بدويات

المليونيّات وقمع الثوّار إلى متى …؟!

عيد بأيّة حال عدت يا عيد ...؟!

د. محمد بدوي مصطفى

إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجي ولا بد للقيد أن ينكسر

(أبو القاسم الشابي)

الثوار أنعشوا روح السودان الغائبة:

لا زلت أذكر حديثي إلى أختي في مكالمة تليفونية عندما اندلعت الثورة التاريخية وأنصب خيرة شباب البلد أمام القيادة العامة منادين بكل قوة جأش وإصرار الأبطال «لا للعسكر … لا للظلم … لا للاضطهاد». نعم في ذاك اليوم كانت أختي قلقة ككل أمهات السودان، بما حدث في أيام ذاك الحراك الثوريّ العارم وبما يحدث الآن من مآسي يوميّة متوالية في كل بقاع السودان، وفي كل شبر من أراضيه الطاهرة، حيث قتلت فيها فلذات أكبادهنَّ دون رحمة أو أيّ ذنب. أثناء القتل ورغم الدماء التي سالت بحور والجثث التي رميت لتماسيح النيل كان الآخرون من زملائهم، إخوانهم وأخواتهم، أعمامهم وعماتهم، وحتى الأجداد ينصبون صبة رجل واحد أمام تلك البوابة السوداء التي خضبتها فيما بعد دماء شهدائنا الطاهرة. لقد أوصد الأشرار فجرئذ أبوابها تاركينهم لأنياب الضباع لتنهش من لحومهم وتقضم أجسادهم الطاهرة. من منّا يا سادتي ينسى «فجر فضّ الاعتصام» من منّا يتناسى «أواخر أيام رمضان» المباركة، حيث انبرت الضباع تقتل وتسلب وتغتصب وتسفك الدماء دون اكتراث. فهل هذه بربكم قوات يحق لها أن تحمي الوطن، أبناءه وبناته؟ هل هي خليقة بأن نأتمنها على أموالنا وأعراضنا؟ من هم ومن أين أتوا؟ هكذا قالها أديبنا الراحل المقيم، الطيب صالح. هل هم حقيقة أبناء السودان الذين يقتلون بعضهم البعض أو بالأحرى يقتلون إخوانهم وأخواتهم؟ أم أنهم سلالة من أضحل السلالات البشرية التي تأتمتت على القتل والنهب والاغتصاب دون رحمة؟ ما هي حقيقتهم يا سادتي؟ بالأمس كنت أشاهد حديث البرهان الذي لم ير برهان ربّه إلى الآن وبعد كل هاتيك المآسي. وكأنه يجيب على أسئلتي التي طرحتها أعلاه، حيث يقول وكل حركاته ونبراته وتعابيره تقول إنّه يتخفى وراء الحقيقة، أنّه يكذب بكل صفاقة وبكل ما ملك من منطق غَثّ وإيديولوجية عقيمة. يكذب كما كذب الكباشي وغيره، وكما كذب البشير من قبل وكأنني في حديث البرهان هذا أسمع نبرة ولسان البشير بل وكلماته الغثّة عندما صرح وقتذاك، أن صناديق الاقتراع هي الفيصل. فيصل من واقتراع من يا سيدي الكريم؟ «أتأكل بعقل الأمّة حلاوة» على حدّ قول المثل؟ كم من مرّة عاش شعبنا الوفي مرارات الاقتراع والنسب التي تفوق ال٩٩،٩٩٪. فلم يعد هؤلاء الثوار والثائرات الشاب بلهاء كما كنا نحن من قبل. كنا أبرياء في تلك الحقبة، نصفق كطلائع الجيل لهذا ونخرج في الشوارع لذاك ونغني لهفواتهم ونكساتهم كما غنى مطربيّ البلد لهم. لكن في عهد العولمة صارت الأسرار مطروحة على أسواق الرغيف وعلى هوامش الحارات. ومن يجرأ أن يقتل الشعب بهذه الوحشية لابد أن يجد من يوقفه أولًا ومن يجبره على التزام القوانين والشرعية الدولية وفي نهاية المطاف مصيرهم جميعاً السجون والعقاب والمحاكمة وسنصرخ كما صرخ الشهداء من قبل: الردّة مستحيلة. ولا مكان للعسكر في دولة مدنية. وأن المدنية هي الحلّ رضيتم أم أبيتم.

مآثر الصبة وجمال التحالف فيها:

أعود لحديث أختي لأحكي عن بطولية هؤلاء الثوار والثائرات لأسرد يوميات طبيبة حديثة العمل بالمهنة. علمت منها أن أولادها وبناتها يتناوبون البقاء في ساحة الاعتصام عبر ورديات منتظمة. فجاء الحديث عن هذه الطبية، التي حضرت من ورديتها بالقيادة في حوالي الساعة الرابعة صباحا، لكنها فوجئت بمكالمة تلفونية تطلب منها الرجوع إلى مكان الاعتصام مرّة أخرى لتكميل الورديّة بسبب غياب آخرين.  ما أجمل هؤلاء الشباب والشابات عندما يتناوبون العمل بنكران ذات واتزان فائق، فضلا عن هذا التناوب فإن هؤلاء الشباب والشابات كانوا وما زالوا ومنذ أول أيام أبريل صامدين في ساحات القيادة. ينبغي ألا نستهين بعزيمة الثوار فهم قد أنجزوا ما لم تنجزه أي ثورة من ثورات الربيع العربيّ ولا غيره. مَن مِن هذه الثورات استطاع أن ينجز وفي بضع أيام عجاف الآتي: أولاً أن يسقط ثلاث حكومات اتحاديّة، ثانيًا أن يطيح بثلاثة رؤساء، ثالثاً أن يرمي بأدران وصفاقات ثماني عشرة حكومة ولائيّة؛ أن يقيل عشرات الولاة ومئات الوزراء والمعتمدين ووو؛ أن يمحي من وجه الأرض البرلمانات الولائية والمجلس الوطني الذين كان يرقد أكثر من خمسمائة نائب على كراسيه تحت لفحات المكيفات الرطبة وعلى موائد «الحمد لله» التي تكتظ بما لذ وطاب؛ أن يكنس (بكناسة القش) قذارات أكبر حزب تَاجَرَ باسم الدين وآلاف من أعوانه السدنة وعلى رأسهم كبيرهم الذي علمهم السحر (عمر بشّة … الشالتو الكشّة). ولكل هذه الأسباب ينبغي على الثوار أن يكونوا على أتم وعي واستعداد لرد الصدمات والهجمات المضادة من قبل بني كوز من جهة والجيوش المتباينة التي تكتظ بها العاصمة هذه الأيام. 

احزروا الأحزاب يا ثوار:

من جهة أخرى ينبغي عليكم يا أيها الثوار الأحرار ألا تسمحوا لأي من الأحزاب البائدة والقابعة على تاريخيها، متكوزنة، متحدّة مأممة كانت أو غيرها أن تسلبكم هذا الفخر وهذا الشموخ الذي سطرتم به اسم ثورتكم في صفحات التاريخ المجيد بدماء شهدائكم ومداد الحريّة اللؤلؤيّ.

اتحدوا وكونوا قوّة تنتظم كأسنان المشط – في حزب – تدافع عن حقوق الوطن وحق الشباب في تقرير المصير. إياكم أن تتركوا لشيوخ الأحزاب وكهلتها الذين صاروا أكثر من الرمل أن يستولوا على الساحة وينفردوا بها. إذن دقت الساعة حتى تثبوا وجودكم في ساحات الإعلام وربما تخلقون منابركم الحرّة بجهدكم، من أجل أن ترفعوا صوتكم عاليا في كل المنابر الوطنية والعالمية. ألم تروا أن خيرة بلاد العالم يحكمها الآن الشباب، فنرى الوزراء وغيرهم في كندا وألمانيا وهولندا من خيرة الشباب الواعي الطموح إلى الأفضل.

ما هي نهاية حكم المليشيات:

هناك حقائق بجد مرّة ينبغي علينا أن نقف أمامها بكل تأني وتؤدة وصبر. هذه الحقائق تجبرنا بأن نستحضر كل المواد الإعلامية المتداولة خلال الأشهر الماضية والتي طغت عليها صبغة الحقد والزل والهوان وفوق هذا وذاك النهب والسلب والاغتصاب الممنهج من قبل هذه المليشيات التي انطلقت في أنحاء العاصمة وفي مدن السودان المتعددة وكأنها دراكولا، متعطشة للدم والنزيف، تنهش في لحم هؤلاء الشباب والشابات. يا إلهي، مئات الإصابات وعشرات القتلى وقعوا فريسة لرصاصها. إن هذه الجماعات المسلحة ظلت منذ أن وطأت بنادقها أرضها الخرطوم، لا سيما بعد رحيل البشير، تخطط منذ عهد غابر، تخطيطا بعيدًا، وانتهجت مسارات واثقة وواضحة في آن واحد مصممة كل التصميم أن تستحوذ على السلطة وممتلكات الشعب وفي النهاية على كافة ثروات البلاد وأن تسيطر عليها بقبضة من حديد سيطرة تامة دون أن يكون لأي مواطن فيها قسطًا واحدًا.

إن قراءة الراهن تشير إلى عدّة خطوط، ربما وَهِنت هذه أغلب الظن في خضم التظاهرات والهجمات والهجمات المعاكسة بين المليشيات وأبطال الثورة. فمن تلك الخطوط ما يشير بوضوح إلى أن البلد قد وقعت سلفًا فريسة للمليشيات، فليس هناك جيش يحكم بالمعنى الصارم للمفردة. وإن هذه المليشيات أو الجماعات أو العصب أو العصابات، فلنسميها ما شئنا، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحلفاء على المستوى الإقليمي وحتى الدولي. كلها نفس الأفلام والسيناريوهات التي عاشها العالم وما يزال يعيشها في سوريا والعراق وأفغانستان والصومال واليمن الخ. فهل سيصبح السودان يمنًا ثانيًا بفضل هذه المليشيات الجنجويدية؟ ولقد ذكرنا القوى الإقليمية والعالمية التي تتحكم في مسار هذه الضباع الكاسرة: إسرائيل، روسيا ودول إقليمية أخرى لها مصالح ملحة في السودان لا سيما في مينائه بورتسودان الذي تتهافت عليه كل هذه القوى.  فالاتفاقيات التي أبرمها العسكر والحركات المسلحة التي وقعت على اتفاق جوبا هي التي عبّدت السبيل وكل الطرق لحكم السودان بيد من حديد. فيجب أن نعيد النظر في ما نسميه الحركات المسلحة أو التحالف، فإنها يا سادتي لا تريد الخير للبلاد ولكن شأنها شأن هذه الضباع الكاسرة التي تقتل في المليونيات وتنهب وتسرق. فالصغار يسرقون الفقراء والكبار يستولون على الكراسي، الحكم، والأموال الطائلة ومن قبل الثروات. لكن لكي شيء إذا ما تمّ نقصان فلا يغرّ بطيب العيش إنسان. فالردة مستحيلة رغم كل هذه العقبات والمدنية والحرية والحكم العادل لكل أبناء السودان هو المخرج الوحيد ودونه لن نرضى بأي عروض. انتهى.

هذا الجيل الثوريّ لن يتكرر:

إن هذا الجيل الأبي هو الذي فجّر صبح الحريّة التي غابت عن ربوع النيل بعد ظلمات حالكة قرابة الثلاثين عاما. إن جيلكم يا ثوار هو الذي بثّ في أرواحنا الأمل لنرى سودانا جديدا، حيّا، يرفل في ألق وشباب يباهي بذلك شباب الأمم الأخرى ويمحض عنّا أدران الماضي الكئيب وانكسار الذات التي خلفتها أوساخ الكيزان ومن ولاهم إلى يوم الدين. عليه فلا تثقوا بأحد إلا بأنفسكم وبإيمانكم الذي لا يتزعزع.

فيا جيل البطولات ويا شباب التضحيات كن صامدا حتى ساعة الصفر، حتى لا تسلب ثورتك ممن يحسبون أنهم يحسنون صنعا وهم في ذلك بعدين بعد الأرض عن السماء. جددوا الخطاب الديني الزائف المتملق الذي خلفه هؤلاء بخطاب وطني صريح، جددوا النداءات القديمة بنداءات تحمل اسم الوطن والحريّة فلكم رب يرعاكم والعزة للسوان والعزّة للوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق