سياسة

السودان، إيران، سوريا، لبنان، العراق واليمن

أبلغ صور الاستغلال الديني في العصور الحديثة

خالد أبو أحمد

تعيش الأمة العربية والإسلامية في الوقت الراهن حالة من الفوضى الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. إلخ، وذلك بسبب الاستغلال الشنيع للدين الاسلامي الحنيف لتحقيق مآرب ذاتية لكيانات سياسية أو لجماعات أو أشخاص، ذلك لأن الدين يمثل أهمية استراتيجية لدى الانسان في في هذا المحيط الجغرافي، وهذه الخاصية تجعل المرء ينقاد تلقائيا لكل دعوة فيها صبغة دينية، بالنظر إلى مساحة الجهل الواسعة فضلا عن الأمية المعرفية، الأمر الذي أوجد حالة من التطرف في العقود الماضية كبيرة جدا راح ضحيتها الكثير من الأرواح البريئة ليس على مستوى العالم العربي فحسب بل كل بلاد العالم، ومن أبلغ صور الاستغلال الديني ما ورد في التحقيق مع المتشدد المصري عبد الشافي رمضان، أعلن أنه قتل فرج فودة بسبب فتوى الدكتور عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية بقتل المرتد في عام 1986م، فلما سؤل من أي كتبه عرف أنه مرتد، أجاب بأنه لا يقرأ ولا يكتب، ولما سُئل لماذا اختار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب: لنحرق قلب أهله عليه أكثر»، هذا يشير إلى الطريقة التي يتم من خلالها استقطاب الجهلة والفاقد التعليمية والتربوي لتحقيق مآرب سياسية.

إن الجماعات الإسلامية العنيفة تسيطر الآن على المشهد في العراق وسوريا ولبنان (حزب الله) واليمن عبر (الحوثي) الذي هو جزء من المنظومة التي يرعاها ويقودها الحرس الثوري الايراني، بالإضافة إلى (داعش) و(القاعدة) وكذلك في الشمال الافريقي، أما في الدول الافريقية نيجيريا مثالا ودولة مالي نجد (بوكو حرام) و(داعش)  وجماعات أخرى تسيطر على مساحة جغرافية أكبر من بعض الدول الأوروبية، فهناك اشكالية كبيرة في التعامل مع هذه الجماعات ولأنها عنيفة للحد البعيد فلا يوجد غير تعامل السلطات الحكومية في هذه الدول غير السلاح وحربها بلا هوادة، لكن تظل موجودة وتسهم بقدر كبير في استنزاف الموارد المالية والبشرية، وهو هدف من الأهداف الرئيسية لهذه الجماعات.

الفكر السياسي المرتبط بالدين

بالنسبة للسودان فإن الشعب بثورته الظافرة التاريخية التي  شهد عليها العالم قاطبة ضد النظام الإسلاموي، أزالته من الحكم بعد ثلاثة عقود، وما يحدث الآن في إيران منذ سنوات من انتفاضات وثورات شعبية ضد نظام (ولاية الفقيه) نجد أنفسنا في حاجة ماسة لدراسة قضية التطرف في الفكر السياسي المرتبط بالدين، خاصة وأن هناك حقائق مهمة لا يتحدث عنها المفكرون والإعلاميون ولا القادة السياسيون الذين عانت بلادهم من تطرف الإسلاميين (سُنة) كانوا أو (شيعة) هذه الحقائق تتعلق بفشل مشاريع (الدولة) الإسلامية أو (الجمهورية) الإسلامية، بعد عقود من التجريب والفشل الذي أنهك المقومات الاقتصادية الوطنية ودمرها أشد تدمير، بل زادوا عليها بسياسة قتل الخصوم والمختلفين معهم في الرأي والفكر، قتلاً بلا رحمة وأشد تنكيلاً.

إن حركة (الإخوان المسلمين) في مصر والسودان أكثر من 80 عاماً من الحراك وسط الناس، ومشروع الجمهورية (الإسلامية) في إيران أكثر من 70 عاماً من الحراك 40 عاماً منها في السلطة، مشاريع باءت بالفشل الذريع على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هذه المشروعات التي وصلت لمرحلة السلطة لم تطبق أفكارها وأدبياتها التي جاءت من أجلها بل طبقت نماذج حُكم يمكن اعتبارها الأسوأ في تاريخ البشرية جمعاء، فالمشروع الإسلاموي السوداني راح ضحيته أكثر من مليوني قتيل، والآلاف من الجرحى والمعاقين، ومئات الآلاف من المشردين والمُهجّرين والمُهاجرين من البلاد بسبب تعسف السلطات والطرد غير المباشر للكفاءات الوطنية المهمة التي تسهم حالياً في نهضة الكثير من الدول في العالم.

إذا نظرنا بتمعن إلى تجربة إيران والسودان نجد أنها دمرت أكثر مما عمّرت وبنت وأنشأت، وضربت النسيج الاجتماعي في مقتل، وانتشرت في هذه البلاد العنصرية والجهوية والطائفية البغيضة، وفي النموذج السوداني تم تدمير كل البنى التحتية للإنتاج الزراعي والتجاري والصناعي والاقتصادي بشكل عام، كما تم تدمير القطاع المصرفي ومورست فيه كل أشكال الفساد والرعونة والشطط، للدرجة التي يذهب فيها المواطن للمصرف ليسحب من ماله الخاص لا يجد فيه مالاً فيرجع خائباً منكسراً، والمفارقة إن حدث ذلك في كل من السودان وإيران، نفس الأحداث وفي ذات التوقيت خرجت التظاهرات تطالب بتوفير السيولة في المصارف..!!

القرون الوسطى

إلى هذه الدرجة دمرت الفكرة الاسلاموية بلداننا، وهناك الكثير من الحقائق على الأرض يستحي المرء من ذكرها من شدة مفارقتها للمنطق والموضوعية، إن أصحاب المشاريع الإسلاموية بعيدون كثيراً عن واقع البشرية الحالي في تطورها وازدهارها، وإذا جاز لي التعبير عن وصف الزمن الذي تعيش فيه الأفكار أقول إنهم يعيشون في القرون الوسطى، ما يعني أن أفكارهم التدميرية الشيطانية تبعد عن حركة التطور البشري في الوقت الحالي آلاف السنين الضوئية، ومن أبلغ صور هذا البعد الكوني نجده واقعاً الآن في تعامل النظام الإيراني والسوداني (السابق) مع المرأة، وفي السودان على وجه الخصوص والأدلة على ذلك «على قفا من يشيل».!

هناك أرقام صادمة جداً جداً في هذا النموذج وأهمها تقارير التنمية البشرية التي تصدرها منظمة الأمم المتحدة سنوياً، وتقارير الشفافية الدولية والحرية الاقتصادية، إلخ، والمتابع لما يجري في إيران بوسعه أن يعرف كذلك الكثير جداً من الحقائق عن فشل مشروع الجمهورية «الإسلامية» على أرض الواقع، وقد وصل الحال المعيشي درجة فاقت كل التصورات في مستوى الفقر بين المواطنين، ومن زاوية أخرى تظهر صور الفشل لتتجاوز الداخل الإيراني إلى الخارج في العراق مثلاً واليمن ولبنان.. إلخ.

للأسف أمتنا مشغولة بالصراعات السياسية كذلك الإعلامية الأمر الذي خلق تقصيراً كبيراً في مجال الإعلام والفكر بتنوير المجتمعات عن الفظائع التي ارتكبت بتبني الأفكار الاسلاموية، وتأثير هذه الأفكار على ما وصلت إليه الأمة الإسلامية والعربية من تدهور في كافة المجالات، لأن الإرهاب الديني الذي مُورس على البشرية من هذه الجماعات والحركات طال قتل النفس البشرية وتدمير مكونات الأمة، وزرع الخوف في النفوس الأمر الذي أدى إلى ما يعرف الآن بـ «الإسلاموفوبيا».

نموذج فشل التجربة السودانية

دولة الإمارات العربية المتحدة وبكل جرأة هي الدولة الوحيدة التي أدخلت في مناهجها التعليمية والتربوية مقرر يوضح للطلاب أسباب فشل التجربة «الإسلامية» في السودان المتمثل في كتاب (السراب) للدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة الذي اعتمدته وزارة اﻟﺘﺮﺑﻴﺔ واﻟﺘﻌﻠﻴﻢ اﻹﻣﺎراﺗﻴﺔ كمقرر ﻟﻠﻤﺮﺣﻠﺔ اﻟﺜﺎﻧﻮﻳﺔ، وأعتقد أن هذه الخطوة تمثل طفرة في التفكير العلمي تجاه تحمل المسؤولية الوطنية في حماية الأمة من الوقوع في براثن المشاريع الإسلاموية التي لا تريد بأمتنا إلا الدمار.

أعتقد أن محاربة التطرف الإسلاموي بنشر الأخبار وكتابة التقارير حول العمليات الإرهابية التي تحدث هنا وهناك لا تجدي إلا بعمل فكري منظم وإعلامي ومخطط له، بالتركيز على القيم الإسلامية الحقة التي جاء بها الإسلام والتي تدعو إلى الوحدة ونبذ التطرف والعنصرية، وإلى حفظ أمن واستقرار الأوطان، ذلك لأن المشاريع الإسلاموية لا تؤمن بالأوطان وتحسب أن كل العالم هو ميدانها ووطنها، ومن أجل ذلك رأينا التمدد الإسلاموي السوداني والإيراني في الكثير من البلاد العربية والإسلامية والإفريقية، ودفعت في ذلك المليارات من الدولارات من حر أموال الشعوب ومن عرقها ودمها.

إن محاربة هذه الأفكار الضالة تتطلب تعاون مراكز الدراسات والبحوث والمؤسسات الإعلامية والمفكرين، والذين لهم تجارب سابقة مع هذه الجماعات، وذلك بهدف صناعة برامج تلفزيونية وإذاعية وأعمال درامية ومقررات دراسية وهذه الخطوات في مجملها تؤدي إلى الاستقرار الأمني والنفسي والاقتصادي، بل تؤدي بشكل أو آخر إلى تحقيق طفرات تنموية هائلة، بالنظر إلى أن التوترات الأمنية التي خلقتها هذه الجماعات بأفكارها الشاذة قد كلفت الدول الكثير من الميزانيات المالية الضخمة التي كان يمكن توفيرها ووضعها في مشاريع التنمية والأمن الغذائي والمجتمعي وتوفير فرص للكثير من الشباب للدراسة العليا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق