ثقافة وفن

ريشة متفرّدة ولحن ينساب يُبلسِمُ الأرواح

التشكيليّة د. عزاز الشيخ بين الطب والفنون

د. محمد بدوي مصطفى

رأى مولدها النور في مدينة سنجة بالسودان في سنة ١٩٩٠. درست الطب وتعمل كطبيبة عمومية بسلطنة عمان. تهيم سابحة، واثقة ودؤوبة لتضمد القلوب والنفوس بالطب والفن على حد سواء، وكلامها سيّان بلسمة النفوس الجريحة. نحن يا سادتي أمام تشكيليّة متفردة، عالمية الريشة والوعي، فهي دون مغالاة متعددة التخصصات والألوان، متباينة الهوايات، نجدها شغوفة بالأدب والشعر، بالعلوم والمعارف. لقد بدأت د. عزاز تلك الرحلة المثيرة على براق الشوق والتشبث بماهية الكون، عندما أهدتها جارة لها ملحمة الطيب صالح الأدبية، موسم الهجرة إلى الشمال، فانطلقت بعدها لا تلوي على شيء إلا وتنهم كل ما خطّه يراع هذا الأديب، ثم ذهبت إلى أبعد من ذلك لتهتم بأدب عميد الأدب، طه حسين، في أيّامه الخالدة وتناجي عملاق الأدب العربيّ نجيب محفوظ في ثلاثيته البديعة، قصر الشوق، والسكرية وبين القصرين، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. كان حلم طفولتها وصباها أن يكون لها مكتبة عصماء وهي لا تزال ترفل في ترهات الحياة في ربيعها البض، نعم، حلمت ولا تزال بتلك الخزانة المكتظة بالكتب، المتناثرة هنا وهناك، وأن تنهم دون لأي كل ما في جنباتها من علم ومعرفة. تعلمت ما تعلمت منها، وحفظت شعر محمود درويش، شاعر فلسطين، ومن قبل قصائد إدريس جماع ومبارك المغربي ويوسف مصطفي التنيّ من شعراء السودان الأكابر، وكانت مسكونة بقصائدهم التي بنت بدواخلها بيتًا وخيمة. من بعد وفي تلك الرحلة البديعة أصابها المسّ والهوس – على حد قولها – بالراوي القاص الجزائري واسيني الأعرج، فقرأت كل ما كتبه، وبعدها شرعت لا تلوي على شيء إلا وتدون مذكراتها الأدبية وسيأتي يوم سيسمع الناس عن تلك الطبيبة التشكيلية والأديبة د. عزاز الشيخ.

شُغِفت بالرسم والفن منذ نعومة أظافرها، والفضل يعود أولًا وأخيرًا إلى معلمها وشيخها الأستاذ النجومي، الذي كان يدرّس مادة الفنون بجامعة سنّار بكلية التربية. لم تنتظم بالجامعة بطبيعة الحال في تلك السن المبكرة لكنها كانت تصاحب والدتها الطالبة وتنهل من العلوم دون أن تدرك والدتها ذلك الأثر في نفس الطفلة. عشقت معارض الفن ووجدت سلوتها في صحنها، ومنذ تلك اللحظة بدأت جذوة الشغف بالفن والتشكيل تضطرم في جنباتها. وعندما بدأت تدون وترسم ما بدواخلها أبدى أستاذها النجومي أعجابًا منقطع النظير وما كان منه إلا أن يجعل من لوحات تلك الطفلة جزءًا لا يتجزأ من المعارض الفنيّة التي كان يقوم عليها مما دفعها إلى الاجتهاد والتفاني في هذا المجال أكثر وأكثر وأطلقت العنان للريح!

رحلت بعدها إلى الخرطوم من أجل الدراسة واندمجت بسلاسة وسهولة في مجتمعات الرسامين والتشكيليين فيها. وصارت تشاركهم فنونهم وتحضر معارضهم وتتوسط ندواتهم فضلًا عن الصداقات الحرفية والإنسانية والحوارات المستفيضة معهم والتي أدت بدورها إلى تطوير موهبتها وصقلها، فكانت بمثابة تغذية بصرية وخبرات متراكمة أودعت بين يديها ممن أبدعوا في مجال الفن التشكيلي.

شاركت في عام ٢٠١٤ في معرض “أنا هاوي” بتشجيع من أصدقائها التشكيليين. ومن بعد شاركت في معارض أخرى منها ببابا كوستا وكان هاهنا معرضها الخاص في سنة ٢٠١٧. استضاف الاستاذ عمر الفضل معرضها في نفس العام، بين بوتقة من الأصدقاء من رسامين، وتشكيليين وشعراء ومغنين، كان لهم الفضل في نجاح ذلك المعرض. بعدها انضمت إلى مجموعة “قلرينا” التي كانت تحتوي الهواة من الرسامين. وشاركت في عدة معارض جماعية وقتها، إلى أن انقطعت عن هذا العالم المحفوف بالرسم والورش والأصدقاء في 2019 لتنخرط في ممارسة مهنة الطب في دولة عمان. إذ كانت لظروف العمل الضاغطة دورا كبيرا في ابتعادها عن الألوان والفن والتشكيل التي تحتاج حتمًا لجلسات خاصة، ذات طابع ملائم بالحالة الفنية. فانحت منحى آخر، ليتطور أسلوبها في استخدام أقلام الخط، نظرا لسرعة انجاز اللوحة بين ساعات العمل المضنية، ووجدت في هذا الأسلوب الجديد شخصيتها المتفردة، فهو لون مختلف من الرسومات، تعكس جزءً من تفاصيلها وروحها بتفرد طالما بحثت عنه لتترك ركب الآخرين جانبا. ولعلها دائما ما كانت تسعى أن تجد لونا فنيا يميزها عن غيرها وعن الفن الذي يمتطي صهوته الغالبية العظمى من التشكيليين. فكانت ردود الأفعال تجاه اللون الجديد الذي انتهجته تارة غريبة، وكأنما ترعب الناظر رسوماتي، بيد أن البعض الآخر كان يندهش لها، وما كان يعنيها وقتئذ ليس اندهاش الآخرين بقدر ما يعنيها تفريغ حالة معينة تعيشها داخل هذا العالم الروحاني؛ تهضم آهات ومرارات الغربة من خلاله، وكأن لكل هذه التداعيات تأثيرًا كبيرًا في ظهور هذا اللون من الرسم، المشاعر والأحاسيس المتمازجة والمتخبطة التي عاشتها والتي استطاعت أن تكون في هذه الفترة النتيجة الحتمية لهذه التجارب المتراكمة والمتباينة. د. عزاز الشيخ لا تخاف الصعوبات والعقبات اليوميّة التي تواجهها هنا وهناك فهي على علم وإدراك تام، كيف تتعامل معها بورقة ويراع. وهكذا هي، الفنانة المتفردة، الطبية الفذة والأديبة الفريدة، تهزم الحياة بكل إصرار وتجابه المجهول بكل ثبات لتعبر المسافات الطويلة فقط بلوحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق