سياسة

رحيل الأيقونة الوطنية عبد الرسول النور

محمد المكي أحمد

غيب الموت، الجمعة, ٧ يناير. ٢٠٢٢ رمزا وطنيا كبيرا، ومناضلا صلبا، وانسانا طيبا وودودا، وقياديا تاريخيا، قاوم ديكتاتوريات ودخل سجونها، ولم تنكسر إرادته، ولم تتبدل مواقفه الداعمة لحقوق الشعب السوداني في الحرية والعدالة والعيش الكريم، ولم يستجب للترهيب والترغيب. رحيل الحبيب، العزيز، الأستاذ، عبد الرسول النور، جاء في توقيت صعب، اذ نحتاج إلى خبرته النضالية ووعيه الوطني، وعلاقاته السياسية والاجتماعية، الممتدة بجسور واصلها مع رفاق النضال في كل ألوان الطيف السياسي بالسودان، وبينهم من يختلف مع رؤاهم وتوجهاتهم، ويختلفون مع توجهه لكنه يحظى باحترام في أوساط عدة.  فقيدنا من جيل صال وجال في معارك الوطن من أجل الحرية، قدم تضحيات تاريخية كنظرائه من جيل العطاء التاريخي في كل ألوان الطيف من دون استثناء. تبوأ مواقع مهمة، سياسيا وحكوميا، اذ كان على سبيل المثال حاكما لإقليم كردفان في حكومة ديمقراطية تآمر عليها واسقطها انقلاب عسكري قاده عمر البشير في ٣٠ يونيو ١٩٨٩. من خصال عبد الرسول أنه رجل مباديء، وصاحب رأي سديد داخل حزب الأمة القومي، وبشأن قضايا السودان، اذ كان شجاعا في طرح رؤاه، التي كان يطرحها بوضوح وشفافية. الحقد الأعمى أو الكيد السياسي لم يجد طريقا إلى قلبه الأخضر، وفي الوقت نفسه رفض تكميم الأفواه. ودعا الى وحدة الصف والمؤسسية، انطلاقا من مرتكزات تواكب روح العصر. كان بكل المقاييس فارسا، من فرسان النضال السوداني ضد الاستبداد والطغيان. على الصعيد الشخصي أحزنني رحيله، اذ فقدت. رجلا تشكلت بيني وبينه علاقة تقدير ومحبة، وكان كثير التنويه في رسائل متبادلة عبر (واتساب) بما يصفه ب(مهنيتي ) ودوري الصحافي. كنت وما زلت أعتز برأيه، لأنه صادر من خبير ومناضل ورجل مثقف، أنضجته التجارب وعمقت وعيه بكيفيات الحكم على الناس والأشياء، من دون اجحاف أو إفراط.  أذكر خلال سنوات عملي في قطر لفترة استمرت ثلاثين سنة، كان حريصا على زيارتي وأسرتي في مقر سكننا عندما زار الدوحة. الراحل يتمتع بنبض انساني جميل، نسج علائق تواصل حميم مع مختلف الأجيال. في أي اتصال هاتفي، يبادر بالسؤال عن أسرتي، بعدما تشتت شملنا، ويستفسر عن دراسة أيمن وأحمد وأمنية، وكان سعيدا أنهم تخرجوا في جامعات والحمد لله. كان عبد الرسول القيادي، التاريخي، رفيع المستوى بحزب الأمة القومي، في استقبالي في مطار الخرطوم بعدما عدت في زيارة الى الوطن، من مقر عملي في الدوحة، للمرة الأولى بعد نحو ١٤ عاما مستمرة قضيتها خارج السودان بعد انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩ بسبب كتاباتي ضد الانقلاب والقمع في صحيفة (العرب القطرية) في مرحلتها الأولى. عدت إلى السودان، بعد سنوات حينما حدث انفراج سمح بعودة عدد من أصحاب الرأي الآخر، لكن ذلك المناخ الطارئ لم يستمر طويلا. عانقني الفقيد عبد الرسول في المطار بدفء ومودة، وكان بعض أهلي هناك، قال (استقبلك بتكليف من الإمام الصادق المهدي).

سعدت باستقباله، ونبضه الودود الطيب وانسانيته، كما سعدت بلفتة التقدير من الإمام، الحبيب، وسعدت أيضا أنه اختار الأستاذ عيد الرسول ليكون ممثله وموفده الى مطار الخرطوم لاستقبالي، في خطوة تعكس دواخل الراحلين العزيزين، الصادق المهدي وعبد الرسول النور. رحيل عبد الرسول كما هو رحيل الإمام الصادق المهدي أحزنني ويحزنني، وكان الرجلان يحترمان استقلاليتي المهنية، ولم يتدخلا يوما في هذا الشأن، خصوصا أنني لا أجامل بشأن مهنيتي ورأيي الصحافي المستقل، بالأمس واليوم، وغدا، إذا كان في العمر بقية. رحيلهما محزن وموجع، وقد حزنت وأحزن برحيل أي قائد تاريخي سوداني، والقائمة طويلة وموجعة. كما أحزن هذه الأيام برحيل أية شهيدة وشهيد، بعدما أطل انقلابيون يسفكون الدماء بشراسة منذ ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١. شهداء ثورة ديسمبر ٢٠١٨ من الجنسين، والجرحى والمفقودون حتى اليوم يزرعون غراس الحرية، ويقدمون لنا وللعالم دروسا غير مسبوقة ورائعة، وحتما سيكون النصر حليفهم. أما الانقلابيون، فانهم يفكرون خارج دائرة العصر، والمؤكد أي لا مستقبل للديكتاتورية والاستبداد، وأهم دليل في هذا الشأن أن إدانات شديدة، داخليا وخارجيا، تحاصر الانقلابيين الآ حبيبنا، العزيز، عبد الرسول النور، قيادي وسياسي وكاتب وصاحب قلم مبدع كان مصدر إثراء للوجدان والعقول بوقائع تاريخية، ودروس نافعة، ومستمدة من تجربة نضالية طويلة، اقترنت فيها الأقوال بالأفعال، وسطرها بحروف من نور وصدقية في صحف سودانية وفي وسائل التواصل الاجتماعي. اقتران الأقوال بالأفعال شكل بالأمس و يشكل اليوم المحك ومقياس الاختبار الأنجع والأصعب أمام أي إنسان يخوض غمار العمل الوطني، أو يتفاعل مع قضايا الوطن بالرأي، وفي صدارتها حقوق الإنسان. نسأل الله ان يرحم عبد الرسول رحمة واسعة ويسكنه فسيح جناته، وأن يتغمد برحمته كل الذين قدموا التضحيات الصعبة، في سبيل حرية أهل السودان.  التعازي لأسرة الفقيد والأهل والحبيبات والأحباب، وإلى أصدقائه وزملائه ورفاق دربه من كل فروع الشجرة السودانية الخضراء.

(إنا لله وإنا اليه راجعون)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق