سياسة

طوى حمدوك عباءته … فلنواجه خفافيش الظلام

بثينة تروس

الجدير بالإشارة ان استقالة الدكتور عبد الله حمدوك لم تكن صادمة، بل كانت الفجيعة حين تم اعتقال كل حكومته الانتقالية ثم عاد رئيسا للوزراء مشرعناً للبرهان انقلابه، وبعدها فشل في حقن الدم السوداني الغالي! وقبلها حين عجز عن الحد من تدخلات المجلس العسكري في سلطاته التنفيذية التي تخولها له الوثيقة الدستورية، وظن انه في مأمن من كيدهم! ولذلك نحسب ان الاستقالة أكرم له وتليق به تماماً.

كما اننا لا نعيب أسف وحزن الشباب والمواطنين من الذين هتفوا في السابق (شكرا حمدوك) واليوم عبروا عن احزانهم لاستقالته، وهو حزن شاطرهم فيه العالم المتحضر، دعوهم يحزنوا ويعبروا عن احترامهم للرجل دون شماتة ولا تقتير، فهم دعاة الحكم المدني واتاهم رئيس متمدين، أملوا فيه وكذلك نحن ان يكون من الاَباء المؤسسين، بعد ان ظلت البلاد ترزح لمدة ثلاث عقود تحت ظل حكم رئيس مهووس سفيه، نعته الشعب بالرئيس (الراقص)، كانت سمات سياسته الخارجية (أمريكا تحت مركوبي) والسفيرة البريطانية السابقة روزا ليندا مارسدن ومبعوثة الاتحاد الأوروبي (صرفت ليها بركاوي صاح) (واغتصاب الجعلي للغرابية يعد شرف) (والثوار شذاذ اَفاق)!

نعم غادر حمدوك، وفترته مرحلة من مراحل ثورة ديسمبر العظيمة وهي ماضية الي تحقيق غايتها لا محالة، وسوف تعقبها مراحل بالتأكيد عسيرة لا يمكن التكهن والاحاطة بخطورتها، خاصة في ظل الفراغ الدستوري والقانوني الذي أسهم فيه حمدوك نفسه بقدر كبير للأسف.. لذلك يجب ان لا تأخذ استقالته حيزا بالقدر الذي يصرف الراي العام عن الخطر الذي أشار اليه في خطابه (أن الأزمة الكبرى اليوم في الوطن، هي أزمة سياسة في المقام الأول، ولكنها تتحور وتتمحور تدريجيا لتشمل كل جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وفى طريقها لتصبح أزمة شاملة)..

فلننهض من اجل انقاذ الوطن بالحرص على الحكم المدني، فلقد آلت اليوم مقاليد تسيير الأمور في البلاد الي القائد العام للقوات المسلحة، رئيس مجلس السيادة الانتقالي منفردا، فالبرهان يصر على وصايته والعسكر على البلاد، مدعياً حمايته للديموقراطية، مقرراً توجيه البلاد نحو انتخابات حكم على نزاهتها قبل حدوثها! وهي لن تفرق عن الانتخابات التي تطلع لها النظام البائد، قبل سقوطه، تلك الانتخابات المزورة التي يفوز فيها الأكثر مالاً وفساداً.. والبرهان معلوم انه الابن البار للمشروع الإسلاموي، يدعي حماية الفترة الانتقالية من تغول الأحزاب التي لا تمثل الشعب السوداني، متجاهلاً ان الإسلاميين أنفسهم حكموا ولم يمثلوا غير جماعة الاخوان المسلمين والتنظيم العالمي!

لذلك بعد ان طوى حمدوك عباءته لابد من مواجهة خفافيش الظلام، من طلاب السلطة، الذين لا تهمهم تهم الإرهاب ولا العزلة الدولية! والذين يتوهمون، بعد ثورة ديسمبر العظيمة ودماء الشباب الطاهرة من اجل الحرية والسلام والعدالة، ان للإخوان المسلمين دورة حكم أخرى يأتونها متسلقين عن طريق العسكر والحركات المسلحة، بعد عجزوا عن شرف الاعتراف بتحمل مسئوليتهم في الإخفاق في الحكومة الانتقالية التي كانوا طرفا أصيلا فيها، من أمثال رئيس العدل والمساواة وزير المالية جبريل إبراهيم، الذي أتت به اتفاقية سلام جوبا، والذي ابتدر وزارته بان أناخ راحلته بدار مؤسس الحركة وعرابها الترابي، بدلاً من زيارة معسكرات اللجوء والنزوح، أو أسر شهداء الثورة التي أتت به وزيرا.. وقد كان جبريل إبراهيم معول هدم لقرارات التغيير للمكون المدني متمسكا بما ورثته الحكومة الانتقالية من خراب أدعياء الدين في حكومة المخلوع عمر البشير حيث قال ((اننا لن نتخلى عن ديننا لأنهُ ليس دين عمر البشير ولا حزب المؤتمر الوطني، فنحن مأمورون بالتمسك به والعمل من اجله وبالموت في سبيله)) وتابع ((هناك من يسعى لتغيير قانون الأحوال الشخصية ليتوافق مع أمزجة الخواجات، وهذا امر خطير)) 30 ابريل 2021 – فيديو يوتيوب.. ثم يعيب علي حمدوك ((أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قدم مطالب غير واقعية في مفاوضات إنهاء الجمود السياسي)) 9 نوفمبر متناسياً ان سياساته الاقتصادية كوزير مالية فشلت في اصلاح حال البلد بعونه لجنرالات الجيش وحماية مصالحهم، وهو يشهد تهريب منتسبيهم لثروات البلاد من الذهب بصورة غير مشهودة من قبل.

وحين استقال حمدوك صرح جبريل إبراهيم انه (حدث مؤسف) مسفراً عن شخصية (الكوز كائن متحول)! لا عهد ولا ميثاق له، مما أدهش حتى كاميرون هدسون فعبر ببلاغة على حديث جبريل قائلا ((شيء تخطى مسرحيات شكسبير، الرجل الذي تآمر ضده وساعد في سل السكين هو الآن يعبر عن أسفه لرحيل حمدوك، وبصورة ما يضع نفس البديل التالي لخلافته، لو لم تكن هذه مأساة لكانت كوميديا)) انتهي حديث كبير الباحثين في المركز الاطلنطي وهو أحد مركز التفكير التنويري المستقلة والمهمة في أمريكا.

خطورة خفافيش الظلام انهم لا يؤمنون بالحريات والحقوق الأساسية، ومطالب المواطنة المتساوية، كما ان المساواة بين النساء والرجال تخيفهم، والحكم المدني يزلزل ثبات السلطة تحت أقدامهم، لذلك مقابل السلمية استخدموا الدوشكا والأسلحة الثقيلة، وعطلوا مهام الحكومة الانتقالية في إقامة المجلس التشريعي، وإصلاح المؤسسات العدلية والشرطية، وهم يبغونها اليوم دولة عسكرية تطلق فيها ايدي اللجنة الأمنية، تعتقل المواطنين وتعيد لبيوت الاشباح سيئة السمعة سيرتها الاولي، وتمكن للفساد.

علي التحقيق ما يحدث الان من تحولات هو بسبيل استكمال لثورة ديسمبر، التي تميزت عظمتها في انها تجاوزت جميع تصورات كهنوت الساسة، ولا يوجد حلول للازمة الا باجتماع ووحدة كل القوي السياسية الثورية التي تؤمن بالتغيير والتحول الجذري وتدعم مطالب الشباب الذي يمثل 60% من مكونات هذا الشعب، عودنا الشعب انه دائما سابق لقادته فهلا تعقل القادة وتبعوا صوت الشارع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق