سياسة

عفوا حمدوك … ملاحظات على خطاب الاستقالة

رشا عوض

إن إعلان الدكتور عبد الله حمدوك لاستقالته في الثاني من يناير 2022 لم يكن مفاجأة، بل هو تحصيل حاصل، إذ ان شرعية ورمزية حمدوك كرئيس وزراء وكقائد للانتقال المدني الديمقراطي في السودان  قد تبددت تماما لحظة توقيعه على الاتفاق السياسي في 21 نوفمبر 2021 مع قائد انقلاب 25 اكتوبر 2021 الفريق عبد الفتاح البرهان؛ ولذلك استنتج البعض ان الاستقالة ليست تذكرة مغادرة نهائية بل هي تذكرة عودة للمشهد السياسي بعد التخلص من العبء الثقيل لاتفاق 21 نوفمبر، وفي إطار ترتيبات جديدة ملامحها مرسومة في نص الاستقالة «الركون إلى الحوار في مائدة مستديرة تُمثٌل فيها كل فعاليات المجتمع السوداني والدولة؛ للتوافق على ميثاق وطني ولرسم خارطة طريق؛ لإكمال التحول المدني الديمقراطي لخلاص الوطن على هدىٌ الوثيقة الدستورية.» ، والذي يعزز هذا الاستنتاج هو محتوى خطاب الاستقالة الذي لم يختلف مطلقا عن منهجية حمدوك في التعاطي مع الأزمة السياسية في البلاد طيلة فترة رئاسته للوزارة ممثلة في محاولة إرضاء الجميع ودعوتهم للتوافق والقفز عمدا على الاسباب المباشرة للصراع وتحديد مسؤولية كل طرف بشكل دقيق عن الفشل في التوافق!

إذا كان حمدوك فعلا يريد المغادرة إلى غير رجعة، لماذا لم يجعل خطاب استقالته وثيقة تاريخية تشرح بشفافية كاملة أسباب انهيار الفترة الانتقالية، وتملك الشعب السوداني الحقيقة كاملة عن سبب توقيعه لذلك الاتفاق المشؤوم مع الانقلابيين وسبب فشله في حقن الدماء، ودور كل من المكون العسكري والمكون المدني في سلحفائية انجاز مهام الفترة الانتقالية خلال العامين الماضيين، وبهذا يكون حمدوك اختتم حياته السياسية بإضاءة المناطق المعتمة (بفعل فاعل) في تجربة الانتقال، وهذه مساهمة مطلوبة بإلحاح لتصحيح المسار الانتقالي، ولتوثيق هذه الفترة المهمة من تاريخ السودان السياسي.

ربما تكون حالت دون ذلك ظروف أمنية وضغوط صعبة او تقديرات سياسية ظرفية، وربما كانت فرضية العودة الى المشهد مجددا هي سبب الحفاظ على شعرة معاومة مع الجميع.

إلى حين ان يكتب الدكتور عبد الله حمدوك شهادته للتاريخ كاملة مفصلة، بعيدا عن العموميات والترضيات، لا بد من تقييم خطاب استقالته الذي بين أيدينا بدقة لوضع النقاط على الحروف في قضايا استراتيجية تتطلب بإلحاح وضوح رؤية وجرأة على النقد والمراجعة، وعلى رأس هذه القضايا ما يلي:

التوافق الذي لم يحدث!

تكرر في خطاب الاستقالة التحسر على عدم التوافق، مع محاولة تحميل القوى السياسية المدنية كامل المسؤولية عن ذلك، في حين ان المكون العسكري خرق التوافق الذي كان مبنيا على الوثيقة الدستورية ونفذ انقلابا عسكريا في 25 اكتوبر 2021 واعتقل شركاءه المدنيين بمن فيهم حمدوك نفسه وهو أكبر عازف على وتر التوافق، وبعد ذلك جاء اتفاق 21 نوفمبر الذي أطاح بقوى الحرية والتغيير من المعادلة السياسية ونصب حمدوك رئيسا للوزراء بعد ان بصم على اتفاق مؤسس على قرارات قائد الانقلاب، فكيف يشكو حمدوك بعد فعلته هذه من عدم التوافق؟ هل كان يريد من القوى السياسية ان تتوافق معه على الاستسلام للانقلاب؟

في هذا السياق لا بد من تحديد دقيق لما يجب ان نتوافق حوله ابتداء من قضايا مصيرية ومفصلية، مثلا كان يجب ان يتوافق حمدوك وحاضنته السياسية على رؤية مفصلة لكيفية حل معضلة تشبث العسكريين بالسلطة لحماية انفسهم من المحاكمات في جرائم بعينها، وعلى برنامج وجدول زمني لبسط ولاية وزارة المالية على ايرادات منظومة الصناعات الدفاعية وكل الشركات الحكومية وعلى العائد من صادرات الذهب، وعلى التعديلات المهمة لإصلاح الوثيقة الدستورية، وعلى تكوين المجلس التشريعي، وعلى ترتيبات تهيئة الملعب السياسي لانتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية، ووقف تغول العسكريين على ملفات تنفيذية كملف السلام والعلاقات الخارجية، هذه هي المعضلات الحقيقية التي كانت تتطلب توافقا تاريخيا لتجاوزها، ولن يكون مثل هذا التوافق مجانيا بالطبع، لان المكون العسكري في كل قضية من القضايا أعلاه متمترس خلف مصالح اقتصادية ضخمة، او خلف أطماع سياسية مرتبطة بمحاور إقليمية، او أسير لمخاوفه المباشرة من العدالة، ولذلك فإن التوافق الراشد كان يجب ان يبدأ بين حمدوك وحاضنته السياسية والقوى الثورية الفاعلة في المجتمع المدني ولجان المقاومة وصناع الرأي من مفكرين ومثقفين على معادلة سياسية لصالح التحول الديمقراطي، قادرة على الاستجابة الجزئية للمصالح ، وتبديد المخاوف ومحاصرة الأطماع في المكون العسكري، ليس بالمجان طبعا، فإذا اراد العسكر الممسكين بالسلطة الامان الشخصي من المحاكمات الجنائية على سبيل المثال، لا بد ان يدفعوا ثمن ذلك بكشف الحقائق كاملة والاعتذار عن الانتهاكات والانخراط العملي في الاصلاحات المؤسسية التي تضمن عدم تكرار الجرائم وإصلاح القطاع الامني والعسكري، باختصار «العفو في اطار عدالة انتقالية وبرنامج مصالحة وطنية» مقابل شراء المستقبل المحصن من سفك الدماء وانتهاكات حقوق الانسان عبر اصلاحات مؤسسية جذرية للدولة السودانية تشمل الدستور والقوانين، والاجهزة الأمنية والعسكرية، والأجهزة العدلية، ومن ثم تسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة رئيسها هو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي يجب ان تلتزم بالنظام الدستوري والقانوني في البلاد وتكون خاضعة للسلطة المدنية كما هو الحال في اعرق الديمقراطيات التي تمتلك اقوى واكفأ الجيوش.

  النجاح في هذا النوع من القضايا رهين للالتحام العضوي بالشارع الثوري والشفافية مع الرأي العام في مناقشة هذه القضايا الحرجة التي تتطلب خوض معارك سياسية بصورة منظمة ومنهجية وعلى ارضية صلبة من التوافق الوطني.

مفردة التوافق استهلكت بكثافة في الخطاب السياسي والإعلامي خلال العامين الماضيين كحيلة هروبية من إدارة الصراعات الحتمية حول قضايا حرجة مسكوت عنها في العلاقة بين المكون العسكري والمكون المدني، فأصبح للتوافق معنى «باطنيا» في رطانة السياسة السودانية وهو «الموافقة والبصم بالعشرة على ما يفرضه العسكر» او التظاهر الخادع بان ليست هناك مشكلة اصلا! في حين ان التوافق المطلوب هو الحوار الجدي حول المسكوت عنه من جذور الأزمة واسباب الصراع الحقيقية ثم تقديم التنازلات المتبادلة للوصول الى ارضية مشتركة بين فرقاء السياسة.

إن التوافق المنتج يبدأ بإدراك ان هناك انقساما حقيقيا في الصف الوطني بين معسكر الثورة الذي يضم كل الراغبين والراغبات في الانتقال التاريخي بالدولة السودانية الى مربع جديد هو «الدولة المدنية الديمقراطية المستوفية لشروط الحكم الراشد»، ومعسكر أصحاب المشاريع الانقلابية(من مدنيين وعسكريين)، هذا الانقسام حقيقة موضوعية يستحيل تجاوزها بمفردات ناعمة مثل التناغم والنموذج السوداني المتفرد في الشراكة، بل يحتاج مثل هذا الانقسام إلى توحيد الاصطفاف المدني الديمقراطي خلف رؤية وطنية وبرنامج عملي لتحقيق الانتقال التاريخي المنشود، وتقوية هذا الاصطفاف سياسيا وتنظيميا وإعلاميا وجماهيريا بحيث يكون مؤهلا لترجيح كفة التحول الديمقراطي في ميزان القوى على الارض، وتأسيسا على ذلك سيصبح التوافق على نبذ الخيارات الانقلابية والقبول بسيادة الشعب على قراره السياسي وموارده الاقتصادية أمرا واقعا مفروضا على الانقلابيين بإرادة وطنية غالبة وقادرة على اجبار كل اصحاب النزعات الاستبدادية الخادمة لأطماع الأقلية على توفيق أوضاعهم والتكيف مع مشروع التغيير الذي سيخدم الأغلبية ويجرد الأقلية من السلطة غير المستحقة واحتكار الموارد الاقتصادية تبعا لذلك، دون ان يمحو هذه الأقلية من الوجود.

مثل هذا التوافق يحتاج الى «اولي العزم» من الساسة الذين لا يتهيبون المواجهة وخوض المعارك المصيرية، الدكتور عبد الله حمدوك لم يفهم الشراكة مع المكون العسكري على انها مجرد نقطة انطلاق لتدشين كفاح سياسي يومي داخل اجهزة الدولة بقيادته هو شخصيا وبمساندة حاضنته السياسية لنزع الالغام المزروعة ضد التحول الديمقراطي الواحد تلو الاخر مع كامل الاستعداد لتحمل تبعات الانفجارات المتوقعة في هذا الطريق في شكل خلافات مُدَوِّية مع العسكر وسدنة النظام القديم تقتضي الاستنجاد بالشعب، لو تم ذلك كنا سوف نشهد خلال العامين الماضيين مليونيات على شاكلة: مليونية من اجل اصلاح المنظومة العدلية، مليونية من اجل وقف تهريب الذهب، مليونية من اجل بسط ولاية وزارة المالية على عائدات منظومة الصناعات الدفاعية البالغة مليارات الدولارات سنويا، مليونية من اجل اصلاح الاجهزة الامنية والعسكرية ، مليونية من اجل وقف نزيف الدم في دارفور ومحاسبة المسؤولين عنه وهكذا.

ولكن حمدوك تعامل مع منصبه وهو منصب سياسي بامتياز، كوظيفة أممية يمارسها بكامل بهائه الدبلوماسي وهو محتفظ بمسافة واحدة من الجميع، يراقب صراعاتهم المعلنة والخفية بحياد أكاديمي متعالي على اي انحياز، ومترفع عن الانخراط المباشر في الصراعات!

اكتفى حمدوك في مبادراته بتوصيف الازمات وإحالة إيجاد المخرج منها للآخرين عبر آليات مثل «آلية مبادرة الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال الطريق الى الامام» التي فشلت لأنها كانت (سمك لبن تمر هندي)! اي كانت تجمعا من شخصيات لا يربطها هم التحول الديمقراطي، إذ ضمت الآلية في عضويتها شخصيتين ثبت انتماؤهما للمؤتمر الوطني! كما ضمت اشخاصا منخرطين في تخريب الانتقال الديمقراطي بدعم العسكر وابرزهم الناظر ترك الذي اعتذر فور إعلان اسمه (فقد كان مشغولا بإغلاق الميناء وقطع الطريق القومي وتغذية آليات الثورة المضادة! فليس لديه زمن يضيعه في آليات حمدوك) كما ضمت شخصيات متخصصة في التهريج السياسي وبعضها مرتبط بالأجهزة الامنية للنظام البائد! وبالطبع ضمت رجالا ونساء مخلصين للتحول الديمقراطي.

كان الهدف من حشد هذا الخليط غير المتجانس ارسال رسائل لاسترضاء الجميع وتطييب خواطرهم، والنتيجة ان الآلية لم ترض احدا ولم تنجز شيئا!

جريمة اتفاق جوبا

أكثر ما أدهشني في خطاب الاستقالة هو تلك المكابرة عن الاعتراف بالخطأ الشنيع الذي ارتكبته السلطة الانتقالية في إدارة ملف السلام! ذلك الخطأ الذي أنتج الجريمة المسماة اتفاق جوبا للسلام الذي كان يجب ان يذكره حمدوك ضمن إخفاقاته ويجعله مادة للنقد الذاتي! ولكنه ذكره كإنجاز! وقال عنه بالحرف الواحد» ورغم العقبات التي اعترضت سبيل تنفيذ هذا الاتفاق؛ إلا أنه قد أسهم في إسكات صوت البندقية، وإحياء الأمل لملايين اللاجئين والنازحين بمعسكرات النزوح من الفقراء الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء تحت كل الظروف وتقلبات المناخ من بردٍ وحرٍّ ومطر يعانون الجوع والمرض وسوء تغذية الأطفال وانعدام التعليم وكافة مقومات الحياة الكريمة، وإتاحة الفرص للتعافي الوطني والسلام المستدام»!!!!! انتهى كلام حمدوك وعلامات التعجب من عندي!

بمنتهى الجدية والإلحاح أتوجه الى حمدوك بسؤال: اين هي البندقية التي كانت تقاتل وتهدد السلام واسكتها اتفاق سلام جوبا؟ بالنسبة لبنادق حركة تحرير السودان بقيادة السيد مني اركو مناوي، وبنادق حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور جبريل ابراهيم فقد تم إسكاتها منذ عهد الرئيس المخلوع عمر البشير ولم يعد لهاتين الحركتين اي وجود عسكري يذكر داخل السودان، فقد هزمهم قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو(حميدتي) ورفع التمام للبشير! ومنذ ذلك الحين تحول ما تبقى من جنود هاتين الحركتين الى مرتزقة في ليبيا وتشاد، ولم يتبق من بنادق دارفور سوى بنادق حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور في منطقة جبل مرة وهي –للمفارقة- خارج اتفاق السلام المزعوم! .

أما بنادق الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة مالك عقار المحصورة في منطقة محدودة جنوب النيل الأزرق فلم يسكتها سلام جوبا لأنها ايضا كانت ساكتة بفعل الانقسام الذي بموجبه انحازت الغالبية العظمى من الجيش الشعبي لتحرير السودان (الفرقتين التاسعة والعاشرة المتبقيتين بعد انفصال جنوب السودان والمتمركزتين في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق) انحازت لعبد العزيز آدم الحلو الذي يمثل مركز الثقل العسكري الحقيقي للحركة الشعبية ولكنه كذلك خارج اتفاق سلام جوبا.

اما المسخرة الكبرى في مهزلة جوبا فهي ابتداع مسارات الشمال والوسط والشرق وتضمينها في الاتفاق، وبدعة المسارات هذه خير دليل على ان اتفاق سلام جوبا هو صفقة سياسية خبيثة صنعها المكون العسكري لتعديل موازين القوى السياسية لصالحه في صراع السلطة مع المكون المدني، وهذا هو عين السبب الذي جعل البرهان وحميدتي يختطفان ملف السلام وهو من اختصاصات مجلس الوزراء حسب الوثيقة الدستورية، وبالفعل نجح العسكر في مبتغاهم فقد تحولت الحركات والشخصيات الموقعة على هذا الاتفاق الى»وديعة سياسية تحت الطلب» للعسكر! يسحبون منها ما يكفيهم من رصيد سياسي حسب حوجتهم! والآن كل أطراف السلام بلا استثناء في خندق الانقلاب العسكري! ولا غرابة اذ ان مناوي وجبريل وعقار والطاهر حجر والهادي ادريس يعلمون ان وزنهم السياسي والعسكري لا يؤهل اي واحد منهم للمناصب الدستورية التي منحها لهم العسكر مقابل استغلالهم سياسيا، اما النازحين واللاجئين الذين يتباكى عليهم حمدوك فلا ناقة لهم ولا جمل في كل هذا العبث والاحتيال الذي يتم باسم معاناتهم!! وانقاذ هؤلاء الأبرياء من الفقر والجوع والتشرد وانعدام التعليم لن ينجح بصفقات السلام المصنوعة بنفس منهج النظام البائد وهو مكافأة قادة الحركات المتمردة بالاموال والمناصب السياسية وتمكينهم من تقاسم غنائم الفساد مع المحتالين الكبار في المركز مع الابقاء على المنهج المختل في ادارة الدولة الذي لن يقود إلا لاستدامة الإفقار والتهميش مع تناسل الأنبياء الكذبة باسم قضية الهامش.

ختاما، في هذه اللحظات الحرجة من تاريخ السودان، والتي تتطلب اصطفافا مدنيا ديمقراطيا ذا جدوى في إعادة تأسيس الانتقال المدني الديمقراطي ينتظر الشعب السوداني اعترافات واعتذارات وتصحيح مواقف ومكاشفات شفافة من كل من كانوا في قيادة مؤسسات الفترة الانتقالية ابتداء برئيس الوزراء وقوى الحرية والتغيير حتى يحظى الحديث عن بناء جبهة موحدة لهزيمة الانقلاب باحترام الشعب السوداني وثقته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق