا كانت ألمانيا قد أحسنت في أن تكون الدولة الوحيدة من بين الدول الغربية التي تحفّظت على التصويت في مجلس الأمن الدولي. الصحافة الألمانيّة، والمعارضة، باستثناء اليسار، وحتى شركائهم في الائتلاف، كانت مليئة بالانتقادات لوزير الخارجية في ذلك الوقت، الذي قاد ألمانيا إلى العُزلة. نحن نعلم اليوم، وأنا نفسي أعلم أيضاً أن غيدو فيسترفيله (Guido Westerwelle) كان محقًا في شكوكه حول المعارضة الليبية والدوافع الغربية، رحمه الله.

من ناحية أخرى، قادت الأكاذيب حول ليبيا بعد فترةٍ وجيزةٍ، إلى خيبة الأمل، حيث لم يجد أيّ شخص في الغرب نفسه على استعداد لحماية السكان الثائرين في سوريا من البراميل المتفجرة والغازات السّامة لنظام الأسد. على عكس ما حدث في العراق أو أفغانستان، لم يكن الأمر يتعلّق بالتدخل العسكريّ. دعت المعارضة السورية العلمانية في البداية، بقيادة المسيحي ميشيل كيلو، من بين آخرين، المجتمع الدولي إلى إقامة منطقة حظر طيران حتى لا يعود الجيش يقصف سكانه من الجو. وطرح بعد اندلاع الحرب الأهلية تسليح للجيش السوري الحرّ. تمّ رفض كلاهما، وتركت المعارضة منفردة لمواجهة مصيرها بوسائلها الخاصة. نتيجة لذلك، انخرطت قوى أجنبية أخرى، خاصّة المملكة العربية السعودية وتركيا وروسيا وإيران، وانتقل الجهاديون الأجانب إلى سوريا، وتعززت ما يسمى بـ «الدولة الإسلامية»، وتحولت الثورة الديمقراطية بشكلٍ متزايد إلى صراعٍ طائفيّ، وملايين السوريين فقدوا منازلهم ومئات الآلاف زُهقت أرواحهم؛ ولعقود من الزمان ستصبح البلاد حقل أنقاض. من وجهة نظر اليوم، يمكن القول بشيء من اليقين إنّ الانخراط المبكّر من قبل الغرب في شكل مبادرة دبلوماسية واسعة النطاق، وضغوط اقتصادية هائلة، واستخدام موارد عسكريّة محدودة مع كلّ العواقب التي يصعبُ حسابها. كان سيمنع مثل هذا السيناريو في نهاية الوقت. لم يكن داعش ليحتلّ نصف الشرق لبعض الأحيان، وما كانت أزمة اللاجئين في عام 2015 تقود لاِنقسام أوروبا، بما يشمل (حتى) خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ولم يكن الإيزيديون والمسيحيون قد طُردوا من وطنهم، ولم تكن عواصم أوروبا لتتعرّض لسلسلة من الهجمات الإرهابية الخطيرة.

توجد العديد من الأمثلة الأخرى، بأنّ سلبيتنا قادت إلى تطويل الحرب، وزيادة العنف، والأكثر قسوة كان على الأرجح في رواندا وحالياً في اليمن، أو في حصار سراييفو، في مذبحة سريبرينيتشا، التي وقعت حرفياً أمام أعين الناتو. وهناك دول أخرى، مع العراق وليبيا، وقد أشرتُ للتوّ إلى دولتين، حيث أدّى التدخل ذاته إلى اندلاع حريقٍ – أو فشلنا في كلّ مكان كما في أفغانستان. يختلف كلّ صراع عن الآخر، وغالباً ما يمكن للمرء أن يوازن بين القرارات الخاطئة فقط، لأنّه فات الأوان لاتخاذ القرار الصحيح، كما حدث في عام 2016، عندما هدد تنظيم الدولة الإسلامية بغزو العراق بالكامل. في ذلك الوقت، اتخذ الغرب في فترةٍ وجيزةٍ قراراً بتسليح الجيش الكردي ودعم الميليشيات الشعبيّة الشيعيّة بالاستطلاع الجوي، وكان ذلك صحيحاً تماماً في الموقف الدراماتيكي، لأنّ إبادة جماعية، لليزيديين والمسيحيين والأكراد والشيعة كانت وشيكة. لا يعقل ما كان سيحدث لو توغلت داعش في بغداد ومخيمات اللاجئين في شمال العراق والاغتصاب الجماعي، وقطع الرؤوس والصلب والاستعباد.

كما قلت، هذه ليست مناقشات للماضي. أثار سؤال روبرت هابك (Robert Habeck) في شهر أيار ‭\‬ مايو ــ حول ما إذا كان ينبغي دعم أوكرانيا بالأسلحة في الحرب ضدّ روسيا المُهيمنة ــ ضجة كبيرة، وفي هذه الأشهر بالتحديد، تواجه ألمانيا قراراً – حتى لو كان بالكاد يشغل أيّ مساحة في التقارير – ما إذا كان على الجيش الألماني أن ينسحب من مالي. فلنتذكر: بدأت العملية العسكرية بقيادة فرنسا عندما غزا الجهاديون أجزاء كبيرة من البلاد، بما في ذلك مدينة تمبكتو الأسطورية، وأخضعوا السكان واضطهدوا الإسلام الصوفيّ المحليّ وحظروا عملياً ثقافة مإلى الغنية. تم صدّ الجهاديين فعلاً، لكن العملية العسكرية الأوروبية فشلت في تحقيق الأهداف الأساسية. والبلد أصبح أكثر بُعداً عن الاستقرار، وبعد الانقلاب المتكرر على الحكومة المدنية الصيف الماضي، تمّ القضاء على بقايا الديمقراطية. لكن ألم تكن الأهداف عالية جدًا منذ البداية؟ وماذا لو تركت أوروبا مإلى بحالها؟ هل ستتكرر أفغانستان؟ هل ستتدحرج الموجة القادمة من اللاجئين نحونا؟ هل سيتمّ بعد ذلك التخطيط للهجمات التالية بالقنابل من مالي؟ بصراحة لا أعرف.!!

كلّ ما أعرفه هو أننا يجب أن نسأل أنفسنا بالضبط تلك الأسئلة غير المريحة. لقد سئمنا جميعاً من الإجابات البسيطة.

لقد كنت اجتماعيا وسياسياً مع حركتي السلام والبيئة الألمانيتين، ومع المقاومة ضدّ المستودع النووي في جورليبن(Gorleben) وكذلك مع الاعتصام أمام وزارة الدفاع الفيدرالية في بون. كانت سيارتي الأولى لسنوات عديدة تحمل ملصقاً يسمى بشكل تصويري «اللعنة على الجيش» („#### the Army“). لقد سافرت كثيرًا منذُ ذلك الحين، وكمراسل رأيت الحرب والعنف عن كثبٍ. إنني أعرف، وعلى وجه الخصوص أفغانستان، أعرف النظر من والنظر على الدبابات الغربية، حيث أنني سافرت عبر البلاد مع الناتو كمدني. عندما أتحدّث عن مسؤولية ألمانيا في العالم اليوم بمناسبة ذكرى قيام دولة فيدرالية تدين بوجودها وحريتها وازدهارها لعملية عسكرية أجنبية، لا أستطيع القول بأنّه يجب رفض البعثات الأجنبية من حيث المبدأ. وقد رأيت في نفس الوقت وبأم عيني، ما يمكن أن تفعله الأسلحة، وبصفتي كاتباً، فإنني أتفاعل بحساسية أيضاً، عندما يُزيَّن الناتو قصف منطقة على أنّها «تدخلات إنسانيّة». الحرب ليست إنسانية، وأحد الأخطاء الجوهرية للاستراتيجية الغربية في أفغانستان يكمن في حقيقة أنّ المشاركة المدنية كانت أيضاَ، خاضعًة لمنطق عسكري منذ البداية. الناتو، الجيش الألماني، ليسوا هناك لإدخال أنظمة سياسية جديدة، بل لتوطيد سلطة الدولة وتوحيد المجتمعات المنقسمة. ومع ذلك، لا يمكن أن يكون البديل هو النظر في الاتجاه الآخر عندما يتمّ تدمير الناس وطردهم واستعبادهم. لا يمكن أنّ يكون البديل هو التوقف عن المشاركة في العالم على الإطلاق. ما هو البديل إذاً؟ أعتقد أن البديل يكمن في المجال الواسع بين عدم القيام بأي شيء والحرب. عادة ما يسمى هذا بالسياسة، في هذه الحالة السياسة الخارجية، التي لا تبدأ بالعمليات العسكرية ولا تنتهي بالحوار مع الديكتاتوريين، حتى لو اشتملت على كليهما. السياسة تعني البحث عن حلول على وجه التحديد حيث يبدو الوضع ميؤوساً منه. إنه يعني عدم هزّ الاكتاف عندما يتمّ تجاهل حقوق الإنسان الأساسيّة، والحريّة، والسلام، والغذاء الكافي، والفضاء المعيشي، السياسة تعني الدبلوماسية، وتعني التبادل، وتعني معرفة العالم، وتعني الصداع، والمثابرة، والصبر. ويمكن أن تتكون السياسة من عقوبات وتهديدات أيضاً، ونعم في حالات فرديّة، استخدام وسائل عسكرية محددة بوضوح و بدقّة. السياسة لا تعني فقط الاهتمام بما هو خاص بنا، ولكن بما هو أجنبي أيضاً، لسبب بسيط أناني وهو أننا لن نكون قادرين على الحفاظ على سلامنا، وازدهارنا، عندما يسود العناء والعنف في أجزاء كبيرة من العالم. عندئذ يظهر الأجنبي لنا، في شكل لاجئين، أو في شكل هجمات، وفي شكل صور مرعبة، التي تدمر روحنا وحضارة مجتمعنا.

لقد عانينا لسنوات في ألمانيا ــ ليس فقط منذ الصيف ــ من فقدان كبير لأهميتنا في السياسة الخارجية، نلاحظ ذلك في وسائل الإعلام. أيضاً، ومن المفارقات أنّ هذه اللامبالاة بالعالم قد تسارعت مرّة أخرى بسبب كارثة أفغانستان. كان يمثل وزير الخارجية، ثاني أهمّ منصبٍ في الدولة، قبل عشر أو عشرين عاماً، واليوم هو هايكو ماس! (Heiko Maas). كما لم تلعب السياسة الدولية أي دور في الحملة الانتخابية، فلم نسمع بأيّ حالٍ من الأحوال من المفاوضات الائتلافية الجارية، بأنّ العالم على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط يمثّل أي مصلحة خاصّة لنا. يأتي موضوع السياسية الخارجية كنقطة أخيرة في الورقة التشاورية للأحزاب الثلاثة، التي من المُفترض أن تُكونْ الحكومة القادمة.

أصبحت حياتنا في الوقت نفسه – حتى في معظم احتياجاتنا اليومية- أكثر اعتماداً على العوامل الخارجية ، ناهيك عن التفكير في الوباء، وتغير المناخ، وتحركات اللاجئين، والتي وفقاً لحسابات الأمم المتحدة، بأنها سوف تتضخّم بشكلٍ كبيرٍ على مدى العقود القليلة المُقبلة. كلّ ما عليك فعله هو إلقاء نظرة على أسعار البنزين المحلية، وإلقاء نظرة على حجم الصادرات، وما عليك سوى إلقاء نظرة على هاتفك الذكي، الذي يتطلب توصيلاً نادراً بالأرض وليثيوم. ويُعتقد أنّ معظم احتياطيات العالم موجودة في أفغانستان، وهذا وحده سبب للصين، على سبيل المثال، لعدم الانسحاب من البلاد. لكن الالتزام الصيني لن يساعد الأفغان على تحقيق حريتهم. إذا كنّا نعتقد أنّه لا يمكن تصدير الديمقراطية – وهو ما يبدو أكثر عبثية اليوم، في هذا المكان – فعلينا على الأقل أن نهتمّ بمصدر وارداتنا وأين يمكننا بيع سياراتنا في المستقبل. على كلّ حال، إنّها ساكسونيا السفلى، الفيدرالية الجميلة والمتنوعة – يُضاف إليها أبنها الثالث – : غوتهولد إفرايم ليسينغ (Gotthold Ephraim Lessing) وهو الذي أدخل كلمة كوزموبوليتية إلى اللغة الألمانية. ونحن مدينون له لمفهوم المواطن العالمي الذي يوجهني اليوم أيضاً، وهو الذي ترأس المكتبة في مدينة فولفنبوتل (Wolfenbüttel) لسنوات عديدة.

إنني مُدرك تماماً ليوم احتفالكم، أنّه مهرجان لجميع سكان ولاية ساكسونيا السفلى. وقصة نجاح ولاياتنا الفيدرالية والجمهورية الفيدرالية بأكملها، لا يمكن فهمها، إلاّ بمجرّد إلقاء نظرةٍ على الوضع في ألمانيا في 1 تشرين الثاني / نوفمبر 1946، ألمانيا: أُذلت، قُصفت، فقدت مصداقيتها أمام جميع العالم وهذا على الأقل يعطي الأمل لتلك البلدان التي يبدو أن وضعها ميؤوساً منه في هذه الأسابيع: نادراً ما يأخذ المستقبل المسار المتوقع ولديه تحولات ومنعطفات لا يمكن تصورها بالنسبة للشرّ، ولكن في بعض الأحيان من أجل الخير. مع كلّ ما كان وما يجب أن يتمّ انتقاده بشأن الجمهورية الفيدرالية، يبدو لي التاريخ الألماني الحديث وكأنه معجزة. لا أعرف ذلك بصورة مجرّدة فحسب، بل أشعر به بعمق في كلّ مرّة أعود من الخارج مع تحقيق صحفي. وأودّ أن أناشدكم، جميعاً وأناشد أطفالنا، وكلّ مواطن جديدٍ أيضاً، ليكونوا على دراية بهذه السعادة. نحن مدينون بذلك على وجه التحديد لأولئك الجنود البريطانيين الذين خاطروا بحياتهم أو حتى فقدوها من أجل تحرير البلدان السابقة براونشفايغ وأولدنبورغ وشومبورغ- ليبا وهانوفر. مهما كانت المقارنات التي يريد المرء إجراؤها، تاريخياً وجغرافياً – فنحن نعيش في بلد جيد.

لمجرد أنّني، كمواطن عالمي، والذي أحاول أن أكونه، فأنا لا أشعر بوجودي بألمانيا فقط، ولذا أودّ أن أختمَ بجملةٍ حزينةٍ إلى حدّ ما، آمل ألاّ تفسد بهجة هذا المهرجان كثيراً. إنها جملة فتاة في الفصل الثالث من مسرحية مينا فون بارنهيلم (Minna von Barnhelm)، التي كتبها ليسينغ في تلك المكتبة الرائعة في فولفينبوتل : «إنه مُحزن جداً، أن تكون سعيداً بمفردك». هذا ينطبق على الناس، ولكنه ينطبق على الشعوب والقارات والإنسانية أيضاً، إذا كنتم ترغبون، لا تسمعوا من هذه الجملة الزفرة فحسب، بل الواجب والمدينة الفاضلة (اليوتوبيا) أيضاَ. «إنه محزن جداً أن تكون سعيداً بمفردك».

ـــ لقد قمنا بتقديم النص كاملاً، ولا نريد هنا التعرض له بصورة نقديّة، فالمقال يناقش قضايا عديدة وشائكة وجدالية، مثل التدخلات الأجنبية وقضيّة تصدير الديمقراطية، والمسؤولية الأخلاقية، ورأيه في طالبان الجديدة، ومقارنته الذكية بين التدخل الغربي عام 1946 في ألمانيا وعام 2001 في أفغانستان، وإنما هدفنا الأساسي من تقديم هذا النص، هو تقديم الكاتب للجمهور العربي، وإظهار بأن أبناء المهاجرين، يملكون المقدرة عن طريق الجهد والمُثابرة أن يتبوؤوا مراكز هامّة ومرموقة ويصبحوا فاعلين في المجتمع الجديد وألاّ يكونَ صوتهم مسموعاً فحسب، بل مؤثراً ومقبولاً من قطّاع كبيرٍ من المواطنين أيضاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق