سياسة

معارك السودانيين مع الظلمة المستبدين …

خالد أبو أحمد

أدرك أن الجميع في السودان منشغل هذه الأيام بأهم معركة وطنية يخوضها شعبنا ضد أعدائه أعداء التقدم والإزدهار، وقد قدم شعبنا العزيز في هذه المعارك ارتالا من الشهداء، شباب مثل الورد أجمل ما قدمه الحلم السودان لتحقيق حلمه في قيام دولة مدنية، تستمر المواجهات مع ذلك العدو الذي وصفه الشاعر التونسي ابوالقاسم الشابي في قصيدة الذائعة الصيت ” ألا أيها الظالم المستبد حبيب الظلام عدو الحياه”، فعلا هو عدو للحياة كفه مخضبة بدماء الشعب، فلا زال يقتل ويٌنكل ويحرق ويكذب أمام الأشهاد، لكنني منشغل أيضا بل مهموم بتعرية الفكر الذي أجرم في حق بلادنا العزيزة وقد تابع القارئ الكريم أن كتاباتي منذ أكثر من عقدين لم تخرج عن هذا الهدف اعتقادي مني بأن تعرية هذا الفكر وتنوير الشباب والناشئة بخطورته من أهم الأعباء التي من المفترض أن يقوم بها الكُتاب بالتوازي مع العمل الميداني، فحري بنا أن نتناول هذه (المدرسة) مدرسة الفكر الاسلاموي إذا جاز لنا التعبير، ومخرجاتها، ونقارن بينها ومدرسة الشعب السوداني ومخرجاتها أيضا.

كل الدلائل الموجودة في حياتنا اليوم تقول أن مدرسة الاسلامويون قد أفسدت الحياة العامة في بلادنا بشكل لا يمكن التعبير عنه بالحديث، وهو متجسد بوضوح شديد أخلاقيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وفي كل جوانب حياتنا لذلك من الصعب جدا معالجة هذه الإشكالات في الوقت القريب لأنها أفعال 30 عاما، لا يمكن محوها بين يوم وليلة، إذا ضربنا مثلا بإفرازات الأطفا مجهولي الوالدين في السودان الذين يشار إليهم بـ(أطفال المايقوما) نجد بأن هذه القضية ستلازمنا عقودا من الزمان لأنها قضية إنسانية في المقام الأول يزداد تأثيرها كل ما تقدم بنا العمر، لأن البشر ناتج هذه الحالة يكبرون ثم يفكرون في الزواج وفي هذه المرحلة تتعقد الأمور، الشي الذي يوجد الكثير من الإشكالات التي تحتاج لحلول جذرية حتى يعيش هؤلاء في أمن واستقرار نفسي.

أما عن مخرجات المجال الاقتصادي هو ظاهر في وضعنا المعيشي الراهن، لدينا كل ما من شأنه أن يرتقي بالسودان ويرفعها إلى مراتب الدول المتقدمة، وفي الثلاث عقود الماضية كان ممكنا حدوث ذلك، وقد توفرت له كل عناصر النجاح، وإذا تركنا أمر البترول جانبا وما يمكن ان يحققه من نقلة حضارية كبيرة، فإن كمية المياه التي تتوافر لدينا في كل عام تفيض حتى تحدث الاضرار الجسيمة، وأراضي شاسعة بلا حد، لكن عباقرة الكذب طيلة فترة حكمهم لم يستفيدوا من هذه الثروات، لم تحدثهم انفسهم بأن يطوروا هذا القطاع بل العكس ما وجدوه قاموا بتعطيله ثم بيعه بالخسارة.

وهل وقفوا عند ذلك الحد..؟.. بعد ذلك أخرجوا المئات من المشاريع والشركات والمؤسسات والهيئات من مظلة دعم الخزانة العامة، وأصبحت بلادنا تعيش على التسول والهبات والاعانات بلا انتاج، بينما قام أرباب هذه المدرسة اللعينة بتحويل أموال الشعب إلى البنوك الأجنبية واشتروا بها القصور والفنادق والمنتجعات في ماليزيا ودبي وضاربوا بها في الأسواق المالية الخارجية.

وعن الدبلوماسية حدث ولا حرج، إذ كانت البعثات الخارجية من أكثر العناصر التي اضاعت المال العام في الصرف على سفارات ليس ذات جدوى وعلى (دبلوماسيين) ليسوا أصحاب كفاءة، أصلا لم يقدموا أي خدمة للوطن، كانوا في سفرات سياحة طويلة انشغلوا بخدمة مآربهم الذاتية وخدمة أهلهم واقاربهم، وفي هذه اللحظة نذكر المرحوم الأخ الوطني الغيور الأستاذ سالم محمد سالم الذي تخصص في نشر ملفات فساد وزارة الخارجية في الدول الأوربية حيث كان يقيم في فرنسا، وكان ينشر بألم ووجعة عن تبديد السفارات هناك لأموال الشعب السوداني.

كانت المواقع الأخبارية السودانية قد نشر قبل حوالي 10 سنوات عددا من ملفات الفساد بالوثائق التي تثبت بالدليل القاطع فساد هذه المؤسسة وكيف أن (دبلوماسي) هذه المدرسة قد جنوا على بلادنا وأهلها وسمعتها، عندما باعوا بيوت السودان في عدد من الدول الاوربية، وحولوا الأموال إلى حساباتهم الشخصية، بينما يعاني الشعب من الفقر والجوع والمرض وانعدام الخدمات.

اختصارا لمخرجات مدرسة الاسلامويون نقول انها خلقت بشرا بلا ضمير وبلا إحساس، وأوجدت بشرا بلا إنسانية متجردين من كل وازع ديني وأخلاقي كأنهم لم يُولدوا من أرحام سودانية، وهنا نتذكر بألم شديد اليوم الذي تم فيه إعدام شهداء رمضان عندما اعترض ثلة من أسرهم على مقتل أبنائهم بتلك الطريقة البشعة، كان أفراد جهاز الأمن يضربون أمهات وآباء الضحايا كبار السن، ويركلونهم بأرجلهم ثم اعتقالهم بطريقة مزرية، هذه الأفعال لا يمارسها إلا من خبث أصله..!.

المدرسة هذه أوجدت أشخاصا صدورهم مليئة بالكراهية ضد كل من يختلف معهم في الفكر والرأي، أشربوهم الكذب ونقض العهود وخيانة الأمانة والسرقة والاستيلاء على حقوق الآخرين، وأكل أسرهم للمال الحرام، ولي في ذلك الكثير من الأدلة والشواهد التي عشتها بنفسي في السابق والحاضر.

الشعوذة والتعامل مع الجن..!!.

نموذج آخر من هذه المدرسة بأي حال من الأحوال هو نموذج غريب وعجيب، أثناء عملي مع أحد قادة هذه المدرسة السوداء اكتشفت أن الرجل على علاقة بمشعوذ يُطلق عليه (الدكتور) وهذا الدكتور المزعوم، يتم استخدامه في أمور تتضارب كليا مع ديننا الإسلامي الحنيف، وهو معروف لدى كبار ضباط القيادة العامة، يقود سيارة لاندكروزر أهداها له اللواء محمد أحمد الدابي رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك، ويدخل بها أي مكان يريده هذا (الدكتور) وهو معروف لدى القائمين على التنظيم الحاكم.

وكنت استغرب جدا وجود هذا الشخص وتدخله في خصوصيات أسرة هذا القيادي الزعيم الكبير في التنظيم الحاكم، وذات مرة سألت أحد الإخوة عن طبيعة عمل هذا الرجل فقال لي أن (الدكتور) المزعوم له علاقة بـ (الجن)، ويُستخدم بهدف معرفة مخططات جيش الحركة الشعبية في المحاور العسكرية بمناطق القتال المختلفة بجنوب السودان (قبل الانفصال)، والغريب الذي حيرني أن قوات الحركة الشعبية في ذلك الوقت كانت في حالة تقدم واستحواذ على مناطق كثيرة، هولاء لم تنفع شعوذتهم، لبعدهم عن الله سبحانه وتعالى الذي أعمى بصيرتهم تماماً بسبب انشغالهم الدائم بالدنيا وملذاتها.

قوة عين عجيبة

حتى في دول الخليج لم يفارقنا نموذج مدرسة الاسلامويين بكل منهاجها وكذبها وفنونها في التمثيل والظهور بمظهر الدعاة، فإن اثنين من فكر ومنهج هذه المدرسة أوتمنا على فرع مؤسسة خيرية نهبا أموال مشاريعها التي التزما بتنفيذها في السودان وفي بعض الدول الأفريقية، الأول مكث في فرع هذه المؤسسة قرابة 20 عاما، وبقوة عين عجيبة جدا حوّل أموال هذه المؤسسة إلى حسابه الشخصي ودخل بها في تجارة خاصة ولم يشعر أبدا بأي حرج فيما فعل، وبعد شكوى وصلت إلى الرئاسة في الخرطوم تم رفده، لكن لم تتم محاسبته والآن يمارس التجارة..!!.

ثم جاء الثاني فقام بفضح كل ممارسات زميله الأول، وكيف أنه سرق أموال المشاريع ودخل بها في أعمال تجاربة، وبعد أن تيقن الرجل (الثاني) أن رئاسة المؤسسة في الخرطوم لا تحاسب الفاسد وأموال الخيرين الخليجيين فيها سائب، مارس نفس الألاعيب والسرقة وأكل المال الحرام، حتى فاحت ريحة فساده وأصبحت حديث أهل البلد، وشخصيا تأذيت بدرجة كبيرة من فضائح الرجل نسبة لعلاقاتي بمن يهمهم الأمر.

مدرسة الشعب السوداني

أما إذا تطرقنا إلى مدرسة الشعب السوداني ومخرجاتها فإننا بكل الفخر والاعتزاز والاجلال نتحدث عن نماذج حية تعيش بيننا، والمتمثلة في الكفاءات السودانية في الداخل بكل المؤسسات والهيئات والقطاع العام عموما، وكذلك في كل بلاد العالم المترامي الأطراف، وفي دول الخليج العربي حيث أقيم، في صدقهم وامانتهم وكفاءتهم وسمعتهم والتزامهم الديني والأخلاقي والمهني، غالبيتهم من مخرجات مدرسة الشعب السوداني ولأنهم من مدرسة مغايرة لتلك المدرسة اللعينة تم ابعادهم من السودان والتضيّيق عليهم والكثير منهم تم اجبارهم عنوة للخروج من البلاد، حتى يخلو لأفراد العصابة الجو ويجدوا راحتهم في ممارسة فسادهم.

وفي مملكة البحرين التي أعش فيها زهاء العشرين عاما بين منتسبي المدرستين فإن نتاج مدرسة الشعب السوداني كانوا هم الأكثر حضورا في المشهد، الجميع يعرف ما يتحلون به من مكارم للاخلاق ومن شعور بالمسؤولية، وكفاءة لها صيتها بين الناس، فيهم القانوني الضليع ورجل الأعمال الناجح، وفيهم كبار القضاة وكبار المستشارين، وفيهم الطبيب والعالم الباحث المشهور، وبينهم العسكريين الذين يتحلون بالأمانة والنزاهة والشرف الأوفياء للعهود، والمهندسون والبياطرة وكل الشرائح المهنية، ناشرين للقيم الجميلة العميقة في تأثيرها على الاخرين، وبفضل الله عكسوا الصورة الجميلة والزاهية للانسان المتخرج من مدرسة الشعب السوداني، وهولاء هم الذين قال فيهم اسماعين حسن:

يكفكفوا دمعة المفجوع

يحبوا الدار

يموتو عشان حقوق الجار

يخوضو النار عشان فد دمعة

كيف الحال لو شافوها سايلة دموع

ديل أهلي.. ديل أهلي

يبدو الغير علي زاتم

يقسموا اللقمة بيناتم

يدو الزاد حتى ان كان مصيرم جوع

ديل اهلي البقيف في الدارة وسط الدارة واتنبر كل الدنيا ديل اهلي

عرب ممزوجة بي دم الزنوج الحارة

ديل قبيلتي لمن ادور افصل ديل فصلي

اصحاب روحي والاحساس وسافر في بحار شوقم زمان عقلي

اقول بعضي الاقيهم تسربو في مسارب الروح

بقو كُلي

محل قبلت ألقاهم معاي معاي زي ضلي

وكان ما جيت من زي ديل واسفاي وا ماساتي وا زّلي

تصور كيف يكون الحال لو ما كنت سوداني

وأهل الحارة ما أهلي

أسباب النجاح والفشل..!!.

أعتقد عزيزي القاري أن هناك سؤالا ربما يطرح نفسه، وهو لماذا نجحت تربية ومناهج مدرسة الشعب السوداني، فيما فشلت تربية ومناهج مدرسة الاسلاموييين..؟!.

لا يساورني شك ألبتة أن التربية الصوفية القديمة للشعب السوداني هي السبب الحقيقي في تمسك أهل السودان بأخلاقهم وعفتهم وشرفهم وأمانتهم وصدقهم، وكرمهم وقد تجذرت فيهم هذه القيم لذلك كان السوداني أين ما حل به المقام هو سفير لبلاده حتى الآن ولم تتغير هذه القيم ولم تتبدل.

أما لماذا فشلت تربية ومناهج مدرسة الاسلاموييين..؟، أقول لأنها تتصادم مع الفطرة السليمة التي خلقنا بها الخالق العظيم سبحانه وتعالى، لذلك أي انسان سوي سليم الفطرة لا يستطيع العيش في ظل هذه الجماعة في معمعمة الفساد الذي يزكم الأنوف، والتعالي على الآخرين، وظلم العباد الذين لا تتاح لهم الفرصة لمقاضاة الظلمة، وعدم المخافة من رب العالمين إزاء ما يفعلونه من ممارسات لا تليق بمن يدعي الحرص على الإسلام والدفاع عن الدين، وقد فشلوا في استقطاب غالبية الشعب السوداني، برغم المحاولات البائسة التي استمرت سنوات طويلة، ولم يتبعهم في سلوكهم وممارساتهم إلا أصحاب الضمائر الخربة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق