سياسة

أوهام الإنعاش المبكر وإعادة الإعمار في سورية

عمار ديوب

تناول الإعلام مسألة الإنعاش المبكر التي تقدّم بها الدبلوماسيون الأميركيون في آخر صفقةٍ لتمديد المساعدات الإنسانية إلى الداخل السوري عبر تركيا (من خلال إدلب)، وكأنّها سياسة أميركية جديدة، تقرّ للروس بمساراتهم “أستانة، سوتشي، اللجنة الدستورية”. استُنتجَ عن الخطوة السابقة، أن تطبيع النظام السوري جارٍ مع الدول العربية، وهناك من أشار إلى أن قطار التطبيع وصل إلى أوروبا، انطلاقاً من اليونان وقبرص، وبعض دول أوربا الشرقية سابقاً، وأُكمِل هذا الحديث بعدم رفض أميركا لخط الغاز والكهرباء المارّ من سورية إلى لبنان.

بُنيت على الأفكار السابقة عماراتٌ سياسيةُ شاهقة؛ فقطاعات من المعارضة اعتبرت أن أميركا وأوروبا، بل وتركيا والخليج خانتها، وعكس ذلك، اعتَبر النظام وممانعوه المقاومون أن التطبيع الدولي معه، قاب قوسين أو أدنى. كل تلك الاستنتاجات وهمية بالكامل، وهي لا تَقرأ السياسة تعبيرا واسعا عن المصالح الكبرى للدول.

اقتراح الساسة الأميركان للإنعاش المبكر جاء بسياق تقريب روسيا من السياسة الأميركية، وبالإطار ذاته كل أشكال التنسيق بين أميركا وروسيا بخصوص سورية. عطفاً على الفكرة السابقة، كرّر الساسة، الأميركان والأوروبيون خصوصا، وأخيرا نصت مخرجات القمة الخليجية في الرياض على الأمر ذاته، أن لا تطبيع مع النظام السوري، والمدخل نحو ذلك، تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 والمبنى على بيان جنيف1 والقرارات الدولية ذات الصلة، وبالتالي كل الخطوات التكتيكية، ومنها الإنعاش المبكر وملحقاته، بخصوص الصحة والمياه والصرف الصحي والتعليم، لن تُطبّق إلا بإطار التنسيق مع الروس، وسياسة الخطوة مقابل خطوة، سياسةً يتجاهلها الروس، ويرفضها النظام وحليفه الإيراني.

حين طُرحت سياسة الإنعاش المبكر، كانت أميركا ما تزال متأرجحةً بخصوص البقاء في سورية، ولكنها، وإثر الانتقادات العالمية الواسعة، ومن داخل الإدارة الأميركية، لطريقة الانسحاب من أفغانستان، قرّرت تلك الإدارة البقاء، ودعمت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بشكلٍ أوسع، وتراجعت العلاقات مع روسيا لاحقاً، والآن هي بأعلى أشكال التوتر بسبب الأزمة الأوكرانية. بيان القمة الخليجية، وكلمة المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة، عبد الله المعلمي المتشدّدة ضد النظام السوري، وتصريحات الساسة السعوديين والقطريين تأتي في إطار الرفض المستمر لتعويم النظام. الاتحاد الأوربي، يتكلم بالإطار ذاته، أي لا تعويم للنظام قبل تطبيق القرارات الدولية. جملة السياسات هذه تؤكد ضرورة عدم المبالغة بنتائج المحور الإماراتي تجاه النظام، أو بنتائج انفتاح تركيا نحو مصر والإمارات، وبالطبع لن تقبل تركيا العودة إلى اتفاقية أضنة. هناك أيضاً التصعيد الكبير بين إسرائيل وإيران، واحتمال فشل المفاوضات النووية، وهذه مسائل تصبُّ في إضعاف فكرة التطبيع مع النظام السوري.

لا يعني التحليل أعلاه أن النظام سيشهد حصاراً أكبر، أو ستزداد العقوبات عليه، كما هي استنتاجات الممانعين مثلاً؛ لا، السياسة الأميركية لن تتراجع عن سياسة الخطوة خطوة أو الإنعاش المبكر، ولكنها لا تذهب بعيداً فيها. وبالطبع، ليست هناك أيّة أفكار تتعلق بإعادة الإعمار. من أكبر الأوهام مساواة سياسة الإنعاش المبكر بإعادة الإعمار، أو أن الأولى تُعبّد الطريق نحو الثانية. إذاً، ليس هناك أيّة مخططاتٍ دوليّةٍ نحو ذلك، ومن الخطأ الكبير بناء السياسات والاستراتيجيات انطلاقاً من فكرة الإنعاش أو الإعمار.

قبل الإنعاش المبكر، فشلت روسيا بشكلٍ كاملٍ في إقناع الإدارة الأميركية للانخراط بمسار أستانة أو اللجنة الدستورية، وتتالت فصول المسارات السمجة تلك، ولكنها ليست بديلاً أبداً عن القرارات الدولية؛ تراقب إدارة بايدن تلك المسارات واللقاءات، ولكنها تعمل بتنسيقٍ خاصٍّ مع الروس؛ نراه تارة عبر لقاءات بين الرئيسين بايدن وبوتين، أو من خلال لقاءات دبلوماسيي البلدين في هذه الدولة أو تلك. التنسيق الأميركي الروسي هو الأساس في فهم العلاقة بين الروس والأميركان بما يخصّ سورية، وتفيد نتائج الاتفاقات والاختلافات بينهما أنه ليس من صفقةٍ سياسيةٍ قريبة بخصوص سورية. يحلّل بعضهم أن روسيا ستُوقف حربها ضد أوكرانيا قبالة التسليم الكامل لها في سورية؛ هذا التحليل ليس سليماً بدوره؛ فروسيا لا يمكن أن تعقد صفقةً تتناول مجالها الإقليمي، وها هي تواصل الحديث عن ضرورة التوصل إلى توافقاتٍ أمنيةٍ مع الأميركان وحلف شمال الأطلسي. بعكس الرائج، وأن روسيا دولة “إقليمية”، وعليها أن تعود إلى حدودها، إنَّ لديها سياسة عالمية، تشمل استعادة دورها الإقليمي والعالمي، كما كان الاتحاد السوفيبتي، وبالتالي لن تفاوض على أوكرانيا، وبخصوص سورية أيضاً ستستمر بمساراتها. قوة أميركا، وسعة التدخل التركي والإيراني والإسرائيلي بالشأن السوري، تُقيّد السياسة الروسية، وتمنعها بشكلٍ حاسم من إعادة تعويم النظام، وبالتالي، لن تجد روسيا أمامها إلّا ما تتجاهله، وهو تدوير الزوايا مع الأميركان، وهو ما تقدّمه الأخيرة لها عبر أفكار الإنعاش المبكر.

مشكلة روسيا تكمن في العقوبات الاقتصادية الكبيرة التي تفرضها عليها أوروبا وأميركا، وتلوّح بأشد منها أيضًا حاليّاً، وهناك التردّي الشديد الذي تعيشه مناطق سيطرة النظام، وصلابة مواقف الأخير تجاه الشعب، وزيادة الضرائب عليه، وبالتالي، ومع تعفن الحياة بتلك المناطق، قد نشهد انفجاراتٍ اجتماعيةً كبيرة، وهذا ما تخافه روسيا، ويمكن مراقبة الوضع غير المستقر في مدينة درعا، ليتوضح عمق تلك الأزمة؛ روسيا مضطرة إذاً للاستجابة إلى سياسة الخطوة خطوة.

ليست أموال الإنعاش المبكّر كثيرة، والتقارير تؤكّد أن الأموال الداعمة للمساعدات الإنسانية في تناقصٍ مستمر، فبأيّة أموالٍ سيتم تطبيق ذلك الإنعاش؟ إذاً هي خطوة تتقدّم بها أميركا للبحث عن صفقة مع الروس، ليتقدّموا بخطواتٍ جديدة نحو “حلحلة” الوضع السوري، وليس من ضمنها مسألة تعويم النظام، أو إلغاء العقوبات وقانون قيصر عنه أو الانسحاب من سورية.

التحليل أعلاه، لا تقرأه المعارضة السورية جيداً. لقد زار رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، سالم المسلط، أخيرا، المناطق الخاضعة للحكومة التركية، وعقد لقاءات كثيرة مع قادة الفصائل، ولكنها لم تحمل استراتيجية جديدة لتلك المناطق ولكل سورية، وبالتالي هي محض تعارفٍ وتشكيل صداقاتٍ جديدةٍ مع المسيطرين على الأرض. وضع المعارضة هذا يقول بإفلاسها الكامل، وعدم فهمها التغيرات الدولية والإقليمية، وهنا يصبح من الضرورة البحث عن معارضةٍ جديدة، وهو ما يتم تداوله أخيرا.

إذاً، ليس من إنعاشٍ حقيقيٍّ للبنية التحتية لدى النظام، و”قسد” عادت إلى تشدّدها معه. وأخيرا، أعطت أميركا لها مصفاةً لتكرير النفط، وستستغني كثيراً عن مصافي النظام! وهناك التأزم الشديد بين روسيا وأميركا وحلف شمال الأطلسي بخصوص أوكرانيا. وفي حال فشلت المفاوضات النووية، قد تنفتح الاحتمالات نحو صفقةٍ معينةٍ مع الروس بخصوص سورية وعزل إيران، ولكن ذلك لا يمكن تحقيقه انطلاقاً من مسارات أستانة أو اللجنة الدستورية، بل عبر لقاءات روسية أميركية، جاريةٍ هنا وهناك، وإن لم تصل بعد إلى سلّة متكاملة حولها، وهذا يعتمد على معطياتٍ جديدة؛ إقليمياً ودولياً.

(نقلًا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق