ثقافة وفن

كارلو روفيللي … لغة الشاعر وعقل الفيزيائي وشغف الفيلسوف

لطفية الدليمي

يبدو كارلو روفيللي Carlo Rovelli، بروفسور الفيزياء النظرية وأحد المساهمين في تطوير نظرية الجاذبية الكمية الحلقية، ماكينة لا تهدأ: يكتب الكتب التي تُرجِمت لمختلف لغات العالم (العربية واحدة منها) وحقّقت مبيعات واسعة، ويحاضرُ في الجامعة، ويكتب في فلسفة العلم وتأريخه، ويحضرُ المؤتمرات في شتى بقاع العالم، ويكتبُ مقالات في صحف رئيسية في العالم، حتى بات أقرب لنجوم السينما. ربما يكون مظهره الشبابي البسيط عنصراً مساعداً له في تحقيق شهرته هذه، فضلاً عن تأريخه الشخصي حيث كان في مطلع شبابه من مشعلي الثورات الشبابية التي قادها الهيبيون في أوروبا وأميركا في أواخر ستينات القرن الماضي، ثمّ حصلت له تجربة (أقرب للتجربة الفكرية العميقة) التقى فيها بالفيزياء ووقع في عشقها الطاغي، ومنذ ذلك الحين اعتزم أن يجعلها شغله الشاغل طوال حياته، وقد أفاض في بعض كتبه ومقالاته المنشورة في الحديث عن هذه التجربة المثيرة.

روفيللي ليس بالاسم الغريب في أوساطنا الثقافية والعلمية العربية؛ فقد تُرجِم عدد من كتبه المنشورة إلى العربية بدءاً من كتابه الأول سبعة دروس موجزة في الفيزياء Seven Brief Lessons in Physics، ثم تتالت الترجمات اللاحقة إلى العربية:

– نظام الزمن The Order of Time

– الواقع ليس كما يبدو: رحلة إلى الجاذبية الكمية Reality is Not as it seems:  A Journey to Quantum Gravity وهو كاتب مقروء لأسباب عدّة منها:  لغته الشاعرية الجميلة المنسابة بتناغم ورقّة، وتمرّسه الفلسفي، ومقدرته الواضحة في تقديم سياق مفاهيمي لأعقد الأفكار الفيزيائية، وهذه كلها عناصر جعلت من قراءة كتبه نزهة مثيرة في غابة العلم (والفيزياء بخاصة).

يوصفُ روفيللي بأنه شاعر الفيزياء. دعونا نتأمّل في العبارات التالية التي استهلّ بها المقدّمة المعنونة (الزمن قد يكون اللغز الأعظم) في كتابه (نظام الزمن): يبدأ الفصل بالاقتباس الشعري التالي:

حتى الكلمات التي ننطقها الآن

فنسرق بها الزمن

قد أستُلِبت منّا

وما ضاع ل ايرجع

ثم يتابع روفيللي بالكلمات التالية التي هي أقربُ إلى قصيدة نثر تطفح برومانسية عذبة:

” أتوقّفُ ولا أفعلُ شيئاً. لا شيء يحدث. أفكّر في لا شيء. أصغي لمرور الزمن.

هذا هو الزمن، مألوف وحميم. يستولي علينا … نحنُ نسكنُ الزمن مثلما تعيشُ الأسماك في الماء. وجودُنا هو وجودٌ في الزمن. موسيقاه الجليلة ترعانا. تفتحُ العالم أمامنا، تناكِدُنا، تخيفنا وتُهدهِدُنا. العالمُ يتكشّفُ داخل المستقبل ويقوده الزمن. وجودهُ خاضعٌ لنظام الزمن.

في الميثولوجيا الهندوسية يُصَوّرُ نهر الكون بالرسمة المقدّسة للإله (شيفا) وهو يرقص، ورقصته هي التي تحافظ على مسارات الكون، ……… إكتشفتُ لدهشتي البالغة في كتب الفيزياء التي قرأتها طالباً في الجامعة أنّ الزمن يعمل بشكل مختلف تماماً عمّا يبدو . “

أما روفيللي الفيلسوف فيكفي أن أذكر أنه كتب في مداخلة قصيرة بشأن كيفية انتقالته المثيرة من ثورية السياسة إلى ثورية الأفكار في كتابه (م اهو الزمان؟ ماهو المكان؟)، فذكر أنه كان ينوي دراسة الفلسفة في الجامعة؛ لكنه تقصّد (وهو الشاب الثوري الذي يريد تغيير العالم) العزوف عن قسم أكاديمي تشيع فيه الشخوص الأكاديمية الراكدة (هكذا رآها هو)؛ إذ حسب أنّ معظم الفلاسفة الأكاديميين حينذاك (نهاية الستينات) كانوا متعاطفين روحياً وعقلياً مع مواريث الفاشية، وهكذا كان خياره في دراسة الفيزياء حلاً وسطياً مكّنه من ممازجة الروح الثورية المتطلعة بالشغف العلمي، ونقل عوامل الثورة من عالم الأيديولوجيا إلى عالم الأفكار. ربما من المفيد هنا أشير إلى المدى اللامحدود من الشغف الفلسفي الذي يشعُّ من كتابات روفيللي؛ بل أنّه اختص أحد كتبه كاملاً للفيلسوف الاغريقي (أناكزيماندر) أما روفيللي الفيزيائي فهو ماتشهد عليه كتبه العديدة التي كرّس معظمها للقارئ العادي الذي يتملّكه شغف بالعلم والفيزياء والفلسفة، وجعل بعضها الآخر ميداناً لأفكار فيزيائية ورياضياتية متقدّمة.

* * * * *

أحْدَثُ كتب روفيللي هو كتابه المنشور بعنوان (هيلغولاند: إضفاء معنى على الثورة الكمية)، وقد نُشِرت ترجمته الإنجليزية من الايطالية يوم 25 مايو (أيار) 2021. من المفيد أن يعرف القارئ منذ البدء أنّ هيلغولاند هي جزيرة صخرية منعزلة تقع في بحر الشمال، قصدها الفيزيائي الألماني الشاب (فيرنر هايزنبرغ) بعد معاناته الشديدة من حمى القش Hay Fever واضطراب ذهني ناتج عن فرط تفكير في الصياغات الرياضياتية الممكنة للنظرية الكمية الوليدة آنذاك، وقد اهتدى في تلك الجزيرة إلى صيغة ثورية جعل فيها الوقائع الملاحَظة (Observables) عناصر في ترتيبات رياضياتية تدعى مصفوفات، ومنه جاء وصف الصياغة المصفوفاتية في نظرية الكم والتي تختلف نوعياً عن صياغة الفيزيائي النمساوي (إرفين شرودنغر) التي اعتمدت معادلة تفاضلية جزئية تكون «دالة الموجة Wave Function» هي المتغير الأساسي فيها الذي يصف وضعية المنظومة الفيزيائية، وقد ثبت لاحقاً أن الصياغتين متكافئتان، وتقاسم الاثنان جائزة نوبل في الفيزياء عام 1932.

يوضّحُ روفيللي منذ البدء أنّه سيبذل أقصى جهوده لجعل النظرية الكمية واضحة للقارئ؛ لكن لو انتهى القارئ من قراءة الكتاب وهو مقتنعٌ بأنّ كلّ شيء بات واضحاً له فثمة خللٌ قد حصل. «ليس ثمة من يفهم ميكانيك الكم تماماً»: هذا ما يقوله ريتشارد فاينمان أحد أعاظم فيزيائيي القرن العشرين.

ربما يعرف معظمنا (الشغوفون بتأريخ العلم في أقلّ تقدير) المترتبات المعاكسة للبديهة العامة التي تنطوي عليها النظرية الكمية، ولعلّ مثال قطة شرودنغر نصف الحية ونصف الميتة تقدّمُ مثالاً دراماتيكياً عن الطبيعة الاحتمالية لهذه النظرية التي لم تلقَ قبولاً من جانب بعض كبار الفيزيائيين مثل آينشتاين الذي ظلّ على خلاف معها حتى وفاته. من الخصائص الغريبة لنظرية الكم أنّ خواص الأجسام تبدو متغيرة تبعاً لكوننا نلاحظها أم لا؛ أي بمعنى أنّ الجسم الذي نلاحظه (أي نراقبه بحسب اللغة الفيزيائية التقنية) يُبدي خواصاً تختلف عن خواصه عندما لا نلاحظه، وهنا يبدو العالم المادي مجموعة علاقات بدلاً من مجموعة كينونات مادية؛ وهذا هو المفهوم العلائقي Relational Concept الذي يراه روفيللي أنسب وصف لعالمنا الذي يتصادى مع مفهوم التغير المستديم الذي نادي به الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس الذي يوصفُ بأحد الفلاسفة ما قبل السقراطيين.

من المفاهيم الغريبة الأخرى التي يتناولها روفيللي في كتابه هو مفهوم التشابك الكمومي Quantum Entanglement الذي يعني وجود تأثير مباشر بين جسيمين على مبعدة كبيرة عن بعضهما حتى في ظلّ انعدام أي انتقال للمعلومات بينهما. قد يبدو هذا الأمر أقرب إلى سحر؛ لكنه حقيقة مُختبَرة، وهو أحد غرائب نظرية الكم المثيرة التي تجد تطبيقات ثورية منها الحاسوب الكمومي الذي سيعيدُ تشكيل عالمنا عندما يدخل الاستخدام واسع النطاق.

يجد روفيللي في كتابه كلّ التأويلات المتنافسة والمتضادة فيما بينها ضرورة قصوى لفهم السياق التأريخي والفلسفي لتطوّر النظرية الكمية؛ لكنه لايكتفي بمجرّد العرض الحيادي لهذه التأويلات؛ بل يضع كلّ المفترضات المسبقة جانباً لكي يبدأ رحلة مثيرة مع القارئ منطلقاً من حقيقة اختبارية مفادُها «يجبُ أن نُخضِع كلّ شيء لما نراه وليس لما نعتقده». هذه النزعة الاختبارية الصارمة هي التي قادت آينشتاين طوال حياته مثلما قادت الفيزيائي الشاب هايزنبرغ أحد كبار صانعي النظرية الكمية.

معروفٌ عن روفيللي أنّه يجاهدُ في كتبه ومقالاته لجعل قارئه يرى العلم مسعى بشرياً مشتبكاً يضمُّ عناصر ثقافية تفاعلية كثيرة: فلسفة وتأريخ أفكار وأدب وشعر وسياسة واقتصاد؛ أي باختصار رؤية العلم والممارسة العلمية في سياق بشري تفاعلي، وليست هذه الخصيصة غائبة في كتابه هذا.

يذكّرنا روفيللي دوماً بأنّ كثيراً من الشخصيات الرئيسية الرائدة في تطوير النظرية الكمية كان لها وَلَعٌ طاغٍ باشتغالات إنسانية تتجاوز نطاق العلم؛ فمثلاً: كان هايزنبرغ الشاب يحفظ قصائد غوته عن ظهر قلب، وأنّ شرودنغر كان مفتوناً بالفلسفات المشرقية، وأنه كان – مثل آينشتاين – مشغوفاً بفلسفة شوبنهاور. من جانب آخر ثمة في الكتاب إشارات قد لايتوقعها القارئ عن نزاعٍ بين لينين ورفيقه البلشفي متعدّد الاهتمامات المعرفية ألكساندر بوغدانوف.

يكتب روفيللي في أحد مقاطع تقديمه للكتاب الذي اختار له عنوان «النظر إلى الهاوية» العبارات التالية:

” كان غرضُ بحثي في الفيزياء النظرية فهم الطبيعة الكمية للمكان والزمان، وجعل النظرية الكمية تتناغم مع مكتشفات آينشتاين؛ لهذا وجدتُني على الدوام أتفكّرُ بشأن الطبيعة الكمية للعالم. هذا الكتاب يقدّمُ النهايات التي بلغتها في مسعاي الحثيث هذا، وفي الوقت الذي لا ينكِرُ فيه كتابي الآراء الأخرى المخالفة له فربما ينتابني شيء من خجل لكوني ركّزتُ في كتابي على إعلاء شأن وجهة النظر التي أراها أكثر تأثيراً من سواها وأكثر قدرة على فتح مسارات جديدة مثيرة غير مطروقة، وأعني بهذه المسارات «التأويل العلائقي للنظرية الكمية. “

لم يعد العلم في عصرنا هذا بناء فوقياً نكتفي فيه بالاستخدام الأعمى لتطبيقاته التجارية؛ بل تشير الأدبيات الخاصة بالتنمية الاقتصادية والبشرية إلى أنّ إشاعة الفضول العلمي وروح البحث والتقصّي والشغف بتأريخ العلم وفلسفته – فضلاً عن البحوث الأساسية فيه – هي المفاتيح المفصلية لتحقيق أي نمو بشري واقتصادي حقيقي، ومن المؤكّد أنّ نظرية الكم بتطبيقاتها المتسارعة هي أحد الأعمدة الرئيسية في العلم الحالي ؛ لذا سيكون أمراً طبيعياً أن تكون الكتب التي تتناول مفاهيم هذه النظرية (مثل كتاب روفيللي هذا) ضمن قائمة القراءات الواجبة لكلّ شغوف بالعلم وساعٍ إلى تطوير قدراته العلمية والثقافية العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق