سياسة

ضفاف

التصوف والشخصية السودانية

عاصم فقيري

التصوف في السودان قديم جدا وبتتبع تاريخ المجتمعات والشعوب السودانية نجد في الارث الثقافي لشعوب السودان ثقافة التصوف متوارثة وقد تكون منذ قبل الممالك المسيحية.

أنا هنا لا أتحدث عن الطرق الصوفية بل أعني التصوف إطلاقا Sufism حيث أن ما هو متاح في المنشورات المتعلقة بالتصوف في السودان تقول إن الطريقة القادرية هي أقدم الطرق الصوفية دخولاً للسودان سنة 985هـ /1577م، ويعد الشيخ تاج الدين البيهاري هو المؤسس، وظهر بعد ذلك من شيوخها الشيخ عبدالله العركي والشيخ الجعلي والشيخ دفع الله الصائم ديمه، كما أظهرت الدراسة أيضاً أن الطريقة الرفاعية بمنهجها المعروف والمنتشر في بقاع العالم الإسلامي.

الا ان التصوف بمفهومه الكبير وثقافته، هذا ما سأتطرق له هنا من حيث طبيعة الشخصية السودانية.

التصوف بصورة عامة يعني الزهد والتأدب مع الخلق والخالق والاهتمام بالجوانب الروحانية.

وفي المسيحية أيضا هناك تصوف، يعود التصوف المسيحي إلى القرون الميلادية الخمسة الأولى، عندما ظهرت مجموعة من الروحانيين المسيحيين ذكرهم التاريخ المسيحي بعد ذلك على أنهم معلمو اللاهوت الروحي وهم أوريجانوس، وانطونيوس وباسيليوس الكبير، وغريغوريوس، وأمبروز وأوغسطينوس. هؤلاء بعض من هم أصحاب أغلب نصوص العبادة اللاهوتية والشروحات الروحية، وهم أول من بدأ التصوف المسيحي من خلال القراءة الروحية والتأويل الرمزي والمجازي للنص المقدس.

شهدت العصور الوسطى ازدهارا للتصوف المسيحي والتنظير الموافق له رافقه ازدهار الرهبانيات الجديدة في العالم المسيحي، مع شخصيات بارزة مثل هايد غارد بنجين وبرنارد من كليرفو، تطوّر في العصور الوسطى التصوف الألماني بشكل خاص على يد الدومينيكان تتوج مع اللاهوت الصوفي ومن أبرز منظريه ميستر إكهرت. في عصر النهضة خلال الإصلاح الكاثوليكي أو الإحياء الكاثوليكي ازدهر التصوف الإسباني رافقه كتابات حول التصوف المسيحي، وتعتبر هذه الفترة عصر النهضة الأدبية للتصوف في التقاليد والثقافة الكاثوليكية. أبرز أعلام هذه الفترة القديسة تريزا الأفيلية، القديس يوحنا الصليب وفرنسيس بورجيا  واغناتيوس دي لويلا. كما وتعد أديرة جبل آثوز من مراكز التصوف المسيحي الشرقي.

وطالما أن في السودان كانت هناك ممالك مسيحية عليه يكون التصوف موجودا حينها مسيحيا قبل أن يكون إسلاميا!

عبر عصور مختلفة من التاريخ اليهودي . من بين هؤلاء، يعتبر الكابالا، الذي ظهر في أوروبا في القرن الثاني عشر، الشكل الأكثر شهرة، ولكنه ليس الشكل الوحيد، أو الشكل الأقدم للظهور. من بين الأشكال السابقة كان تصوف Merkabah (حوالي 100 قبل الميلاد – 1000 بعد الميلاد)، و Ashkenazi Hasidim (أوائل القرن الثالث عشر الميلادي) في وقت قريب من ظهور الكابالا.

الكابالا تعني «التقاليد المتلقاة»، وهو مصطلح استخدم سابقًا في سياقات يهودية أخرى، ولكن اعتمده الكباليون في العصور الوسطى لمذهبهم للتعبير عن اعتقادهم بأنهم لم يكونوا مبتكرين، ولكن لمجرد الكشف عن التقليد الباطني القديم المخفي للتوراة. تبلورت هذه القضية حتى اليوم من خلال وجهات نظر بديلة حول أصل الزوهر، النص الرئيسي للكابالا. يعتبره الكاباليون التقليديون أنه نشأ في العصر التانيكي، محررين التوراة الشفوية، لذلك لا تميز بشكل حاد بين الكابالا والتصوف اليهودي الحاخامي المبكر. يعتبره العلماء الأكاديميون بمثابة توليفة من العصور الوسطى، ولكنهم يستوعبون ويدمجون فيه الأشكال السابقة للتقاليد الصوفية اليهودية، بالإضافة إلى العناصر الفلسفية الأخرى.

مرة أخرى نجد أن التصوف أيضا موجود منذ اليهودية مما يؤكد على قدم التصوف.

والديانات الثلاث كانت قديمة في السودان ومصر ودول المغرب العربي والهجرات المختلفة جعلت من انتشارها بين هذه الدول أو قل انتشار ثقافاتها فيمكن أن تنشر بعض ثقافات الدين دون أن يسود الدين كليا ومثال ذلك أن ينتشر التصوف وثقافته لتأثيرها المباشر وقد يكون للقبول الذي يحظى أو حظي به التصوف في هذه البلدان ومن ضمنها السودان، مما ساعد على توفر تربة خصبة لانتشار التصوف في السودان بكثافة لاحقا عبر الطرق الصوفية الإسلامية المشار إليها أعلاه مثال الطريقة القادرية وغيرها من الطرق الصوفية.

ولذلك شكل التصوف كثيرا من ملامح الشخصية السودانية فتحلت الشخصية السودانية بروح التعاون والتضحية والزهد والأمانة والصدق مما جعل هذه الملامح تميز الشعب السوداني وتعترف بيها بقية الشعوب.

إلا أن هناك أيضاً بعض الملامح وليدة الأثر الصوفي تحسب على السوداني ولا تحسب له مثل التواضع والذي يختلف عن التواضع المتعارف عليه حيث في حالة تواضع السودانيين بالكاد تعرف قدر السوداني بسبب حالة التواضع التي تبدو عليه في ملبسه ومأكله وسكنه مهما على شأنه وهذا بالتأكيد لم يعد كما كان في الماضي بل قل كثيرا ولكنه لا زال موجود، وكما أنه أيضاً ينعكس في بعض الأحيان على إحجام السوداني عن التعبير عن نفسه بحالة تشبه الاستيحاء فيكون حديثه مرتبكا وقليلا وبصوت خفيض ليس ضعفاً منه ولكن انعكاسا للتواضع المفرض الذي أشرنا إليه! 

وبالرغم من كل ذلك فإن السوداني تجده قويا ومناهضاً للظلم ومناهضة الظلم من شيم السودانيين على مر العصور لذلك إن أصابهم ظلم توحدوا وقاوموه بكل قوة وشجاعة منقطعة النظير، هذا ما يفسر حالة الثورات السودانية وحالة ثورة ديسمبر الراهنة في أوساط الشعب السوداني!

ولكن للأسف من يحكمون الشعب السوداني وبمجرد جلوسهم على كراسي الحكم وكأنهم لا تسعفهم الذاكرة لاستدعاء تاريخ الشعب السوداني وطبيعة شخصيته فينفصلون عن واقع الشخصية السودانية ويمارسون سياسات تتناقض تماماً بطموحات الشعب، وخير مقولة قيلت في هذا الشأن عندما قال الأستاذ محمود محمد طه الذي أعدمه جعفر نميري مقولته المشهورة: شعب عملاق يحمه أقزام.

المجد والعزة للشعب السوداني الأبي!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق