خارج الحدودسلايدر

المغرب أرض التسامح الديني ومنارة التعايش الإنساني والحضاري

عبد العالي الطاهري

لطالما رَسَّخ المغرب الأسس والمفاهيم القيمية لثقافة التعايش الحضاري الإنساني والتسامح والتكامل الديني، فكانت القيم الروحية والإنسانية وقيم التعايش والوئام والحوار الأساس الذي يقوم عليه المجتمع المغربي، وهي عقيدة تم ترسيخها بفضل رؤية سياسية حكيمة تؤمن بثقافة الحوار والانفتاح وتقبل الآخر، لتكون الزيارة الأخيرة للحبر الأعظم إلى المغرب خير دليل على القيم التي يتشبث بها. وتعطي زيارة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان زخما جديدا للعلاقات الثنائية بين المغرب والفاتيكان، لكنها إلى جانب ذلك تلعب دورا حيويا في تعزيز العلاقات بين العالمين الإسلامي والمسيحي.

والمعلوم تاريخاً وحضارة أن المملكة المغربية ظلَّت على مدار قرون من الزمن متشبثة بالقيم الروحية والإنسانية وقيم التعايش والوئام والحوار لتكون الكلمة الفيصل فيه للسلام بدل النزاع، ويتجسد نهج الرباط في هذا الإطار في العديد من المبادرات الدولية التي طرحتها وفي تبنيها للعديد من المواقع الداعمة للسلام. ويترسخ إيمان المغرب بالقيم الإنسانية وسعيه الدائم لتحقيق التعايش والتسامح في طبيعة التساكن الذي عاش ويعيش على إيقاعها المغاربة المسلمون والمغاربة واليهود والمغاربة المسيحيون جنباً إلى جنب على مرجعية “الدين لله والوطن للجميع”.

وتعطي زيارة الحبر الأعظم زخما جديدا للعلاقات الثنائية بين المغرب والفاتيكان والتي من شأنها تعزيز العلاقات بين العالمين الإسلامي والمسيحي.

وكان المغرب دائما حريصا، وبشكل دائم، على تعزيز الأمن الروحي بين أتباع الديانات المختلفة، حيث تم الاتفاق في شهر ماي من العام 2017 على إحداث لجنة مشتركة للنهوض بالحوار بين الديانتين الإسلامية والمسيحية، بين الرابطة المحمدية للعلماء والمجلس البابوي لحوار الأديان، الذي يوجد مقره بالفاتيكان، مركز القيادة الروحية للكنيسة الكاثوليكية في العالم. وكانت هذه المبادرة الأولى من نوعها في المغرب.

ويضطلع التعاون بين المملكة المغربية والفاتيكان بدور استراتيجي في فتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين العالمين الإسلامي والمسيحي، بفضل السعي المتواصل لتقوية وتعزيز علاقاتهما في سبيل ترسيخ ثقافة الوفاق والتفاهم والتعايش.

وكان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد قال، في برقية التهنئة التي أرسلها إلى البابا فرانسيس بمناسبة اعتلائه الكرسي البابوي، “أود التأكيد لقداستكم ما أتحمله من أمانة دينية وروحية، في صيانة القيم الروحية التي حملتها الأديان السماوية للبشرية، مضمنة في كتبها المقدسة، جاعلا من نفسي واحدا من أولئك المؤمنين بهذه القيم٬ والمدافعين عنها”.

وثَمّن الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات، ميغيل أنغيل موراتينوس، في اجتماع احتضنته جنيف، التزام الملك محمد السادس بتعزيز فضاءات الحوار الثقافي والتعايش، وتوطيد أسس السلام على الصعيد العالمي. كما أشاد بجلالة الملك محمد السادس  ملك المغرب، وبالمبادرات النبيلة التي اتخذها لفائدة تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين الأمم وحماية أماكن العبادة والحفاظ على التراث الثقافي والروحي لمختلف الديانات (الإسلامية واليهودية والمسيحية)، وذلك في لقاء عقد بمكتب الأمم المتحدة في قصر الأمم بجنيف. وكان الاجتماع فرصة لمناقشة تدابير حماية المواقع الدينية والحفاظ على طابعها المقدس.

وأبرز الممثل الدائم للمغرب في جنيف عمر زنيبر الأهمية التي يوليها الدستور المغربي لتعزيز وترسيخ مبادئ التسامح والتعايش وحماية المواقع الدينية. ودعا الأمين العام للأمم المتحدة، خلال ذات اللقاء، في إطار تحالف الحضارات إلى إعداد خطة عمل بهدف إشراك منظومة الأمم المتحدة بشكل كلي في حماية الأماكن الدينية عقب الهجوم الإرهابي على مسجدين في نيوزيلندا.

وتتجه العلاقات بين المغرب والفاتيكان نحو ديناميكية أكبر، بالنظر للأهمية التي يكتسيها في الوقت الراهن عملهما المشترك من أجل تعزيز الحوار بين الإسلام والمسيحية وإشاعة قيم التعايش والتسامح بين الأديان.

ومن خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الحبر الأعظم إلى المغرب، تحرص المملكة المغربية بشكل وطيد على تعزيز العلاقات المتميزة التي تربطها مع الفاتيكان، وهو ما ترسخ سابقا في الزيارة التاريخية التي قام بها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني للمملكة، في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وهي الزيارة التي شكلت بالنسبة للمغرب أساسا متينا لبناء جسور الحوار والتفاهم الأمثل والاحترام المتبادل بين العالمين المسيحي والإسلامي. وحملت تلك الزيارة دلالات إيجابية قوية جسّدها بالخصوص تقبيل البابا يوحنا بولس الثاني أرض المغرب مباشرة بعد نزوله من الطائرة في 19 أغسطس 1985، وبقيت تلك الصورة راسخة في الأذهان رغم مرور السنين.

واعتبر الفاتيكان زيارة البابا للمغرب آنذاك “حدثا غير مسبوق في الحوار بين المسيحية والإسلام”. والتقى البابا حينها 80 ألفا من الشباب المسلمين في مدينة الدار البيضاء. كما تجدر الإشارة إلى أنه سبقت زيارة البابا بولس الثاني محطة راسخة في تاريخ العلاقات العريقة بين المغرب والفاتيكان، وهي اختيار البابا سيلفستر الثاني (999 – 1003م)، متابعة دراسته بجامعة القرويين في فاس، ويقول مؤرخون إن البابا سيلفستر الثاني هو من أدخل الأعداد العربية إلى أوروبا بعد عودته من المغرب.

وافتتح المغرب في العام 1997، سفارته لدى الفاتيكان لتوطيد العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، والمونسنيور فيتو رالو هو السفير البابوي في الرباط. وافتتحت السفارة البابوية بالرباط سنة 1988 وهي واحدة من بين 115 ممثلية دبلوماسية وقنصلية للكرسي الرسولي في العالم. ولطالما كان المغرب أرضا للتعايش بين الثقافات والأديان والحوار، وهو أيضا بلد الانفتاح والتعددية والتنوع الثقافي والحضاري منذ قرون من الزمن.

وقد نُقل عن سفير الفاتيكان بالرباط فيتو رالو قوله إن مؤسسة إمارة المؤمنين بالمملكة المغربية تشكل مصدر ثقة واطمئنان بالنسبة للأجانب المقيمين في المغرب. وكان رالو قد أكد سابقا على الدور المحوري لإمارة المؤمنين باعتبارها من ثوابت البلاد، في إرساء حالة التعايش والوئام والأمن الذي يسود المملكة المغربية.

يذكر أنَّ العاهل المغربي جلالة الملك محمد السادس، سبق أن اتخذ العديد من المبادرات النبيلة لفائدة تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين الأمم وحماية أماكن العبادة والحفاظ على التراث الثقافي والروحي لمختلف الديانات السماوية على المستويين الوطني والدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق