ثقافة وفن

بائعة الآيسكريم (مجموعة قصصية)

الحلقة الأولى وفاة والدة زهرة

د. إسماعيل النجار

زهرة محمد الرماع، ولدت في مدينة الحديدة من أسرة فقيرة، وترجع أصولها إلى قبيلة الزرانيق، وتتكون الأسرة من الأب والأم وزهرة.

توفي والدها في عرض البحر أثناء صيد السمك، لتأخذ والدتها على عاتقها الإنفاق على ابنتها زهرة، وعملت في شراء الصيد من أصحاب الجملة وبيعه لأصحاب المنازل، لتكسب مبلغاً يعيلها وابنتها.

أدخلتها المدرسة في سن السادسة، لتتصدر المركز الأول حتى السنة الثانية، مما جعل أمها تتفانى في العمل لتوفر مستلزمات الدراسة والسكن المكون من غرفة وحمام منفصل عن الغرفة، وتزور زهرة عادة في المدرسة بين الوقت والآخر، وتتعرف على المدرسين، وتجلب لهم أفضل أنواع الأسماك، وبأسعار مخفضة، وتسألهم عن وضع زهرة الدراسي، وتعرض عليهم بعض الصعوبات التي تواجه زهرة، ويسمع لها المدرسون باهتمام، ويتجاوبون معها مشيدين بذكاء زهرة المفرط، ومن خلال زيارتها وتوزيعها الأسماك للمنازل سميت ببائعة الأسماك.

تساعد زهرة والدتها في المنزل أحياناً عندما تكون مرهقة من العمل وحمل طبق الأسماك المصنوعة من سعف النخيل (أوراق النخيل)، والمحمول على رأسها، ويسمى المَنسَف، وعندما تخلد والدتها للنوم تنام بعمق، ويظل عقلها الباطن عند ابنتها، لتتكلم عن الأسماك والمدرسة، وفي بعض الأوقات تنهض لترد شبك الناموس على ابنتها خوفاً من البعوض، وأحياناً تنام زهرة على رجليها حتى الصباح، وتستيقظ في وقت مبكر، لتجهزها للمدرسة، حتى يحين موعد عملها، لتذهب وتلحقها زهرة إلى مدرستها القريبة من المنزل.

وفي عطلة المدرسة تساعد زهرة والدتها في حمل الأسماك وتوزيعها وبيعها، وحرصت والدتها على تعليمها صناعة الآيسكريم، بمرافقتها لأفضل محل لصناعة وبيع الآيسكريم، لتساعد والدتها مادياً، وتوفير مبالغ لشراء ملابس وأدوات ومستلزمات المدرسة للسنة القادمة، لتصبح جاهزة كزملائها.

وفي بداية العام الدراسي للسنة الثالثة شعرت والدتها بالدوار أو الدوخة عند سيرها لمسافة طويلة، وعند مراجعة الأطباء وجدوا لديها ارتفاعاً في ضغط الدم، وأعطيت علاجاً، ونصحت بالراحة، ولكنها لم تولي نصائحهم اهتماماً.

حاولت زهرة ثنيها بالتوسل وتقبيلها في يدها على أن تقوم ببيع الآيسكريم لساعات محدودة بعد دوام المدرسة، لكنها رفضت بشدة، لتبكي زهرة قائلة: سوف أفقدك يا أمي بعد والدي، وتخيلي وضعي بدونك وأنا في هذا العمر. أبكت أمها، ووعدتها بالالتزام بمواعيد العلاج، وذكرت لها أنها تتحسن يوماً عن يوم.

وفي بداية الأسبوع الأول من الدراسة، وفي أثناء سيرها حاملة طبق السمك، متجهة إلى محلات بيع الأسماك بالجملة، سقطت في الطريق العام، لتصدمها شاحنة نقل أسماك مسرعة، وفي الحال توقف سائق الشاحنة، وقام بإسعافها لأحد المستشفيات، وأدخلوها غرفة العناية المركزة، وعندما عادت زهرة للمنزل لم تجد والدتها، وانتظرت ساعة من الزمن، وانتابتها حالة من القلق، وأسرعت لتسأل عنها في بعض المنازل، وقالوا: إنها لم تمر اليوم إطلاقاً. مما زاد من قلقها، وأسرعت لسوق السمك، ليخبروها إن والدتها أصيبت بحادث سير في الطريق العام، وأسعفها سائق شاحنة يعمل في سوق السمك إلى المستشفى الجمهوري، وأنها في قسم العناية المركزة، لتصرخ بكامل صوتها، وتلقي بنفسها على الأرض، وتردد: لقد قلت لها أن تتوقف عن العمل. ونهضت بشكل سريع باتجاه المشفى في وسط الحر الشديد، وتلهث وتسعل أثناء جريها، ووصلت المشفى وهي مبللة بالعرق، وكأنها تعرضت لمطر شديد، بينما فمها جاف تماماً، وتحول صراخها إلى نحيب مبحوح، وتسارع تنفسها وكاد أن ينقطع.

عرفها سائق الشاحنة، وأمسك بها وأدخلها العيادة، وعندما رأى حالتها الدكتور نهض سريعاً ليدخلها الطوارئ، وأعطى لها قليلاً من الماء، ووجّه الممرضات بإزالة ملابسها المبللة، وإلباسها ملابس المشفى، وعلى الفور أُعطِيت الجلكوز لتعويض ما فقدته من أملاح نتيجة العرق، لتنزعه طالبة رؤية والدتها، ليخبرها صاحب شاحنة الأسماك أن والدتها تعرضت لحادث سير، وأسعفت للعناية المركزة، ولكنها فارقت الحياة.

وعلى الفور قامت الممرضة بإعطائها حقنة تنويم حتى لا تتحرك وتنزع الجلكوز، لتصحوا بين الحين والآخر وهي تصرخ وتبكي، ليحزن الأطباء والممرضات، وأحاطوها بجو من الرحمة والشفقة، وحاولوا أن يهدئوها ويرفعوا معنويتها، وسألوها: هل لديها أهل؟ لترد: ليس لها أهل غير خالتها وزوجها وأولاد خالتها. وطلبت عدم استدعائهم لأنهم خباث على والدتها وعليها، وأقنعوها بضرورة الإقامة معهم، وأنه بعد موت والدتها سيتغير تعاملهم معها كيتيمة، على أن يتحدثوا لخالتها أن تتعامل معها برحمة، وأنه لا حل إلا في بقائها مع خالتها وزوجها ليتحملوا مسئوليتها.

دفع لها سائق الشاحنة مبلغاً من المال مقابل التنازل عن حادثة الصدام، واستلموا جثة والدتها، ونقلت للجامع القريب من منزل زهرة لتُغسل ويصلى عليها، وسار في جنازتها جمع كبير من الناس، لتدفن بائعة السمك، وقامت خالتها وزوجها بفتح المنزل وأخذ كل محتوياته، وتسليم السكن لمالكه، وأعطيت زهرة ركناً في الغرفة مع بعض بنات خالتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق