ثقافة وفن

مدائن المعرفة

فاس ... مرفأ الروح والعلم بالمغرب

هاجر شريد

كل ركن فيها يروي قصصا جميلة من الزمن الماضي، فاس المدينة التي ستحس فيها بأن التاريخ يناديك من نوافذ بيوتها العتيقة، ومعالمها التي تحمل قصص عديدة، تعتبر العاصمة الروحية والعلمية للمملكة المغربية، أسسها إدريس الثاني عام 789 م وجعلها عاصمة الدولة الإدريسية بالمغرب.

تشتهر فاس بأزقتها الضيقة ومعالمها التاريخية التي تعود الى الحضارة الإسلامية، ففي جميع أنحاء المدينة العتيقة تجد جدران المساجد والكتاتيب القرآنية والزوايا والأضرحة تزخر بالنقوش والزخارف الإسلامية الدقيقة، والفسيفساء المغربية الخلابة.

وتبقى جامعة القرويين من المباني التي تسحر عقول الزوار وتأسر قلوبهم، يعود تأسيس الجامعة الى عام 859 ميلاديا، مع بداية تأسيس مدينة فاس التي اتخذها الأدارسة عاصمة لدولتهم، وصنفتها اليونسكو وموسوعة غينيس للأرقام القياسية كأقدم جامعة لا تزال تعمل دون توقف على مستوى العالم، لأنها لم تتوقف عن نشر العلم والمعرفة منذ تأسيسها وحتى الآن. فضلا عن أنها أول مؤسسة تعليمية تمنح درجات علمية في العالم.

قد تبهرك هذه الجامعة الا أن القصة وراء إنشائها أكثر إبهارا من تصميمها الخرافي، فمنذ مطلع القرن التاسع وحتى منتصفه، ازدهرت المدينة الوليدة وأصبحت تُشَد إليها الرحال، وهاجرت إليها فاطمة الفهرية برفقة أختها مريم من مدينة القيروان بتونس، واستقر بها المقام وتزوجت في فاس. وبعد أن قضى والدهما نحبه، قررت الأختان أن تهبا ميراثهما لخدمة المجتمع الذي انتقلا للعيش فيه بتأسيس مسجد الاندلسيين وجامعة القرويين. 

بنته فاطمة فهرية وجعلت منه مسجدا للعبادة وجامعة لتدريس العلم في الوقت نفسه، ليأتي يوسف بن تاشفين ويوسعه أيام الدولة المرابطية، أما أختها مريم فاقمت ببناء مجسد الاندلسيين عام 859-860 كما أنه إضافات وإصلاحات في العهد المريني والعهد العلوي أيام السلطان المولى إسماعيل.

تجذبك المدينة بقصورها التي شيدها الأدارسة والمرينيون على التلال التي تطل على فاس من جهة الشمال، وكذلك المنازل القديمة المكونة من طابقين حولها أفنية ضيقة، ومن الآثار الباقية في المدينة القديمة، السور وبواباته الثماني والتي تم تشييدها بطريقة التربة المدكوكة بأقواسها الرائعة والنقوش والتخريم البارز فوقها والتي ترجع إلى عهد المرينين، ورغم القيام بتجديد بعضها في العصور التالية فإنها ظلت محتفظة بطابعها.

تقع مدينة فاس في أقصى شمال شرق المغرب، في واد خصيب كأنها واسطة العقد بين التلال المحيطة بها من كل الجهات، تحيط ببعض جوانبها غابات أشجار البلوط والأرز، فضلا عن أراضي صالحة للزراعة في سهل سايس بينابيعه المائية الغزيرة والمتعددة، وهي العوامل التي ساعدت فاس تاريخيا على تحدي الحصار الذي ضرب حولها أكثر من مرة.

تحف من جميع حقب المغرب تجدونها في متحف البطحاء الذي يحوي حوالي 7629 تحفة، كما أن مجمل الحياة الاقتصادية للمدينة تتمحور حول الصناعة التقليدية التي لعبت دورا بارزا في المجال الحرفي، فهي تمزج بين القدم والحضارة والعلم والفن والعمارة والموسيقى، الأمر الذي جعلها متميزة عن غيرها.

لا يمكنك أن تأتي الى هذه المدينة دون اكتشاف سوق الصباغين الذي يتلون بلاطه بألوان متعددة نتيجة قيام الصباغين بغسل الجلود في أحواض صغيرة، تنسكب مياهها الملونة بالأصبغة المختلفة على البلاط فتحوله إلى ما يشبه اللوحة التشكيلية التي تنعكس عليها أشعة الشمس نهارًا فتولَّد منظرًا جميلًا.

أحياء فاس تحكي تاريخا عريقا والملاح أحد أقدم الأحياء في المدينة تم بناءه سنة 1438م في القصبة القديمة، أقام به اليهود الفارون من محاكم التفتيش الإسبانية، ورغم أن معظم العائلات اليهودية غادروا هذا الحي الا أن بصمتهم لا تزال واضحة.

تظل فاس المدينة التي تفاجئ الزائر ببساطتها وشموخها وأطباقها اللذيذة التي تحظى بنصيب كبير، فمن المؤكد أنها المكان الأفضل لتناول الأطباق المغربية الأصيلة، ولعل أكلة «البسطيلة» أكثر ما تشتهر به المدينة التي تجمع بين المذاق الحلو والمالح، بالإضافة الى «الخليع» الذي عادة ما يقدم في وجبة الإفطار مع البيض وغيرها من الأطباق التي تسحرك بمذاقها الفريد.

لمدينة فاس مكانة خاصة في قلوب المغاربة فهم يرونها عبارة عن متحف تاريخي نابض بالحياة، فرغم التحديات التي شهدتها المدينة عبر مر العصور إلا أنها لا زالت صامدة ومحافظة على إرثها التاريخي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق