سلايدرسياسة

عذرا حمدوك … فهذا الشعب لا يليق بك

طارق يسن

أنت رجل لم يعهده هذا الشعب، تتكلم بلغة لم يدرسونها، وبلسان لا يعرفونه، أنت رجل من طينة العظماء الذين يسطر التاريخ أسماءهم، أتيت في لحظة فاصلة من لحظات التاريخ السوداني، وتسنمت رابية الحكم، وكنت تنوي الخير للبلاد والعباد.

تتحدث بأسلوب هادئ مؤدب مهذب، لم يعهده هذا الشعب، فثلاثة أرباعهم تربوا على لغة «اكسح وامسح» وعلى لغة «كل فار يدخل جحره» وعلى لغة «لحس الكوع «.

تعرضت لشتى أنواع الإهانة والاحتقار والتخوين، وتطاول عليك السفهاء والأراذل، فلم تنبس ببنت شفة، بل كانت شفاهك تفتر مبتسمة، ولسان حالك يردد:

لا أرْمقُ الظِّلَّ الكئيبَ ولا أرَى

مَا في قَرارِ الهُوَّةِ السَّوداءِ

كنت مصمما أنك «ستعبر»، كلمة ترددها كثيرا، فيها دفقات أمل كنت تقولها أمام شعب خذلك، ورفاق انزووا عنك، وشركاء أسلموك للحاقدين والمتربصين:

متى يبلغ البنيان يوما تمامه

إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

كنتُ دائما أتعجب من ثباتك الانفعالي، وأنت تتحدث بأدب جم، وهدوء غير معتاد، لم يعهده هذا الشعب لدى حكامنا الذين سبقوك.

تطاول عليك من سقط المتاع، ومن الفاقد التربوي كثيرون، كل معرفتهم أن يشحنوا رصيدهم، ويفعِّلوا شبكتهم، ويفتحوا «لايف» للقدح فيك، وأنت مستمر في طريقك، لا تلوي على شيء:

إذا وَصَفَ الطائيَّ بالبُخْلِ مادِرٌ

وعَيّرَ قُسّاً بالفَهاهةِ باقِــــــــــــــــلُ

وقال السُّهى للشمس أنْتِ خَفِيّةٌ

وقال الدّجى يا صُبْحُ لونُكَ حائــــلُ

وطاوَلَتِ الأرضُ السّماءَ سَفاهَةً

وفاخَرَتِ الشُّهْبُ الحَصَى والجَنادلُ

فيا موْتُ زُرْ إنّ الحياةَ ذَميمَةٌ

ويا نَفْسُ جِدّي إنّ دهرَكِ هـــــــازِلُ

لو كان غيرك لقفز من المركب مبكرا، وترك السفينة السودانية تنتهي بها الأمواج في الصخور، لكنك أصررت على البقاء من أجل وطن كسيح، وشعب –أكثره – قبيح، وشريك «لديح».

جئت إلى حكم بلاد كان ذكر اسمها في المحافل الدولية مرتبطا بالإرهاب وبالعقوبات وبالديون، فما لبثتَ يوما أو بعض يوم إلا وتمكنت من إعادة البلاد إلى العالم، فشُطب اسمها من تلك اللوائح البغيضة، وأعفِيَتِ الديون، وعدنا دولة لها احترامها وتقديرها، وللأسف لم يُثمِّنوا هذه الإنجازات، ولم يعيروها اهتماما، ونسوا كل ما قمت به من تنظيف الملعب المتسخ مِن فعل مَن كان قبلك، سنوات قليلات أتيتَ فيها بما لم تستطعه الأوائل، وبما لن يأتي به اللاحقون.

لكن ما عساك أن تفعل معهم، وقد تكالب عليك الداخل، واستفزوك بصوتهم، وجلبوا عليك بخيلهم ورجِلهم، وأنت «الراكز» الذي ما عرفتِ الزلة للسانك طريقا، ولا أدركتِ الهفوة لفعالك سبيلا.

اتُهِمتَ في سلوكك، وفي تفكيرك، وفي قناعاتك، وهم من نوع: « رمتني بدائها وانسلت».

عذرا حمدوك؛ فهذا الشعب لا يستحقك، وهذا البلد لا يستحقك، صمدت وحاولت وتحملت ما تنوء الجبال بحمله، يدبرون المكائد لإفشالك، وأطرافك كانت مشلولة، فلم يُعِنك أحد منهم، بل تربصوا بك حتى تقع، ولكنك كالأشجار تموت واقفة، تحملت حمالة لا يقوى عليها أحد، كنت وحدك تقاوم وتكافح وتثابر لرفعة هذا البلد الذي لا يشبهك، ولخدمة هذا الشعب الذي لا يستحقك.

ولكن أخيرا لم يبق في قوس الصبر منزع، فما عساك أن تفعل، وقد خانك الشارع، وتخلى عنك الشريك، فحينها غادرت، وحسنا فعلت، حين غادرت.

لن ينسى لك المخلصون إنجازاتك في إعادة ذلك البلد الذي كان مشبوها بسبب مَن حكم قبلك، إلى أن يكون دولة لها اسمها وعنوانها، ولن ينسوا لك أنك كنت الحاكم العالِم المهذب اللبق الحصيف.

الآن غادرت الحكم، وتركتهم، وسيصطرعون وسيختلفون، ونعلم جميعا ما الذي يحدث عندما يختلف اللصوص.

أما الوطن الآن، فلا أقول إنه في مفترق طرق؛ لأنه ليس أمامه طريق أصلا، فهو في قعر بئر، ما لها من قرار، لن يجد من ينتشله، وإنما سيجد من يُغرقه أكثر، وساعتئذ سيندمون، ولات ساعة مندم، ويا ليت قومي يعلمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق