سلايدرسياسة

الحصة وطن …

قلق (الصحافي) عندنا تثيره الأسئلة والشكوك ...!

محمدين محمد اسحق

اذكر انه في العام ١٩٩٨ تواصلت معي لجنة سرية تكونت من أبناء دارفور عرفت باسم (اللجنة الفنية) كانت معنية بالبحث عن سبل النضال الثوري كمنهج حل لقضية دارفور. وقد صارحتني اللجنة بأن النضال الثوري المسلح قد يعتبر حلأ لقضايا التهميش والاقصاء والحرمان من الخدمات الأساسية والاستهداف الممنهج تجاه الإقليم. وقد ابديت وجهة نظر مغايرة لما طرح، وفي النهاية طلبت اللجنة مني كتابة ورقة عن رؤيتي التي طرحتها.

حقيقة سررت لثقة اللجنة في شخصي، ولم اخيب ظنها فكتبت ورقة خلصت فيها إلي أن الحل السياسي هو الأمثل وذلك بالسعي لتكوين حزب يسعي لتحقيق مطالب الإقليم في التنمية والعدالة والمساواة، واشرت فيها ان اللجوء للحل العسكري ستكون له نتائج كارثية علي الإقليم. وقد كان من الواضح أن تلك المشاورات شملت أطراف عدة من النخب الدارفورية المثقفة من مختلف المكونات السياسية.

ما حدث بعد ذلك بات شيئا من التاريخ سيأتي وقت للحديث عنه ولكن .. ما حدث قد حدث وبتنا لسنوات جزءً من الحراك الخارجي الساعي لإيقاف الابادة التي كانت تجري في دارفور، لا أعتقد أن هناك من كان يتوقع أن الثورة المسلحة ستأتي بنتائج كارثية الي الحد الذي لا تزال دارفور وأهل دارفور يدفعون الثمن حتي اللحظة وكذلك السودان كله..

الصراع بين رفاق الخندق والقضية الواحدة

فكل الحسابات كانت خاطئة من كل الأطراف، في النهاية القضية خرجت من الأيدي الوطنية لتكون في أيدي الأغيار، وهذه مسألة قد نأتي للحديث عنها بصورة نقدية بعيدا عن العاطفة التي كانت تقودنا ولسنوات طوال! ولا زلت اذكر كلمات صديقي الراحل الاعلامي الباشمهندس (م،ت) عليه رحمة الله وهو يحدثني بأسي بعد أن كثرت خلافات الثوار ووصلت في بعض الاوقات الي الصراع المسلح بين رفاق الخندق والقضية الواحدة.

سألني محدثي عليه رحمة الله «هل يستحق كفاحنا المسلح ما دفعه ويدفعه اهلنا في الإقليم من ثمن باهظ وكوارث ومحن لا زالت متتالية»، قلت له حينها صديقي السؤال المهم هو هل إذا نجحنا ولا احسب ذلك في ظل خلافاتنا العميقة أن نعيدهم الي ما كانوا فيه من كرامة وأمن وأمان واستقرار في مزارعهم واراضيهم وحواكيرهم؟ والسؤال لا زال هو السؤال والإجابة تغنيك عنها بؤس الحال الماثل في معسكرات الذل داخل السودان وخارجه.

قبيل التوقيع علي الاعلان السياسي لقوي الحرية والتغيير المجلس المركزي في ٨ سبتمبر ٢٠٢١ بقاعة الصداقة، دار حوار عميق بين مكوناتها وبين مكونات الجبهة الثورية من جهة اخري، المعضلة التي تجلت قبل التوقيع هي عدم قبول كل مكونات الجبهة الثورية علي التوقيع علي الاعلان السياسي، من اهم تلك القوي حركة العدل والمساواة وقتها كان رئيس الحركة د. جبريل ابراهيم خارج البلاد، لكن قيادة الحركة حزمت أمرها في الا تكون من الموقعين، ورغم ذلك كان البعض يبشر بأن هذا لن يكون موقف د. جبريل، ولكن في اجتماع لاحق للجبهة الثورية وبحضوره شخصيأ وضح أن موقف المقاطعة كان هو موقف الحركة الثابت. اذ ذاك بطل التيمم وما عاد ما يقال.

وضح أن الاعلان السياسي لقوي الحرية والتغيير كان سيكون له ما بعده، وقتها كنت ثالث ثلاثة على رأس اللجنة الاعلامية للحرية والتغيير- المجلس المركزي، كنت كسياسي مندفعا احسب اننا فزنا على ما عدانا واثبتنا اننا القوة الأكثر تمثيلا في حكومة الفترة الانتقالية.

لكن كان هناك قلق (الصحفي) في داخلي تثيره أسئلة وشكوك عن مدى صلابة الفكرة والنتيجة؟!

محاولات نزع فتيل الأزمة

قلقي وتحليلي للامور أوصلني إلى أن الأوضاع ستسوء وان البلاد مقبلة على أزمة كبيرة، حاولت نقل هذه الخلاصات الي د. الهادي إدريس يحي وبعد عدة محاولات فاشلة في الوصول اليه وكنت في سباق مع الزمن للطلب منه بطلب تأجيل اجتماع كان مقررا لهيكلة الحرية والتغيير بمشاركة بعض قوي الجبهة الثورية. وحين لم اوفق في التواصل معه ارسلت له رسالة صوتية طلبت منه تأجيل الاجتماع والتوقف عن خطوات السير في اتجاه الحرية والتغيير المجلس المركزي لأننا إذا بتنا جزءً من الهيكلة سنكون جزءً من الأزمة، وهذه الأزمة ستلحق الضرر بالبلاد، وبوحدة الجبهة الثورية نفسها ونصحته من هذا المنطلق أن يسعي هو شخصيا لينزع فتيل الأزمة بعد أن ينأى عن الحرية والتغيير المجلس المركزي. كنت اري انه سيكون مقبولا كوسيط بين كل الأطراف.

كنت اري كذلك أن تراجعنا سيقوي من موقف الحمائم داخل الحرية والتغيير المجلس المركزي، والعكس هو الصحيح، وهو ما حدث، إذ أن موقفنا المساند لهذا الطرف من المعادلة جعل الصقور يشعرون انهم أقوي وبالتالي يمكنهم ان المضي قدما دون الآخرين في صناعة الواقع والمستقبل في البلاد، وهي قراءة خاطئة كما تجلت لاحقاً، إضافة الي ان الانسحاب من قوي الحرية والتغيير- المجلس المركزي لو اتبعناه لعزز من وحدة اطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاقية جوبا لسلام السودان، ولتراجعت عملية بناء الحرية والتغيير- الميثاق الوطني، لأن المجموعة هذه تقوت كذلك بوجود قوة مؤثرة واساسية من اطراف العملية السلمية داخلها، وربما حينها كان يمكن جلوس الجميع في طاولة للحوار الموسع والوصول الي تواثق يمكن من عبور المرحلة الانتقالية بأمان نحو الديمقراطية.

(2)

قد تصاعدت وتيرة الخلاف والتصعيد بين شركاء الفترة الانتقالية بعيد الإعلان عن المحاولة الانقلابية الفاشلة بقيادة اللواء عبد الباقي عثمان بكراوي بتاريخ ٢١ سبتمبر ٢٠٢١م، والي هنا كان الامر سيمضي في سلاسة خاصة بعدما أعلن البرهان عن تقديم الضباط الذين شاركوا في المحاولة الانقلابية إلي المحاكمة، ولكن نداء محدود الكلمات من الاستاذ محمد الفكي عضو مجلس السيادة السابق علي الفيسبوك الي الشعب السوداني بالنزول الي الشارع لحماية ثورته نقل الصراع الخفي في دهاليز القصر الجمهوري الي العلن وبصورة متشنجة وبعدها تداخلت اطراف عدة في ازكاء نيران الصراع الذي كان يمكن لملمته ومهما كان ساخنا في حيزه الضيق المفترض، لكن لأن الأمر في حقيقته كان يتمثل في غياب الثقة بين المكونين، والذي أدي في النهاية إلي صعوبة العيش المشترك بينهما، فكان لابد من الطلاق المر في خاتمة المطاف، وسوأ أكان الأمر يرجع إلي الانقلاب المعلن عنه او الي كلمات الفكي الداعية إلي حماية ثورة الشعب من العسكر، فالأمر بات يؤشر الي ان الأزمة في طور الاتساع.

ما حدث جعل الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء المستقيل في موقف لا يحسد عليه بين حاضنته السياسية وبين شركاءه العسكر، وظهر ذلك في انه كان يحاول وحتي اللحظات الأخيرة قبل استقالته، ان يقوم بدور الوسيط في نزع فتيل الأزمة، فقام حمدوك بالالتقاء بكل الأطراف لرأب الصدع بينها، فجلس مع المكون العسكري وبعدها جلس مع قيادات الحرية والتغيير- المجلس المركزي في منزله، كان ذلك بتاريخ السادس من أكتوبر ٢٠٢١م، حينها كان الاعلام والتسريبات المغلوطة من هنا وهناك تزيد من اوار المعركة الكلامية بين كل الأطراف خاصة بعد دخول الحرية والتغيير- الميثاق الوطني علي الخط.

التسريبات الاعلامية ووقف التصعيد الاعلامي

حينها كانت هناك تسريبات اعلامية تشيع بأن العسكر حددوا لحمدوك اسماء بالاسم لاستبعادهم من الحكومة من بينها كما اشيع الاستاذ خالد سلك، وتم توجيه السؤال لحمدوك عما إذا كان العسكر طلبوا منه هذا الطلب أو ذكروا له شيئا في هذا الخصوص؟ فكانت اجابته بالنفي.

المسألة الأخرى التي طرحت كانت ما هي مطالب العسكر من الحرية والتغيير المجلس المركزي، فكانت الاجابة وقف التصعيد الاعلامي.

في ظني لو أن الحرية والتغيير المجلس المركزي وبالذات في لجنتها الاعلامية خففت من معركتها الاعلامية علي المكون العسكري لمهد ذلك لخوض حوار مباشر مثمر بين المكونين.

النقطة الأخرى المهمة هنا في أن قحت- المجلس المركزي استخفت بمساعي تكوين قحت- الميثاق الوطني وبمدي ما يمكن ان تحدثه تلك الخطوات في الواقع السياسي في ظل انسداد التواصل مع العسكر.

بالتأكيد قرارات رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان في تجميد العمل بالوثيقة الدستورية دشنت الفراق الرسمي بين المكون العسكري والحرية والتغيير- المجلس المركزي. وان افلحت الأخيرة في تحريك الشارع عبر واجهاتها الخفية، لكن تظل الحقيقة أن المظاهرات المتتالية تحت دعاوي مقاومة انقلاب البرهان تظل متفاوتة الأثر والتأثير في ظل انقسام الشارع نفسه بين داعم ومعارض ومحايد لقحت المجلس المركزي، والذي تجلي في طرد قيادات منها من قبل بعض المتظاهرين.

وبقدر ما كانت رسالة التظاهرات من مظاهر إثبات الوجود في الشارع السياسي الا انها ارسلت رسالة سالبة للمجتمع الدولي في عدم مقدرة القوي السياسية على ضبط الشارع، وهذا مؤشر يحمل مخاطر جمة لما يمكن ان ينتج عنه إذا استمرت التظاهرات التي قصد منها إنهاك سلطة البرهان، لكنها في المقابل باتت تميل الي الفوضى والانفلات. وبعثت برسالة غير مريحة الي المحيط الإقليمي والدولي بأن الامور في السودان قد تكون خارج السيطرة إذا استمرت على هذه الشاكلة من حالة الاحتقان وعدم الوصول الي حل للازمة المستمرة منذ شهور، وعلى المستوي الداخلي فالسودان بات بين أن يكون او لا يكون. والأزمة المتفجرة إذا لم تحل سياسيا فستتحول الى كارثة ستلقي بظلالها وتأثيراتها السالبة على الأمن والاستقرار في المحيط الاقليمي.

(3)

آنفا قد تحدثنا عن النتائج الكارثية التي نتجت عن الثورة المسلحة في دارفور، والحسابات الخاطئة من كل الأطراف وخروج القضية من ايدي أبناء الوطن الواحد لتصبح في يد الاجنبي، ولا زلنا نشهد تأثيراتها السالبة من ناحية النزوح واللجوء والانفلات الأمني في الإقليم رغم سقوط النظام البائد، كذلك تحدثنا عن أن دخول أطراف العملية السلمية في العراك السياسي بين المكون العسكري والمدني ساهم في زيادة حدة الخلافات والتي انتهت الي فراق بينهما والتي توجت باستقالة رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك بسبب التظاهرات الداعية إلي إسقاط الاتفاق السياسي بينه وبين عبد الفتاح البرهان.

من الواضح أن القوي السياسية الدافعة باتجاه التصعيد الجماهيري في الشارع تراهن على عدة أشياء منها إعادة مشهد الثورة الشعبية العارمة التي أطاحت بحكم الدكتاتور عمر البشير، عبر التظاهرات، كما انها تأمل في ان استمرارية هذه التظاهرات المتتابعة ستؤدي الي انهاك المنظومة الأمنية، واستنزاف مواردها المالية والبشرية مما يجعلها تحقق في النهاية ما تصبو اليه من إزاحة المكون العسكري من الساحة. فيما نري الان تحول هذا المظاهرات لتكون اشبه بحرب الشوارع، فبات مشهد قذف عناصر الشرطة بالحجارة عاديا، وفي المقابل ترد الشرطة بالغاز المسيل للدموع والعنف المفرط، وسط تقارير تتحدث عن استهداف المتظاهرين بالرصاص الحي الذي نتج عنه قتلي، فيما تتحدث تقارير اخري عن جهة ثالثة تقوم بعمليات قنص المتظاهرين بغرض تحويل مشهد التظاهرات السلمية المعتادة الي حروب شوارع مباشرة بين قوات الشرطة والشارع المحتج.

سيناريو المقاومة المسلحة..!!

هذا السيناريو قد يتطور ليصبح مقاومة مسلحة في شوارع الخرطوم بين قوات الأمن وعناصر مدنية ثورية، وحينها ستفقد الثورة سلميتها المعهودة، وتصبح تمردا يعطي السلطة الحاكمة المبرر للحسم العسكري واستعمال الحل الأمني العنيف مثلما حدث في دارفور. وهذا في حد ذاته قد يعطل الفترة الانتقالية ويعطي الشرعية للعسكر في الاستمرار بتعطيل مسار الانتقال الديمقراطي، وتطبيق قوانين الطوارئ والأحكام العرفية في البلاد، هذا السيناريو المخيف لا يمكن استبعاده في ظل وجود قوي وجهات متعددة لا تريد للتحول الديمقراطي ان يتم في السودان، ولا يهم هذه الجهات ان تدخل البلاد في اتون حرب تحرق ويحترق فيها الجميع!

الحقيقة التي يغفل عنها بعض الناس ان ضمانة عملية الانتقال الديمقراطي تتطلب وحدة القوي السياسية من ناحية، ومن الناحية الأخرى وحدة هذه القوي مع المكون العسكري الذي شارك في عملية الاطاحة بنظام المؤتمر الوطني، وهو قد عمل علي حقن الدماء من أن تسيل في شوارع الخرطوم، في وقت كان يخطط ويعمل فيه رأس النظام المعزول علي قتل ثلث الشعب ليستمر في حكمه علي جماجم الأبرياء وصرخات الثكالى، فهو قد اعترف بقتل ١٠ ألف مواطن في دارفور بدون وجه حق، الأخيرة هذه هي كلماته، بينما التقارير الدولية المحايدة تتحدث عن مقتل أكثر من ٣٠٠ الف مواطن. بالتالي انا اعتقد ان انحياز قوات الشعب المسلحة وقوات الدعم السريع وقوات أمنية اخري الي صفوف الثوار أجهض مخططات البشير الدموية تجاه الشعب.

ويبدو هنا أن القوي السياسية لم تستفد من دروس الماضي في تاريخ السودان الحديث، إذ كان التشاكس بين بعضها البعض، هو المدخل الذي كان يستغله انقلابيو ومغامرو الجيش في إجهاض اي ديمقراطية قائمة او قادمة.

المرحلة الانتقالية الحالية تحسب لها في انها جمعت توليفة عسكرية- مدنية، يمكن لها ان تصل بالفترة الانتقالية الي بر الديمقراطية، وذلك عكس ما حدث في فترة المجلس العسكري الانتقالي في العام ١٩٨٥ بقيادة الراحل المشير عبد الرحمن سوار الذهب، والذي حكم البلاد الي قيام الديمقراطية الثالثة التي اطاح بها انقلاب الجبهة الاسلامية والذي استفاد من أجواء الصراع بين القوي السياسية.

وقريب من هذا حدث في أول انتخابات بعد الاستقلال، والتي اتت بالزعيم اسماعيل الازهري رئيسا للوزراء ولم يلبث في السلطة الا أشهرا معدودة، فسقطت حكومته جراء صراع داخلي بينه وبين زعيم الختمية الروحي السيد علي الميرغني فانشق الاتحاديون بسبب ذلك الي حزب الشعب بقيادة علي الميرغني والحزب الاتحادي الوطني الديمقراطي برئاسة الازهري، مما أدي صعود عبد الله خليل وحزب الأمة الي السلطة، لكنه ما لبث أن سلمها بسبب الخلافات بين الأحزاب السياسية الي الجنرال ابراهيم عبود.

وللغرابة فإن الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو سقوط عبود بثورة أكتوبر المجيدة في العام ١٩٦٤، والذي حاول الاستمرار في حكمه بعيد الثورة، لكن وحدة القوي السياسية وقتها من اقصي يمينها الي اقصي يسارها لم تجعل له مجالا الا تسليم السلطة الي القوي المدنية كاملة الدسم، والتي سلمتها لحزب الأمة الفائز في انتخابات عام ١٩٦٥، لكن مرة اخري تطفو الخلافات السياسية الي السطح، وهذه المرة بين جبهة الميثاق(الاخوان المسلمين) والشيوعيين، ونتيجة للمكائدات والسعي وراء الكسب السياسي الضيق، تم ابعاد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان بسبب حادثة فردية تهجم فيها طالب شيوعي علي ما اعتبر مسيء ببيت النبي(ص)، وكان رد الشيوعيين بدعم ومساندة انقلاب مايو بقيادة جعفر النميري. وهكذا يقوم الساسة كل مرة بتكرار نفس الأخطاء المريرة التي تؤدي في النهاية إلي استلام الجيش للسلطة.

الاستحواذ علي القسمة المدنية..!

نفس هذه الاطماع تجلت ووضحت وقتما كانت قوي الحرية والتغيير- المجلس المركزي هي الممثل المدني في السلطة، فأرادت الاستحواذ علي كامل القسمة المدنية لتكون حكرية لها او للتنظيمات المنضوية تحتها بما فيها الأطراف الموقعة علي سلام جوبا.

نفس المطامع والمطامح الحزبية الضيقة تجلت قبل وأثناء وبعد مفاوضات جوبا، وما يدعو للاستغراب ان قحت كانت في مراحل مختلفة من التفاوض تعمل على إعاقة العملية السلمية بأعذار واهية. في الوقت الذي كان فيه المكون العسكري يبدو هو الأكثر حرصا على انجاز السلام وإيقاف صوت البندقية.

عودة الي بدء ان اعتماد قحت- المجلس المركزي على آلية التظاهرات الحالية للإطاحة بالمكون العسكري، تبدو غير مجدية في ظل متغيرات عدة يمكن ملاحظتها، أهمها ان الشارع ما عاد شارعا واحدا، والأنكى من هذا رغم سيطرة واجهات قحت المدنية على دعوات وتنظيم التظاهرات، يبدو أنها باتت لا تملك السيطرة الميدانية عليها. واصبحت هذه التظاهرات أقرب للفوضوية من السلمية، ولا ادل من ذلك حوادث طرد قيادات من قحت والاعتداء عليهم أثناء مشاركتهم في هذه المظاهرات.

وهذا هو مكمن الخطر فالشارع المتحرك الان لا تقوده قيادة واضحة والامور تكاد تفلت ممن ينادون للخروج والتظاهر ضد العسكر.

دعوة الامم المتحدة للحوار (السوداني- السوداني) والتي أطلقها ممثل الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة اليونيتامس الالماني بيرتس فولكر بالأمس تعتبر مؤشرا على تخوف القوي الدولية من خروج الأوضاع في السودان عن السيطرة التي قد تؤدي الي حدوث تهديد للسلم والامن الاقليميين. دعوة فولكر لأنهاء العنف بقدر ما هي موجهة في الظاهر الي السلطات الأمنية بوقف قمع المتظاهرين، الا انها رسالة مبطنة للقوي السياسية التي تدعو للتظاهر بوقفها والسيطرة على العناصر التي تجنح للعنف تجاه عناصر الشرطة، والدعوة الي سحلهم والاعتداء عليهم، وهذه اشياء يصعب الدفاع عنها، حتى لو كانت القضية نبيلة وعادلة.

التغيير والانتقال الديمقراطي

النقطة الجديرة بالاهتمام هنا كذلك انه يبدو ان هناك إجماع دولي علي مسألة الحوار السوداني- السوداني، وبمشاركة الجميع ما عدا المؤتمر الوطني او من يرفضه بتلقاء نفسه، والجميع هنا تشمل المكون العسكري وقوي الحرية والتغيير/ المجلس المركزي والميثاق الوطني والقوي المدنية والشبابية وكل أصحاب المصلحة في التغيير والانتقال الديمقراطي، وعلي العكس من ظن البعض ومن بينهم بعض اطراف العملية السلمية، من أن تدخل الأمم المتحدة سيكون مباشرا ووفق أجندة منحازة لطرف علي طرف، أكد فولكر ان دور المنظمة الدولية سيقتصر علي جمع ودعوة القوي والتنظيمات السودانية للوصول الي حل يضمن التحول الديمقراطي السلمي في البلاد.

في اعتقادي ان القوي الرافضة للحوار داخل الحرية والتغيير- المجلس المركزي، ستجد نفسها في موقف لا يحسد عليه. ولكن يصبح الأمل معقودا علي الجناح المعتدل داخلها الي العودة الي المشهد والمشاركة بفاعلية في الحوار (السوداني- السوداني) بشكل يجنب البلاد مزالق الفوضى التي تمضي إليها، وكما يقول المثل الغربي: (خاطئان لن يصنعا صوابا واحدا) – و بكلمات اخري فان تكرار الأخطاء التاريخية الماضية بالإصرار علي تحقيق المكاسب الحزبية الضيقة لن تؤدي الي ديمقراطية انما الي انتكاسة عنها،  وحينها لن يفيد البكاء علي اللبن المسكوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق