ثقافة وفن

توظيف الرموز المسيحية في التجارب التشكيلية العربية تنوع الانتماء

انتصار المحبة والإنسانية

بشرى بن فاطمة

يطرح الخوض في توظيف مفاهيم الرمزية الدينية في الفن التشكيلي العربي وبالخصوص الرموز المسيحية عدّة تساؤلات فنية تتوافق مع الجوانب الجمالية والمعنوية التي حمل من خلالها الفنان تلك الرموز إلى أعماله، خاصة وأن الفنان الشرقي بدوره لا يعبّر عنها بشكل فردي يعود به فقط لعقيدته بل بشكل جماعي يعكس الانتماء والهوية والتواصل المتنوع مع الآخر خاصة وأن الشرق احتضن الأديان بتنوعها وتواصل معها بتواصل ومحبة.

ولذلك كان لتوظيف الرموز المسيحية دلالاته وتعابيره ورؤاه البصرية العميقة التي تخلّصت من جوانب الفكرة الدينية المحدودة والسطحية والمباشرة إلى توسعات المقاصد الإنسانية التي تجتمع على المحبة. وبالتالي دفع ذلك التوظيف المتلقي إلى أن يتفاعل مع الرمزية نحو دلالاتها التعبيرية وتفسيراتها.

فهو لا يقف عند التصنيف الديني لتفسيرها بل يتجاوب معها بحثا عن المفهوم ليبلوره ويتمادى معه أبعد وأبعد بفضول دافع لتفكيك الصور والارتسام مجدّدا عبرها، ولعل التساؤلات المطروحة التي قد تحيل على مدى توظيف تلك الرموز وأسبابها، تكمن في مدى ما كانت به هذه الرموز في الأساس لغرض تزييني إضافي تعبيري عن المكان كالزخرف واللون والعمارة والهندسة  في خصوصياتها الشكلية في الأيقونات الكنائسية والشخصيات المقدسة في جوانبها المعنوية أم أن هذا عكس فكرة وعلامة هوية وإثبات للمعتقد المتكامل في الكل المتعايش في المنطقة أو أن الموقف العام ككل عكس واقع بحث وحاجة للتعايش السلمي والسليم الذي دفع لمراجعة العلامة الدينية بصريا وجماليا في تعبيرياتها العامة؟

ركّزت الأعمال الكلاسيكية الغربية على الكنيسة في تعبيرها الفني لذلك يمكن اعتبار ذلك التوظيف ذو طابع ديني واضح في تفاسيره المباشرة بمختلف تياراته من الديني الكلاسيكي إلى القوطي المقترن بالخيال الإيماني والمُعتقدات بكل تفاصيلها وزخرفاتها وزينتها وألوانها حتى تعيد سرد القصص الديني ونقل الطقوس الدينية وتجسيدها وفق الفكرة المقدسة بتوظيفاتها التي تحاكي تأثيرا وتأثرا داخليا روحانيا يتمادى في تصوير الجنة والجحيم والخطايا والملائكة والمسيح والصليب كلها ضمن تناغمات إيمانية كما في أعمال جيوفاني باتيستا تيابولو والسندرو ماستروفاليرو وجورج راوولت.

وهو ما ميّز الفن الكلاسيكي الغربي بكل توجهاته البنائية للغة التشكيلية الثابتة على قوالبها المثالية وقد ساهمت تلك القاعدة العامة للفنون الدينية والكنائسية في خلق تطورات بصرية لامست الحركة الحداثية وتمرّدها العام على الكل البصري للمفاهيم حسب الأيديولوجيا الفكرية في تحميل كل شكل ورمز ديني معنى ودلالة ومقصدا كان له ثيمات وتفسيراته وسيمائياته الوجودية والفلسفية التي أسّست لرؤى التجريب البصري التعبيري والمستقبلي والسريالي والواقعي وبالتالي حرّر الرمز الديني من قوالبه العقائدية إلى روحه الإنسانية وتجريبياته التعبيرية في كل حضور تفسيري للحالات الإنسانية مع ضمان تلك التصورات الروحانية التي تناغمت في التفاعل الحسي والجمالي بفنيات متكاملة بصريا.

ولعل التجريب العربي للرمزية المسيحية حمل أيضا تلك الأفكار البصرية وقاسها على علاماته الدينية وتوظيفاته الانتمائية المعنوية بكل تصنيفاتها الحسية في التعامل الكامل مع الحضور المسيحي في الشرق بوصفه ديانة التعايش التي تحمل رغبات المحبة والبحث عن السلام خاصة بخلق تعانقتا بين الرموز وتكثيف التوافقات الغنائيات بين مختلف الديانات ومنها الهلال والصليب والكنيسة والمسجد على اعتبار التناغم بين المشهد المتآخي في دلالاته العامة في الشرق وهنا لم يكن التعبير بالرمزية المسيحية الدينية حكرا على الفنان المسيحي بشكل متفرّد بل حمل أيضا المشهد للتعبير عن التآلف الثقافي والتواصل الإنساني.

ففي تجربة النحات اللبناني بسام كيرلس جسد رموزه في فكرة الجمع بين الأسطوري والديني في منجز الفينيق المصلوب كرمز التضحية وفكرة الثبات والخلود والانفلات والتحليق والانعتاق والحضور بصدق التعبير الإنساني في التجسيد في الأرض التي تعني الاستمرار والبناء.

أو في أعمال الفنان التشكيلي السوري خالد ترقلي أبو الهول الذي حوّل الرمزية الدينية إلى علامة فارقة في الفكرة التي تحاكي المعاناة المسلطة في العنف الموجه على المرأة من خلال سلطة الديني المؤوّل اجتماعيا وبالتالي تكثيف الرمز الديني وإسقاطه على قضايا المرأة في المجتمع الشرقي وتناقضات البحث عن الانعتاق.

إن ما جعل الرموز والعلامات الدينية تتطور كحضور حتى تبدو إشارات بصرية ذات معنى ودور في تحديد الفكرة، وهو ما يحيلنا على عدة تجارب تناولت المقدس كرمز واقعي لمحاكاة الإنساني أو لتفسير الحق  والأحقية والثبات في الأرض والأصالة والإنسانية مع التعبير عن المعاناة والتضحية أو لنقد واقع كامل بكل تلاوينه المتناقضة خصوصا مع  الإشكاليات الحضارية والأيديولوجية  والوجودية الإنسانية والسياسية والاجتماعية والصدام، ما يضع المسيحية والإسلام عل المحك المسمى الإرهاب من منطلقه الديني فتتراكم الجدليات بين التطرف والتسامح بين العنصرية والتعصب والحق والوجود بين الفناء والبقاء بين نبذ الآخر وقبوله بين قيم الفضيلة في تقبل الانسان وواقع المبالغة في خلق العنف والصدام وهنا اختار الفنان الرموز للتعبير عن الإنسانية والمحبة.

اعتمدت التجارب العربية على توظيف المعنى العميق للفكرة القابعة وراء تداخلات التعايش المفرط في حسياته الإنسانية حيث جسّدت الاعمال مدى التوافق والتناغم والانسجام والتواصل المفرط في البحث عن ذاته بين انكساراته، فكان محمل الصليب يجدّد لغة التضحية والمعاناة والذود والانتصار للأرض للمبادئ للوطن للحق وهذا ما يعيد للمتلقي روح الفكرة في تجسيد الصليب برؤاه التعبيرية كما في تجربة التشكيلي السوري عامر أيوب حيث يغوص في بلورة الفكرة من التعبير بتجليات صوفية ملونة تحاكي فكرة السلام بتناغم روحي يتراتل مع الأيقونات التي يوظّف فيها خاماته الأساسية من قماش وألوان تمبرا لتبدو شفافة ومتلألئة وثابتة وكأنها تنبثق من سرمديات تحاول الانبثاق مع النور والإشراق بالأمل حيث يستنطق المعنى من الرمز الديني ويبلور فيه المشاعر بالقرب والألفة والإنسانية والمحبة والتعايش والاندماج بتجليات تجسيد التشخيص الديني في حضور المسيح وفي التوافقات المتكاملة مع الكون بصفاء ينشر بريقه الإيماني على الفضاء الرحب، وأيضا في تجربة سمير صفدي حيث اعتمد الأسلوب التعبيري لينتصر للذات الإنسانية وهي تصارع من أجل الثبات على انسانيتها والبقاء على عهدها في المقاومة والاستمرار.

وكذلك في تجربة عدنان يحي كانت فلسطين مهد الذاكرة وروح التجلي المسيحي المتجانس مع بقية الأديان حيث كان البحث البصري في أعماله مبنيا على تراكمات العلامة وتداخل الاحداث وتكاثف المعنى بين الأمكنة ودلالاتها والعمارة وحضورها والعلامات ومعانيها والفكرة ومقاصدها في تجسيد فكرة المقاومة والتضحية والصلب والقيامة وتوظيفها أيضا للتعبير عن الواقع بين طيات الأحداث.

إن توظيف الرمزيات المسيحية في المنجز الفني للتجارب العربية لم يكن مجرد رمزيات مباشرة ولا تعبيرا عن الذاتي لقد كانت نبشا في العمق المتجذّر في الانتماء للإنسانية رغم تراكمات التناحر والتداخل بين الفكرة والصدام وبين الواقع والعتمة هي علامات ورموز أراد الفنان أن تعبرّ عن موقفه الحقيقي الباحث عن السلام بمحبة.

*الأعمال المرفقة:

عامر أيوب- خالد ترقلي أبو الهول- سمير الصفدي- عدنان يحيى- ممدوح قشلان- بسام كيرلس

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق