ثقافة وفن

تمثلات جسد آدم وحواء في المخيال الجمعي

أكل التفاحة عرّى سوأة الإنسان وورق التوت كان أول لباس أرضي

عبد العزيز كوكاس

تعكس قصة طرد آدم وحواء من الجنة، بداية اللباس في تاريخ البشرية، اللباس بمفهومه الديني كستر للعورة، التي لم تكن تعني أبدا ما عليه المتخيل العربي والإسلامي اليوم.. في التصور التقليدي لدى عامة المسلمين، فإن آدم وحواء كانا عاريين في الجنة، لم تكن مفاتنهما مستورة، إذ تجسد هنا الجنة.. الحرية والتحرر وعدم وجود العيب والستر والسوأة، وفق هذا التصور المختزن في الذاكرة الجمعية للعامة، لا لباس كان في الجنة، الجسد يكشف عن نفسه بلا خطيئة، بلا تقزز من رؤية الأعضاء الجسدية المكشوفة، لكن ما أن أكل آدم وحواء من الشجرة المنهي عنها بعد أن وسوس لهما الشيطان، حتى سقطا على الأرض وبدت لهما سوآتهما فستراها بورق التوت، الذي سيغدو طعاما لدود القز لينتج الحرير الذي سيصنع منه لباس الملوك وأعزة القوم من ذوي الجاه والسلطة..

التصور التقليدي الذي ترسخ لقرون عديدة في المتخيل الإسلامي حول مفهوم السوءة، يخالف حقيقة ما ورد في القرآن الكريم، الذي يؤكد أن آدم وحواء لم يكونا عراة كما في سورة «طه»، يقول سبحانه تعالى: «ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي، ولم نجد له عزما، وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى، فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى، إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى» (الآيات 115 ـ 118)، وفي سورة «الأعراف» ذكر صريح إلى أن آدم وحواء لم يكونا عاريين، حيث يقول عز وجل: «فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوأتهما وطفقا يقصفان عليهما من ورق الجنة» (الآية 22)، أي أن أكل التفاحة هو سبب العري من اللباس (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما) «الأعراف آية 20»، وفي الآية 27 يقول تعالى: «يا بني آدم لا يفتتنكم الشيطان كما أخرج أبويكما من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما».

إذن وعلى خلاف ما استقر في المتخيل الجمعي للمسلمين، فإن اللباس قطعة من الجنة، وآدم وحواء كانا بلباسهما، وحين أكلا الفاكهة المحرمة سقط عنهما لباسهما وبدت سوءاتهما، وقد اختلف فقهاء الإسلام في شكل ونوع لباس الجنة، إذ يرى بعضهم أن آدم وحواء كانا مكسوان بغطاء شعري وآخرون اعتبروا أن آدم وحواء كانا مستورين بنور رباني، فيما قال الطبري: «انكشفت سوآتهما، لأن الله عراها من الكسوة التي كان كساهما قبل الذنب والخطيئة»، مصداقا لقوله تعالى: «فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى، إن لك ألا تجوع فيها وتعرى»، اللباس ـ كان غطاء شعريا أو نورانيا- أو غيره مما يعلمه الله ـ كان مرتبطا بجسد آدم وحواء حتى أكلا من الشجرة المحرمة، فسقط عنهما وكشف سوآتهما، لكن ما هي السوءة؟

إنها البدن والجسد، وليست بالضرورة المناطق الجنسية من الإنسان، فبعد قتل قابيل لهابيل، بعث الله الغراب ليواري هابيل جثة أخيه ويدفن جسده، كما في الآية 31 من سورة «المائدة»: «فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه، قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين»..  لكن كيف انتقل مفهوم السوأة الذي يعني عموم الجسد لاختزاله في الأعضاء التناسلية للإنسان؟

حصر المتخيل الجمعي الإسلامي السوأة في العورة، أي اختزال البدن في المناطق الفاتنة من الجسد، ومنذ أن وارى قابيل سوأة أخيه، تولد الفكر الذي جعل اللباس دفنا للمناطق المحرمة من الجسد، بعد أن كانت مع آدم وحواء فقط أوراقا للتوت، حيث اتسع منطق التحريم لإخفاء قطع واسعة من البدن البشري، الذي سيصبح بعد النزول إلى الأرض سوءة، أي فتنة، يجب حجبها وإخفاؤها مخافة طرد ما من جنة الأرض أو من عدم العودة إلى جنة السماء، وأصبح اللباس ليس فقط مظهرا طبيعيا يعوض لباس الجنة، ويستر الجسد العاري من البرد وقسوة الطبيعة، في حرها وقرها، ولكن مظهرا للتمييز، وبعدا دينيا وسلطة ثقافية وهوية تحدد الانتماء للنوع والجنس وللطبقات الاجتماعية وللتمايز الديني بين اليهود والمسلمين والمسيحيين وباقي الديانات الأرضية، واكتسى اللباس أبعادا ثقافية ودينية واجتماعية وطبقية أخفت وظيفته الطبيعية الأولى..

فلباس الجنة.. كان نورا أو كسوة، غطاء شعريا أو من جنس الأظفار على اختلاف العلماء المسلمين، كان من جسد آدم وحواء على السواء (سوآتهما)، رديف للطهرانية، للتساوي الجنسي، للنور الإلاهي، والأكل من الشجرة أسقط اللباس، ومعه سقوط آدم وحواء إلى الأرض، حيث سيصبح العري سوءة (شرا وقبحا)، والجسد العاري تذكير بالخطيئة الأولى: سواء كان أكل الفاكهة المحرمة أو قتل قابيل لهابيل، لذلك غدا لباس الأرض بمثابة ستر للجسد المحرم، إخفاء لمناطق الافتتان فيه، وتقسيما جنسيا، وتوصيفا اجتماعيا ودينيا وثقافيا.. وكلما انغلقت الهوية الثقافية للمجتمع الإسلامي، زاد اللباس من وظيفته الرقابية كحجب للفتنة، وستر للسوءة التي تنتقل من الأعضاء التناسلية إلى كل ما يبدو مثيرا في هذه الثقافة أو تلك.. ويعكس لفظ العري في اللغة هذه الدلالات الثقافية المرتبطة بالسوءة: تعرّا.. ظهر سوؤه وسوءته، وإظهار الشر وإلحاق الأذى، والتعري من اللباس إشارة إلى التعري من العقل، فهو دليل الجنون والخروج عن رقابة المجتمع.. لذلك تحاول المجتمعات التي تحمل عقدة الإخصاء الحضاري ستر الجسد، دفن الخطيئة..

لكن كيف انتقل مفهوم السوءة إلى مفهوم العورة؟ إذ العورة بحسب تعدد حقولها المعجمي

تعني الجانب المكشوف الذي يصعب ستره، وإلى هذا المعنى تشير الآية 16 من سورة «الأحزاب»، حيث يقول عز وجل: «ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إنَّ بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلاَّ فراراً»، يقصدون بيوتنا مكشوفة بلا حصن يصد عنها الأعداء، وفي سورة النور، يقول تعالى: «صلاة العشاء ثلاث عورات لكم»(الآية 58)، هنا تشير العورة إلى فترات زمنيّة يكون الإنسان فيها مكشوفاً أمام خصوصيّاته الحميمة، فيما يحيل مفهوم السوءة إلى عموم الجسد والجثة كما في حادثة قتل قابيل لهابيل والغراب الذي علمه مواراة سَوأة أخيه، لتصبح السوءة مرتبطة ببروز الحالة الهابطة في الجسد، وحدوث تحوّل في ماهيّة الجسد لخروج المخاط منه والتعرَّق، ولكلِّ ما يخرج من الجسد من مواد؟

كيف انتقل مفهوم السوءة الذي يعني عموم البدن، والجسد بعد موت الإنسان الذي يصبح معرضا للتفسّخ والتحلل والتعفّن كما وصف في القرآن الكريم، إلى عورة يجب سترها، ولم تم حصر العورة والسوءة في جسد المرأة الذي يعد في المخيال الجمعي للمسلمين رمزا للغواية، منذ حادثة الطرد من الجنة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق