ثقافة وفن

في حوار مع الروائية السورية عفراء علي مخلوف

العلمانية مفهوم مظلوم في مجتمعاتنا لأنه غير واضح ومن يفسر معناه هم الفقهاء ومحدودي المعرفة

كاتبة و روائية سورية تعمل في مجال التربية والتعليم صنعت منها القراءة الدائمة و العزلة الجزئية ككاتبة جعلتها تنتج عدة أعمال في الحقل الأدبي كروايتها الأولى بنت القمر وإصداران  آخران وهما عبارة عن كتابين يحملان بين دفتيهما  نصوصًا نثرية وهما نور وقمر وموائد ليلكية مما جعلها من أبرز المبدعات السوريات على الساحل السوري

ضيفة هذا الحوار هي بنت الساحل السوري من مدينة اللاذقية الساحرة والتي تتربع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بحر ملتقى الحضارات والثقافات،الكاتبة والروائية عفراء علي مخلوف وذلك لتسليط الضوء على أولى إبداعاتها الروائية بنت القمر وهي رواية تتحدث عن دَور الحب، وألم المرض والفقد في نضج الإنسان و تعرّج الرواية على الحرب وآثارها السلبية ودورها في تمزيق المجتمع الى فئات وطوائف كما تتحدث عن أهمية النظام العلماني في نهضة الدول وحماية البشر من براثن الفتن ونتائج إنتشار السلاح

إضافة إلى تطرق الرواية لموضوع جائحة كوفيد ودوره في التضييق على المواطنين بغياب حكمة أصحاب القرار ..

وكل ذلك يأتي ضمن تفاصيل وحوارات بين شخصيات الرواية خاصة البطلة المركزية للرواية (عليا) والتي تمردت على الواقع وفضلت العقل لا أهواء  القلب، فاختارت فادي الذي أحبَّها بعمق ، مبتعدةً عن من أحبَّتْ لعدم توفر مواصفات المحبّ الذي تريد، وضمن تفاصيل تبرز مشاعر أنثويَّةٍ ناضجة تطرح مواضيع اجتماعيةً ترفضُ الموروث والعادات

وغيرها من المحاور ..

حاورها عبدالحي كريط

< بنت القمر هي أولى أعمالك الأدبية وهي رواية تتحدث عن العديد من الموضوعات المتعلقة بالإنسان والمجتمع ؟ ماهي الأسباب التي دفعتكم إلى تأليف هذا العمل الأدبي المتميز؟

> عادة ما يرسم كل إنسان لنفسه درباً، والحريّ به أنْ تمثّلَ دربُه ثماراً يتركها لمن يخلفهم ، وإرثاً ومنفعة لمن عاصرهم، ومن سيأتون بعده. فالرواية هي مرآة المجتمع الذي نعيش فيه ، بصيغة أدبية وحلم لا بد منه ، وتلك كانت رسالتي: بصمةٌ تبقى بعد رحيلي عن هذه الحياة.

< تحدثتم  في بنت القمر عن الحرب وآثارها السلبية، ودورها في تمزيق المجتمع إلى طوائف، هل يمكن القول أن تحدثك لهذا الموضوع له علاقة بما جرى في سوريا  منذ عام 2011 ؟

بالطبع تَطرقتُ للحرب السورية كونها أوجعت الجميع، ودمرت البنى التحتية للمجتمع السوري، ومزقت النسيج المجتمعي في وطني، ولم يكن فيها رابح أبداً، فجميع السوريين من معارضة ومولاة خاسرون في هذه الحرب ، وستبقى آثار دمارها على جميع الأصعدة لعقود، والعلاج من الدمار الذي تخلفه أمده طويل.

< في إحدى محاور كتابكم تحدثتم عن أهمية النظام العلماني في نهضة الدول من خلال عدة تمثلات إبستمولوجية ،لكن التاريخ والواقع يؤكد بالملموس أن النظام العلماني في الدول العربية فشل فشلاً ذريعاً عكس الدول الغربية لعدة أسباب بنيوية ألا تعتقدين أن العلمانيين العرب هم الأكثر تطرفاً وإقصاءاً من التيارات الفكرية الأخرى ؟

> العلمانية من أكثر المفاهيم التي تم تشويهها عندنا، وفشل النظام العلماني في الدول العربية جاء لأسباب عدة أهمها أن العلمانيين لم ينضجوا كفاية، لذلك لم يستطيعوا الدفاع عن أفكارهم ، ما جعلهم غير مهيئين لحمل راية العلمانية ، والمثقفون منهم يتم إقصاؤهم، أما الدستور فليس دستوراً مدنياً، بل هو دستور مستمد من الشرع والقطب (الحزب) الواحد ، رغم التعددية فلا يوجد أي قرار دولي أو محلي يؤيد العلمانية . أما التمثلات الأبستيمولوجية التي ظهرت في كتابي فهي لم تكن فقاعات فكرية مطلقاً، بل كانت لها جذورها في الواقع والمجتمع ، وقبل ذلك في النفس ، وبأعتقادي أن العلمانية لم يتم تجريبها في الدول العربية مطلقاً حتى نستطيع القول أو الاستنتاج أنها فشلت أم نجحت باختصار : العلمانية مفهوم مظلوم في مجتمعاتنا لانه غير واضح ومن يفسر معناه هم الفقهاء ومحدودي المعرفة ..

< عليا هي البطلة المركزية لبنت القمر والتي تمردت على الواقع والعرف والعادات، هل عليا هي إنعكاس لتجربة وجدانية مررت بها في حياتك  ؟

> دائماً العمل الأول ينضح في روح الكاتب فيكون عصير ذاته بنسبة كبيرة وععليا « فتاة من واقعي مع بعض تخيلات ورؤى لا بد منها للرواية ، وأنا أرجو أن يتمخض بها مجتمعنا وأن تتبلور صورة الأنثى بعقلانية « عليا « فيعود دورها  لتؤكد أنها أصل التغيير ولبنة المجتمع الأهم،  فالمرأة هي العنصر الفاعل في أي مجتمع» 

< ماهي أبرز شخوص روايتك وهل إستلهمت بنت القمر من الانطولوجيا التاريخية؟

> «عليا» المرأة السورية الواعية التي زادها الفَـقْـدُ قوة والحب تمسكاً بالحياة ، و»فادي» زوجها المحب، هو الشخصية الأكثر جمالاً وعقدنة في الرواية، «شمس» الابنة التي مثّلتْ – كما أمها – إحدى بنات القمر بنضج روحها على نار الحب، و»كريم» الشاب الذي حمل مسؤولية والديه كمثل  أبناء الشرق بعقلية منفتحة ممثلاً ما يحتاجه المجتمع للنهوض

أما  « نزار» النموذج العام في مجتمع تسوده اللامبالاة بعلاقته مع النساء ، و أسرة «غسان» المغتربة التي عانت الحنين وآثرت كسر العادات  وهناك اخرين  ..

كل أشخاص الرواية هم من واقعنا المحلي بكل جوانب الحياة فيه .

< ماهي الأسباب التي جعلتكم تتحدثون عن وباء كوفيد في بنت القمر ؟

> الرواية كما قلت تعكس واقع المجتمع بأسلوب أدبي وتوثق مرحلة ما ، و»كوفيد» هو وباء عاصرناه جميعاً، وسبّب لنا الحصار الاقتصادي و الضيق الاجتماعي، كما أنه أدى إلى واقع عالمي مازلنا لا نعرف عمَّ سيتمخض، وأنا أرى أن خيوط تفاصيله كلها لم تتضح بعد ..

< قلت لي في دردشة جانبية أن القراءة المتواصلة والعزلة الجزئية صنعت منك كاتبة ،كيف ذلك؟

– للكتابة أدوات أهمها اللغة للتمكن من التعبير بشكل جذاب وسهل ، والخيال الأدبي لخلق عالم ممزوج بالواقع ..

العزلة الجزئية هي سبيل رائع يفتح أفق التأمّل، ويمدّ الإنسان بما يحتاج من الطاقة لكسر عزلة الكتابة وانطلاقتها  بعد نمو الروح التي تتغذى بالمطالعة الدائمة والنضج الفكري ، رحلتنا إلى دواخلنا تسهّل معرفة الناس من خلال معرفتنا لذواتنا، والعزلة أهم طريقة لتلك الرحلة  .

< هل كتاب نور وقمر وكتاب موائد  ليلكية إمتداد لرواية بنت القمر ؟

> بنت القمر رواية أما نور و قمر» كما «موائد ليلكية « هما عبارة عن نصوص نثرية وخواطر شبه يومية تمثل حالات نفسية شتى يعيشها أي إنسان في شرقنا .

< كيف تنظرون إلى مستقبل الرواية في  سوريا مابعد الحرب؟

> سيكون للحرب دور كبير بانخفاض مستوى الثقافة في سورية، بالرغم من وجود لمعات أدبية هنا وهناك، لكنها لا ترقى إلى مستوى ما حدث في  سورية من دمار، وفي هذه المرحلة تعاني مجتمعاتنا – كما كل بقاع الأرض – من أزمة اقتصادية وأخلاقية خانقة قد تقوض العمل الأدبي بشكل عام في ظل الصراع الحاصل، وبالأخص أن الكلمة في مجتمعنا  تخضع إلى رقابة كبيرة، لكن  في عصر الانترنت باتت القراءة أسهل والانتقاء أوسع ، ما يخلق حافزاً لمن يريد التميز، وأن يكون الأبقى ويعيش عملُه عمراً أطول، وذلك كله لا يتحقق إلا بملامسة الكاتب لأوجاع الناس، وصدقه مع ذاته و سمو إنسانيته فيحاكي أفكار وهموم المجتمع.

< كلمة ختامية

> الكتابة وسيلة علاجية تجعلنا نفرّغ أقبية ذاكرتنا من تراكمات عدّة ، وهي  رسالة ، وعلى الكاتب تقع مسؤولية توثيق الواقع برؤية أدبية ترقى بالإنسانية وتجسد أحلام أبناء مجتمعنا بطروحات تلامس تطلعاتهم وتكسر قيودهم لتنمو أجنحة أحلامهم ويسعوا جاهدين لتغيير واقعهم ..

أرجو أن نرتقي جميعنا لنكون أبناء قمر، نلتزم المحبة طقساً والإنسانية ديناً

لكم جزيل شكري وخالص الحب والتقدير

———————

شكرا

وهذا نص أحبه

شهيق وآهات

مدينة أنا

كل من فيها انتحر

حتى الجوامع و الكنائس

و الشجر ..

و من هجر

بات فارغاً  يشعر بالضجر

أنا بنت من بنات القمر

أعشق السهر

أعدّ النجوم

كأيام الشهر

رغم كل ما في قلبي من قهر

لا أذرف العبر

أفرد شعري في ظلال الليل

أربط ثوبي الواسع تحت الخصر

أدور راقصة على رائحة الزهر

أسعد بخروج بعض ذكرياتي

من مساماتي

و أعيد ما أريد منها

شهيقاً و آهات 

لترافقني حتى الممات

استحضرها

لأرسم بإجترارها عند الوداع

ابتسامات ..

*من كتاب نور وقمر

—————————

أنثى بلا نهود  *

عاشقة أنا بلا حدود

حبيبة بقيود

حررني

لأتعرى من أثقالي

ومن كل الوعود

لملم وريقات خريفي

واحرقها بكفيك

لتشع عيوني

وتزهر الخدود

تذوقني بشفاهك

كثمر عنقود

اعتصرني لترتشف خمري

فتسكر  في يوم

موعودٍموعود

***

أوقظ بشتائمك

كل الجدود

و ما حرّموا من سعادة

قتلوا واحتنا

حتى بات الخيال ساحتنا

كفنونا بتهديد و وعود

جعلوني امرأة

تثمل بنبيذ حرف

تعزف قصائد عشق

بتنهيدة ولَهٍ

ثائرة دوما بلا برود

ترفع حرارة الأشواق

لا تنتظر ردود

أنثى بلا نهود

تتجاهل الحب

ترتوي بعبق الورود

حررني …

لأعود عشتار

بلا قيد أو عهود …

*من كتاب موائد ليلكية                                          

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق