سياسة

جهراً نقولها قبل فوات الأوان!

فضيلي جماع

إن لم ترتبط الكتابة بشجاعة الرأي فلا فائدة ترجى من الكاتب ولا من كلماته. وقديماً قال أبو الطيب المتنبئ:

الرأي قبل شجاعة الشجعان

هو أول وهي المكان الثاني

وكاتب هذه السطور لم يدّع يوماً أنه في مقدمة أهل الرأي في بلادنا، ولم يكتب ما كتب في الشأن الوطني مدعياً بأنه يملك حساً وطنياً أكثر من الآخرين. لكنه يملك الحق الذي يملكه أي مواطن في الحلم بوطن حر نؤسس فيه جميعاً لدولة وطنية ديموقراطية، يرى فيها كل مواطن نفسه حراً أبياً، وله الحق في أن توفر له الدولة الدولة المدنية الديموقراطية العيش الكريم. وعليه مقابل ذلك أداء واجب المواطنة الحقة. وفي هذا الزعم فإن كاتب هذه السطور لم يخرج عن الشعار الذي رفعته الملايين من شعبنا وهي تفجر ثورة من كبريات ثورات تاريخ العالم المعاصر ..شعار: حرية سلام وعدالة !

أوردت وكالة رويترز أمس خبراً مفاده أن رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك بصدد تقديم استقالته من المنصب الرفيع الذي يشغله. وللرجل أكثر من سبب يملي عليه التفكير في خطوة كهذه .. يكفي أن يجلس معك رفاقك في قيادة شئون البلاد السياسية ظرف من أصعب الظروف.. لتتفقوا على صياغة مسودة بيان إطاري خاضع للتوسعة، آملين الخروج بالبلاد من عنق الزجاجة. وإما جاء وقت إذاعة البيان والتوقيع عليه مع قائد الإنقلاب العسكري تفرق رفاقك أيدي سبأ .. لا .. بل انهالت عليك الخناجر والشتائم والتخوين. ورموك بكل قبيح!!

أتساءل أحياناً ويتساءل معي الملايين: من أين أوتي عبد الله حمدوك كل هذا الصبر وكل هذا الاحتمال؟ لكن هذا ليس هو الوقت لطرح هذا السؤال. فالرجل قد يقدم على طرح استقالته في أي وقت. والذين رموا عبد الله حمدوك بأقذع الشتائم، ووصفوه بالخيانة والاتفاق مع العسكر.. هم نفس الناس الذين حشدوا الشارع بالشباب في الذكرى الثالثة لثورة شعبنا قبل أيام قلائل، ليقتحم الثوار بوابة القصر.. وفي اللحظة الحاسمة كان أدعياء التنظير قد تخلوا عن الشباب مثلما تخلوا عن الدكتور حمدوك. لم يفتح الله عليهم بإلقاء بيان يقولون فيه للحشود الجريئة من شبابنا الثائر: ثم ماذا بعد هذا. ذلك لأن السياسة هي فعل الممكن. وهي قبل هذا وذاك امتلاك الرؤية الثاقبة لمجريات الأحداث وقراءتها قراءة واعية قبل الإقدام على أي خطوة تقرر مصير بلد بأكمله. ما حدث في القصر كان الدلالة الواضحة على أن تخوين حمدوك لم يكن أكثر من كيد سياسي قام به من كان صراخهم لفقد المناصب لا البكاء على مصير البلاد.

أختم هذا المقال برسالتين هما الرجاء في وقت تقترب فيه البلاد من حافة الهاوية. الرسالة الأولى أوجهها للغالبية الصامتة من شعبنا الصامد الصابر. أشهد أنا كاتب هذه السطور – وأنا هنا في وطني منذ ثلاثة أشهر ونيف – أنني التقيت لفيفاً من أبناء وبنات شعبنا. التقيتهم في الشوارع وفي الأسواق وأكرمني بالزيارة في نزلي في أحد الأحياء الشعبية بالعاصمة الخرطوم بعض قادة شباب المقاومة. كانت الزيارة في وقت عصيب- إبان أيام الانقلاب سيء السمعة. استمعت إليهم وقلت ما عندي. تبادلت الرسائل بعد رفع القيود عن الإنترنت مع العشرات من أهل الرأي وسواهم. وخلاصة ما وصلت إليه أن الأغلبية الصامتة من شعبنا داخل وخارج البلاد يضعون أيديهم على قلوبهم.. خوفاً على الانزلاق الذي أشار إليه رئيس الوزراء قبل أيام. وما أطلبه من شعبنا هو أن يقفوا خلف رئيس الوزراء، وأن يثنوه عن خطوة ستدخل هذه البلاد في نفق يفضي إلى مصير واحد: عودة دكتاتورية هي أبشع ما يمكن أن يتخيله أي شخص عاقل. وسيندم الجميع حيث لا ساعة مندم. والرسالة موجهة بالدرجة الأولي لشباب الثورة أبطال المقاومة. لا تتركوا حمدوك وحده في الساحة.. كونوا قدر أحلام شعبنا. نريد أن نصد الهجمة الشرسة للقوى المضادة للثورة. يجب ألا نعطيهم الفرصة. لا تمنحوهم فراغاً يسطون عليه بالانقلاب.  أما رسالتي الثانية فأوجهها في كلمات قلائل للأخ الدكتور عبد الله حمدوك، آملا أن تصله قبل أن يقدم على قرار الاستقالة التي ستذهب بريح هذه الثورة: لقد احتملت ما لم يحتمله من جلسوا على سدة حكم هذه البلاد منذ استقلالها. وقدت السفينة حتى الآن في بحر متلاطم الأمواج وبشجاعة وصبر وحنكة وصمت يحسدك عليها كثيرون. لا تدع قيادة بلادك تسقط من يدك في هذه اللحظة الفاصلة في تاريخنا. كن كما عرفك شعبك وادخل التاريخ من أوسع أبوابه بالمضي قدماً في إدارة جهازك التنفيذي. وستجد أن شعبنا معك وأن بعض من يختلفون معك في الرأي هم إلى جوارك يشدون من أزرك. ففي اعتقادي أننا جميعا مطالبون بضم الصفوف في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ بلادنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق