عاصم فقيري
سأتناول في مقدمة مختصرة بعضا مما تتطرق إليه في كتابات سابقة منها (طبيعة الشخصية العربية والزعامة الطائفية والقبلية) وكذلك (التصوف وطبيعة الشخصية السودانية) والاخير تم نشره في عدد سابق في المدائن بوست.
إن طبيعة الشخصية العربية قبل وبعد الإسلام، معروف انها طبيعة قبلية تسيطر عليها الزعامة القبلية والطائفية، والزعماء قبل الإسلام وبيوتاتهم كانت أيضا نفسها زعماء وبيوتات بعد الاسلام، حيث ان الإسلام لم يتمكن من احداث تغيير جذري كامل لشعار (الناس سواسية)، وهذا الشعار يشبه لحد كبير شعار (دولة المواطنة)، رغم ان الإسلام بعد الهجرة واكتساب قوة كبيرة استطاع من خلالها فرض سيطرة دولته الا انه لم يستطيع أن يثبت مفهوم المواطنة بذات القوة التي ثبت بها اركان الحكم والرسالة، وكانت هناك فقط تجارب فردية لا تعمم على تاريخ الإسلام بصورة شاملة!
عدم تعميم فكرة ومفهوم المواطنة كانت نتيجته ظهور مدرسة اسلامية تنادي وترفع شعارات الناس سواسية والتي هي نفسها كما أسلفنا شعارات دولة المواطنة، وعرف عن ابا ذر الغفاري انه من اوائل الصحابة الذين نادوا بدولة المواطنة بل ذهب الى ابعد من ذلك ونادى بالمسؤولية الاجتماعية أي ما يكون هو أقرب الى الاشتراكية في نظام الدولة!
طبيعة الشخصية العربية ومنذ قبل الإسلام في الجزيرة العربية اتسمت بضرورة وجود الزعيم الاوحد والذي يتم تقديسه لدرجة بعيدة يصعب معها مجابهته وهذه الزعامة فرضتها طبيعة الحياة في طوائف قبلية كانت تحارب بعضها البعض لأغراض اقتصادية ومعيشية منها السرقة والتغول على أراضي بعضها البعض لأغراض الرعي وما الى ذلك، كما أن الطائفة او القبيلة تشكل حماية للفرد المنتمي إليها.
هجرات العرب الى مختلف الدول كرست نفس المفهوم في دول كثيرة ومنها السودان حيث انتقلت اليه فكرة الزعيم وتكرست عبر السنين الى ان أصبح تصنيم الزعيم احدى سمات التمسك بالزعيم.
وهي تقريبا نفس فكرة المخلص الذي ينتظره المجتمع للقيام بأدوار تعجز عنها المجتمعات، وهذا العجز فقط بسبب فكرة انه لا بد من وجود زعيم مخلص.
هذه الفكرة نجدها اخذت صورا مختلفة حتى بعد تطور المجتمعات والوصول الى صيغة الاحزاب السياسية، بدأت في السودان أيضا بأحزاب طائفية وبزعامات سميت بالقيادات التاريخية ويظل القائد او الزعيم في الحزب الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا!
وللأسف حتى الرؤساء في الدول العربية يبدؤون رؤساء جمهورية وسرعان ما يتحول الرئيس الى زعيم يسبق اسمه لقب الزعيم (جمال عبد الناصر، صدام، قذافي ونميري) وكذلك سمي البشير أيضا بالزعيم وهكذا!
الآن وبعد هذه الثورة السودانية والتي لا زالت مشتعلة بشعاراتها الواضحة، الا انها لا زالت هناك فئات تفكر أيضا في الزعيم والمخلص وكأنها تنتظر المعجزات التي تأتي لها بزعيم اوحد رغم ان الشعارات تنادي بأن السلطة سلطة شعب!
ولكن كما يقال الطبع غلاب ولا زال التصنيم معشعش في العقل الباطني وشعار العقل الباطني يختلف عن شعار الشارع العرض!
العقل الباطني يقول: التصنيم والحاجة لزعيم!




