ثقافة وفن

بائعة الآيسكريم (مجموعة قصصية)

الحلقة الثانية تبني زهرة

د. إسماعيل النجار

وبعد فترة طلبت العودة لمدرستها، ورفضوا بحجّة عدم قدرتهم على الإنفاق على دراستها، لتذكرهم بالمبلغ الذي دُفِع من قِبل سائق الشاحنة، ليردوا عليها أنها صرفت لدفن والدتها وتسديد إيجار المنزل، وردت أنها سدّدته بنفسها، لتقول خالتها: استقبلناك وضميناك، والآن تتطاولين! لتسكت زهرة مغلوبة على أمرها تحت التهديد، وطلبوا منها أن تعمل أو تخدم في أحد المنازل مقابل حصولها على أكلها وشربها، ورفضت، وعندما هدّدت بالطرد قبلت العمل في صناعة الآيسكريم وبيعه، وحصلت على مبالغ من زملائها ومعاريف والدتها، وأخذته، وطلبت من إحدى زميلاتها شراء بعض أدوات ومواد صنع الآيسكريم، وعندما سلمت لها الأدوات سألتها خالتها، وأجابت إن أصحاب الخير قاموا بشرائها، وطلبت خالتها أن تبيع بعضها بحجّة أن أدواتها السابقة موجودة، لترد أنها بحاجة للقديمة والجديدة. وفي هذه المرة تعرضت للإهانات والضرب، اضطرها للهروب من المنزل لإحدى زميلاتها في المدرسة، ويعمل والدها في جهاز الأمن، ليتعاطف ويحزن لقصتها، واستدعى خالتها وزوجها، وهددهم إذا لم يتعاملوا معها بالرحمة والرفق، أو يطردوها سيتعرضون للعقاب. وحاولوا إيجاد مبررات للتخلص منها، لكنه أصر على عمل الالتزام بكفالتها، وعدم التجبر عليها، على أن تقوم بصناعة الآيسكريم لتنفق على نفسها وتساعدهم مالياً، وبدأت بصناعة الآيسكريم، ووضعه في الحافظة، والذهاب للمدارس لبيعها، بما فيها مدرستها لتجعل زملاءها في حالة حزن وتعاطف معها بشراء الآيسكريم، وحاولوا دفع مبالغ صدقة، ولكنها رفضت لتعود لمنزل خالتها ومعها مبلغاً مالياً أذهل خالتها والجميع، وبدأوا يطلقون عليها بالدجاجة التي تبيض ذهباً، ليحسنوا علاقتهم معها.

صممت زهرة على الدراسة، وأخذت منهج ابنة خالتها، وشغلت معظم وقتها في دراستها واستيعابها خلال فترة بقائها في البيت، وأثناء زيارتها للمدارس وتوزيعها للآيسكريم تدخل على بعض المدرسين ليساعدوها في تجاوز بعض الصعوبات الدراسية، وتعاطف معها الكثير من المدرسين ليشجعوها، ولم تقتصر دراستها على سنة ثالثة، بل تجاوزتها لمنهج سنة رابعة، وبنفس الفترة كانت تدرّس أولاد خالتها، وأصبحوا عرضة للإهانة من أمهم ووالدهم، ويسألوهم كيف أن زهرة تبيع الآيسكريم وتدرس مناهجهم وتعود لتدريسهم؟! ووصفوهم بالبلداء، وطلبوا منهم أن يجدّوا ويجتهدوا مثلها، فهي لا تفارق الكتب ليلاً ونهاراً، وفي فترة الظهيرة تأخذ الحافظة من الساعة الرابعة حتى الخامسة لتبيع الآيسكريم على الساحل المأهول بالعوائل، وفي بعض الاوقات تلتقي بزميلاتها الطالبات لتساعدهم في شرح بعض المواضيع غير المفهومة.

تميزت زهرة أثناء بيعها للآيسكريم بقوة الملاحظة، وحركة عينيها ورأسها، وخفة حركة جسمها القصير والممتلئ، وتغطي رأسها بقماش أسود، وتنتقل بين العوائل بسرعة فائقة كالنحلة المتنقلة بين الزهور والأشجار، وفي بعض الأوقات تشكو أثناء تنقلها من معاكسة الجبالية، وتصفهم بالهمج لاعتراضهم طريقها، ومحاولة استدراجها، وأصبح لديها عقدة خوف من كل جبلي.

تعوّدت زهرة عند مرورها بالمدارس الوقوف أمام أو بجوار أبوابها، وخاصة سنة ثالثة ورابعة، لتسمع شرح المدرسين ونقاشهم مع الطلاب، وتتفاعل معهم بكل أحاسيسها وجوارحها، لدرجة ترديد والرد على شرح المدرس، وقد تسبقه بالشرح وتسبق الطلاب بالإجابة عن الأسئلة بصوت مرتفع، ليفتح المدرسون الباب بين الوقت والآخر ويبتسمون لها، ويتركون الباب مفتوحاً، بشرط أن تكون هادئة، وعندما يسمع الطلاب صوتها يتهامسون مع بعض قائلين: بائعة الآيسكريم. لدرجة إحداث ضوضاء، وفي بعض الأوقات يفتح المدرس الباب، فيجدها قد اختفت أو ابتعدت مسرعة عن الباب، وخاصة أثناء حدوث ضوضاء داخل الفصل، ويتعاطف المدرسون معها بقوة، وعند لقائها أو مرورها يستوقفونها ويتحدثون معها، ويسألونها بعض الأسئلة تدريجياً حتى يصلون لأسئلة تحتاج لقدرة كبيرة في الاستنتاج، لتجيب عليهم بطلاقة، وبعضهم تدمع أعينهم، ويناقشون إمكانية تقديم المساعدة لها، ليصطدموا بكثير من المعوقات، كالأنفاق عليها وتربيتها، وحاجة أسرة خالتها لمساعدتها.

شاع أسم زهرة في جميع مدارس الحديدة، طلاباً ومدرسين وإداريين، لتصبح مثلاً للذكاء والاجتهاد، وكسب لقمة العيش، وما أن يظهر طالب مبدع إلا ويقولون يحمل عقلية أو عبقرية بائعة الآيسكريم، وظلت تتابع الدراسة بنشاط وجد حتى سادس ابتدائي، ولاقت تعاطفاً كبيراً في الأوساط التعليمية.

وفي بداية الدراسة لسادس ابتدائي، أرسلت الوزارة لجنة تقييم مستوى الطلاب، والتفتيش على أداء المدرسين، وتتكون من كبار موجهي الوزارة، مصريين ويمنيين وسوريين وعراقيين وغيرهم، ويرأسهم أستاذ مصري اسمة محمد مرزوق متولي، وخطرت على مدير المدرسة محمد نعمان الذبحاني فكرة إعادة زهرة للمدرسة، ونسق مع المدرسين ليطرح موضوعها على الموجهين بإيجاد طريقة لمشاركتها في النقاش، وتعمدوا أثناء وجود اللجنة ترك الباب مفتوحاً، وما أن دخلت اللجنة التوجيهية، كانت زهره بجوار الباب تسمع وترى كل ما يحدث، ووضعت حافظة الآيسكريم بين رجليها، وبدأ الموجهون توجيه الأسئلة ليجيب الطلاب عليها، وعندما توقفوا عن الإجابة يؤشر لها مدير المدرسة، لترفع يدها وصوتها قائلة: أنا اُجيب يا أستاذ. لتلفت انتباه الجميع إليها، وأثارت استغراب الموجهين، ويتهامس الطلاب: بائعة الآيسكريم ستجيب. ليقول مدير المدرسة: استمعوا لبائعة الآيسكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق