ثقافة وفن

الْمُؤَسَّسَات الدِّينِيَّة … تَغْذِيَة التَّكْفِير وَالْهَوَس الدِّينِي

خَمْس رَسَائِل إلَى الأَزْهَر (مِصْر)- رَابِطَةٌ العَالَمِ الإِسْلاَمِي (السَّعُودِيَّة)- جَامِعَة أُم الْقُرَى (السَّعُودِيَّة) - جَامِعَة أَم دُرْمان الْإِسْلَامِيَّة (السُّودَان) - َوَزَارَة الشُّؤُون الدِّينِيَّة الْأَوْقَاف (السُّودان)

دكتور عبد الله الفكي البشير

يكشف هذا الكتاب عن دور المؤسسات الدينية في تغذية التكفير والهوس الديني في السودان، وفي الفضاء الإسلامي، وذلك من خلال مواقفها من المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه. طرح طه الفهم الجديد للإسلام عام 1951، وأخذ يفصل فيه ويدعو له، فما لبث أن واجه الحكم بالردة عن الإسلام عام 1968، ومرة أخرى بالردة والإعدام، ليتم تنفيذ حكم الإعدام عليه في الخرطوم صباح 18 يناير 1985. رصد الكتاب دور المؤسسات الدينية في تكفيره، والحكم عليه بالإعدام، فانتخب خمساً منها، تقصي مواقفها وخاطب القائمين عليها اليوم، والمؤسسات الخمس هي: الأزهر، ورابطة العالم الإسلامي، وجامعة أم القرى، وجامعة أم درمان الإسلامية، ووزارة الشؤون الدينية السودانية، كما غشي الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وهيئة علماء السودان. التزم الكتاب بمنهج توثيقي صارم، وسعى لإظهار جمود الفكر، وضعف الورع العلمي، وتناقض المواقف في تلك المؤسسات. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، كان الأزهر في 5 يونيو 1972 قد أفتى بكفر محمود محمد طه، ووسم فكره بأنه «كفر صراح»، ليجيء شيخ الأزهر بعد نحو نصف قرن من الزمان، ليعلن موقف الأزهر من التكفير في 28 يناير 2020، قائلاً: «التكفيرُ فتنةٌ ابتليت بها المجتمعات قديمًا وحديثًا، ولا يقول به إلا متجرئ على شرع الله تعالى أو جاهل بتعاليمه، ولقد بينت نصوص الشرع أن رمي الغير بالكفر قد يرتدُّ على قائله فيبوء بإثمه، والتكفير حكم على الضمائر يختص به الله سبحانه وتعالى دون غيره». وبنفس القدر كانت رابطة العالم الإسلامي قد أصدرت حكماً بردة محمود محمد طه قبل نحو نصف قرن من الزمان، لنجدها اليوم تتبنى قيادة الاعتدال، ورفض التكفير، ومحاربة الغلو والتطرف.

أما جامعة أم درمان الإسلامية فقد كانت مطية الأزهر في تغذية التكفير والهوس الديني، وتكييف المزاج الديني في السودان. فقامت بدور خطير في غرس الفتنة وبث ثقافة الردة، ولا يكفي تطهيرها، إلا بإعادة النظر في فكرة وجودها. كذلك تجلى دور جامعة أم القرى في إجازتها لأول أطروحة دكتوراه عن الفهم الجديد للإسلام، مثَّلت الأطروحة أنصع نموذج لنشر الجهل، وتسييل الخزعبلات والخرافة، فضلاً عن تلويث الفضاء الإسلامي والإنساني. وكذلك الحال كانت هيئة علماء السودان، منبعاً للشرور الفكرية، ولا سبيل للتعافي من شرورها إلا بحلها وإعادة تعليم منتسبيها. أما دور وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، فكان على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولا يمكن وصفه بأقل من الغدر، والتآمر، على الفهم الجديد للإسلام وصاحبه.

يُعبر هذا الكتاب بفصاحة عن أزمة الفكر الإسلامي، ويقدم دليلاً ناصعاً على ضعف الوازع الأخلاقي في المؤسسات الدينية، وغياب فضيلة الرجوع إلى الحق في تاريخها إزاء إرثها التكفيري. ولهذا، فالكتاب يدعو إلى الثورة الأخلاقية، لتحرير الشعوب الإسلامية من هيمنة المؤسسات الدينية، ومن وصاية رجال الدين، مُذكراً بأن دور الثورات الشعبية في تغيير الأنظمة السياسية لم يعد كافياً، وإنما المطلوب الثورة الفكرية التي تؤدي إلى الثورة الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق