سياسة

سفينة بَوْح

مومياءات السياسة السودانية ...!

هيثم الفضل

مثلنا ومثل الكثير من بلدان العالم الثالث التي تعاني الديكتاتوريات والتسلُّط وطُغيان الحُكَّام على الشعوب ، يُصر (كهولنا) من (المُنكنكشين) على البقاء في السُلطة أو حتى في الصورة ولو عجزت وتضاءلت قدراتهم الفكرية والجسدية و(الأخلاقية) عن الوفاء والدعم أو حتى مجرَّد (التفهٌّم) الواقعي لمطالب هذا الجيل  الاستثنائي في عزيمته وقدرته على الانتصار ، (الجيل الراكب راس) لم يزل يُقارع واقعهُ المرير المليء بالبؤس والتهميش وظلامية المستقبل ، واهمٌ من يعتقد أن عدو شبابنا الباسل  ليس سوى اللجنة الأمنية لنظام الإنقاذ البائد أو فلول الكيزان ومنتفعيهم ، فهم  أيضاً ما زالوا يُقارعون (كهول) السياسة في شتى مجالات الحراك الثوري بدءاً من أحزاب الشيخوخة المُبكِّرة ونهاية بالعديد من التنظيمات والمؤسسات الثورية التي نشأت قُبيل الثورة وبعدها ، جميع أولئك الكهول من الذين يدَّعون الخبرة في مجالات العمل العام ودهاليز السياسة  لم ينجحوا حتى هذه اللحظات في الولوج بشفافية إلى قلوب وعقول شبابنا الذي يضمِّخون شوارع الثورة بدمائهم ، كلما علا نداء الوطن أو أصاب الخفوت نور إيمانهم بمدنية وديموقراطية الدولة السودانية.

رئيس حزب الأمة المٌكلَّف فضل الله برمة ناصر يتساءل عبر صفحات جرائد الإثنين الماضي عن (الأسباب التي دعت شهداء وجرحي ومسحولي مليونية الأحد 19 ديسمبر للخروج إلى الشارع) ، يتساءل بلا حياء  عن مطالبهم المُستحقة والتي يحفظها أعداءهم قبل داعميهم عن ظهر قلب ، ثم يندهش بعد ذلك ديناصورات ومومياءات الفعل السياسي في السودان بعد ذلك عندما يرفضهم الشارع الشبابي الثوري ، لمجرَّد اتساع دائرة عدم الثقة المتبادلة بينهم وبين من يدفعون أرواحهم ثمناً لهذا التغيير ، علينا جميعاً أن ( نُقِر ) بكل ما ينادي به هؤلاء الشباب بكل ما نعتقدهُ فيه من أخطاء وحماسة زائدة وأحياناً (مبالغات) و(مثاليات) وبعضاً من (غياهب المستحيل) ، كما يجب علينا أن نكون من أوائل الداعمين لمثوله في أرض الواقع ،  علينا أن نثق بنظرتهم (المختلفة) للوقائع والأحداث وما يتبع عن ذلك من ردود أفعالهم ، وما يتبَّدى من رؤاهم التي على ما يبدو تجاوزتنا بأمكنة وأزمان جديدة لا نعرف عنها الكثير ، فلماذا لا نكتفي بمراقبة ما يفعلون وما تُسفر عنه رؤيتهم لمستقبلهم ومستقبل بلادهم ، فالمرارات لن يتحمَّلها سواهم والنجاحات هم وحدهم  من سيتمتَّعون بثمارها ، كل المطلوب منا ومن الأحزاب والقوى السياسية والتنظيمات الثورية أن تدعم لجان المقاومة وتدفع بالمؤهَّلين منهم إلى مراكز التأثير الفعلي على القرار ، فضلاً عن الإبقاء على ما يضمن بقاءنا في قائمة (الأسوياء) والمُتمثِّل في الاتفاق معهم على ما لا يمكن أن يقبل اختلافا أو تنازُعاً حول القيَّم والمبادئ المُقدَّسة لثورة ديسمبر المجيدة وفي مقدمتها الحرية والسلام والعدالة ودولة المؤسسات المدنية واستقلال القضاء ووحدة ومهنية الجيش السوداني ، والدفع بإستراتيجية تحقيق التنمية المستدامة.

قدَّر الله …!

أغرب ما يردني من تساؤلات لا أدري إن كانت بريئة أو وراءها شيءٌ في نفس يعقوب والله أعلم بما في القلوب، هو كل استفهام ينتمي إلى شكل ومحتوى السؤال البيزنطي: (وماذا بعد موكب 19 ديسمبر؟) .. الإجابة المنطقية بطبيعة الحال هي الاستعداد بكل حماس وعزيمة وصبر واستعداد للانتصار عبر موكب 25 ديسمبر، لكن طبعاً ما يريدهُ بعض (الأذكياء المُحبطين من تنامي كافة مؤشرات عدم استكانة الشارع) أن يُشيروا إليه من وراء ستار : أن هذه المواكب المتتالية لن تُفضي إلى نتيجة، لأن السلطة والقوة والإمكانيات بيد الانقلابيين، يقصدون بذلك بلا حياء (استضعاف) الشعب السوداني وتقزيمهُ أمام آلات القمع التي طالما جندلها وانتصر عليها على مرَّ تاريخُهُ المُضيء ، هم يتوقَّعون أن هذا الشعب الجسور سيختم يومياته النضالية بهزيمةٍ أمام أضعف وأفشل وأغبى انقلاب يمر على السودان في تاريخه القديم والمعاصر، حتى الهزيمة يا هؤلاء تحتاج من أُمتنا السودانية الباسلة إلى الكثير من الشرف والافتخار والقليل من الحُزن النبيل، فشعبٌ مثل شعبنا لو طرق باب الهزيمة والاستكانة للطغيان (لا قدر الله)، فلن يدلُفها عبر استسلامه لأمثال البرهان وحميدتي والتوم هجو وجبريل وبقية الرويبضة الذين يُراهنون على حُكم شعبٍ قال لاءاته الثلاثة وانصرف إلى ثورته المجيدة مٌستغرقاً في معاركها الساطعة بأروح الشهداء والزاهية بدماء الجرحى و تضحيات المفقودين والمُطاردين والمنفيين في أراضيه الطيبة وخارجها.

نعم هذا ما أستغربه من أسئلتهم واستفساراتهم، أما أسئلتي لهم وليتهم يستغربون، هل تظنون أن الطُغمة الانقلابية الآثمة وبما يحدث الآن في شارع الشرف النضالي قادرة على حكم السودان و فرض سلطتها على شعبه الثائر ؟، هل سيحكم البرهان وحمدوك شعباً يمقتهُم ويهتُف ضدهم آلاء الليل و النهار عبر هذه المليونيات التي لن يُنهيها سوى تحقيق المطالب والحصول على الأماني المستحقة لأولئك الشابات والشباب الذين يجب أن يُقر الجميع بما فيهم قوى الحرية والتغير وتجمع المهنيين وبقية الأحزاب السودانية التي تعاني الشيخوخة المُبكرة بعدم انتمائهم لهم وانتفاء انضوائهم تحت قوائم عضويتهم ؟، وأن ما يحدث الآن مُجرَّد (تحالف مصلحي وتكتيكي) سينتهي أمرهُ بمُجرَّد انقضاء الفترة الانتقالية أو ربما قبل انتهائها، هذا السودان جميعهُ (وبلا مُحاصصة) للشباب الذين خرجوا إلى الشوارع غير مُنقادين ولا مُغيَّبين، ينشدون التغيير بمعناه القيِّمي والأخلاقي والمبدئي تحت سقف دولة مدنية خالصة وتحت شعار (حرية / سلام / عدالة)، لا حزب لهم ولا انتماء لهم على الأقل حتى هذه اللحظات التي ما زالت تخُط أسطرها دماءهم الغالية في صفحاتٍ مُشرِّفة من البسالة والعزيمة والإصرار، أما الانتصار فهو بين أيديهم ولن يكون لغيرهم، ولا مناص ولا سبيل لنا غير السير على خطاهم وخلفهم، هُم باختصار من يملكون تشكيل مستقبل هذه البلاد لأنها لهُم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق