سياسة

تهجير إسرائيل للمقدسيين… دعم لفظي من السلطة للمتضررين

مجد علي

يكشف تحقيق «العربي الجديد» عن تباينات في خطاب السلطة الوطنية الفلسطينية الرسمي في مواجهة تهجير إسرائيل للمقدسيين، إذ تكتفي بدور هامشي شديد الضعف، بينما تورطت الجهات المسؤولة عن المدينة في إهمال ومخالفات قانونية.

– اضطر الأربعيني الفلسطيني منتصر أبو فرحة وزوجته وأطفالهما الخمسة لمغادرة مدينة القدس واستئجار منزل في بلدة كفر عقب خارج أسوار المدينة، بعد هدم الاحتلال بيته لمرتين، الأولى في عام 2017 والثانية في 2019، بذريعة البناء دون ترخيص.

لكن معاناته لم تنته بالتهجير، إذ لا يزال يسدد تكاليف البناء المتراكمة، والتي تبلغ 200 ألف دولار بالإضافة لمبلغ 800 دولار شهريا إيجار المنزل الذي يسكنه حاليا، رغم أنه لا يتناسب وحجم عائلته، كما يوضح في إفادته لـ «العربي الجديد».

يضيف أبو فرحة أنه توجه لمحافظة القدس التابعة للسلطة الفلسطينية من أجل مساعدته في تسديد الإيجار الشهري، كونها الجهة التي تقدم المساعدات لمن هدم الاحتلال منازلهم، لكنه تلقى مبلغ 8 آلاف دولار فقط في 2017، بينما قوبل طلبه بالمساعدة عن الهدم الثاني في 2019 بالرفض. مشيراً إلى أن الضرر الذي وقع على عائلته يتجاوز الحدود المادية، إلى معاناة هائلة تعيشها العائلة، وتراجع تحصيل الأطفال تعليمياً بسبب عدم قدرتهم على التأقلم مع الواقع الجديد.

معاناة أبو فرحة متكررة، إذ هدمت قوات الاحتلال خلال الفترة الواقعة بين بداية العام الجاري و14 سبتمبر/أيلول الماضي 117 منزلا ومنشأة في القدس، ما تسبب بضرر لـ 1146 شخصا، اضطر 210 منهم لهجرة المدينة، أي أن ما نسبته 18% من المهدمة منازلهم، وفي عام 2020 هدم الاحتلال 174 منزلا ومنشأة في المدينة، ما أدى إلى تضرر 747 شخصا، اضطر 391 منهم للهجرة، أي ما نسبته 52% من المتضررين، وفق إحصائيات أعدها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي المحتلة.

ماذا جرى لخطة إنقاذ القدس؟

وافقت الدول العربية خلال قمة سرت في ليبيا عام 2010 على خطة فلسطينية بعنوان «إنقاذ القدس» وتقضي برفع مقدار الدعم المالي من 150 مليون دولار كما كان مقررا في قمة بيروت 2002 إلى 500 مليون دولار، لكن ذلك لم يترجم واقعا ورُحِّلت المساعدات إلى عدة قمم بعدها دون نتيجة، كما يقول نائب محافظ القدس عبد الله صيام في إفادته لـ»العربي الجديد»، مشددا على أن المطلوب هو إنشاء صندوق عربي قادر على دفع مبالغ كالتي تترتب على المقدسيين المهدمة بيوتهم ودعم صمودهم في المدينة.

ويشير صيام إلى عملية هدم 120 شقة بوادي الحمص في صور باهر خلال يوليو/تموز 2019، بذريعة قربها من الجدار الفاصل، إذ شكلت ثاني أكبر عملية هدم جماعي بعد احتلال المدينة عام 1967، قائلا: «متوسط ثمن الشقة الواحدة يصل كحد أدنى إلى 150 ألف دولار، وفي هذه الحالة نتحدث عن 18 مليون دولار خسرها المقدسيون في أقل من 48 ساعة، وهذه مبالغ لا يمكن التعامل معها أو تعويضها، وتابع: «تكاليف البناء في القدس مرتفعة، وعمليات الهدم كثيرة وفي ازدياد، ولا يمكن للسلطة الفلسطينية أن تعوض أصحاب المنازل بمبالغ كبيرة، في ظل أنها تعيش حالة من تجفيف الدعم المالي الذي يشبه الحصار».

تقييم وعود السلطة

في 22 يوليو 2019 قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الراحل، صائب عريقات، إن الحكومة قررت وبتعليمات من الرئيس محمود عباس وضع كل ما يلزم لجبر الضرر عن العائلات المتضررة في القدس من إسكان وتعويض كامل، وفي 27 يوليو وعد رئيس الوزراء محمد اشتية، خلال الجلسة الأسبوعية لمجلس الوزراء بدعم الحكومة لأصحاب البيوت التي تعرضت للهدم في حي وادي الحمص، وتوفير كل متطلبات الصمود لهم في مواجهة محاولات تهجيرهم عن أرضهم.

لكن محمد أبو طير، أحد أعضاء لجنة أهالي وادي الحمص، والذي فقد بناية كاملة في عملية الهدم، يقول لـ»العربي الجديد»: «الحكومة التزمت بدفع ثمن الشقق لأصحابها على 20 دفعة، غير أنها تتلكأ في تطبيق قرارها بحجة الوضع المالي، «وأصبحنا نتنقل بين الوزارات والهيئات من أجل معرفة لماذا يتم التعامل مع قضيتنا بهذا التهميش، لكن لسان حالهم يقول «حلوا عنا»، متفقا بذلك مع ما أكده عضوا هيئة العمل الوطني والأهلي في القدس (هيئة تضم الفصائل الوطنية والإسلامية والمؤسسات العاملة بالمدينة)، مازن الجعبري وراسم عبيدات، بأن السلطة الفلسطينية تنصلت أصلا من الالتزامات التي وعدت سكان وادي الحمص بها، ولم توفر لهم الاحتياجات الأساسية، وهذا الأمر ينسحب وفق إفادتهما لـ»العربي الجديد» على عمليات الهدم الأخرى، التي تواصلا بشأنها مع المؤسسات الرسمية لكن دون جدوى.

ويؤكد الجعبري، وهو باحث في السلوك الإسرائيلي بالقدس المحتلة في مؤسسة الدراسات العربية، أن السلطة الفلسطينية يمكنها أن تمنع نسبة مهمة من عمليات هدم المنازل إما من خلال المساهمة في ثمن رسوم رخص البناء المرتفعة، أو من خلال تسهيل معاملات القروض للمقدسيين عبر البنوك الفلسطينية وهو ما يمكنهم من الاستئجار أو البناء، خاصة وأن النسبة الأكبر لعمليات الهدم تتم بذريعة البناء بغير ترخيص، كما يشير الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق المقدسيين، (يضم مجموعة من المؤسسات الأهلية)، في دراسة أعدها حول هدم المنازل بين عامي 1967 – 2007.

لكن بعض العائلات التي هدمت منازلها يجتمع في تفاصيل قصتها أكثر من سبب للمساعدة، كما في حالة محمد الشرباتي، الذي لا يقوى على المشي بدون عكازين، وهو ما يمنعه من العمل وسداد مبلغ 200 ألف دولار ترتب عليه لأصحاب مواد البناء ومخالفات بذريعة عدم الترخيص بعد هدم منزله عام 2019، ما اضطره لمغادرة المدينة باتجاه بلدة عناتا الواقعة شمال شرقي القدس كما يقول لـ»العربي الجديد»، مشيرا إلى أن السلطة الفلسطينية منحته مساعدة بقيمة 3 آلاف دولار فقط، فيما ساهمت بإيجار المنزل الذي لجأ إليه لفترة 3 أشهر فقط.

ويكشف الشرباتي الذي يعيش مع زوجته وابنيه الاثنين بلا معيل، أنه تلقى مساعدة من مؤسسات دولية بما مجموعه 10 آلاف يورو، وحاول الحصول على مساعدة من السلطة الفلسطينية لسداد مخالفة عدم الترخيص التي ترتبت عليه بقيمة 7 آلاف دولار كونها مستعجلة وعدم سدادها قد يؤدي لسجنه، لكنه لم ينجح في ذلك. مشيرا إلى أنه اضطر لاستدانة المبلغ، بينما لا يزال غير قادر على سداد ديون عملية البناء.

إهمال ومخالفات قانونية

يكشف التقرير السنوي الثاني لأعمال اللجان الحكومية والذي نشره مجلس الوزراء الفلسطيني في سبتمبر 2021 أنه تقرر خلال العام الماضي سحب صلاحيات لجنة القدس الوزارية الدائمة التي تشكلت برئاسة وزير القدس وتسعة وزراء آخرين من بينهم وزير الشؤون الاجتماعية، واعتبارها لجنـة فنيـة في إطـار اللجنـة الوطنيـة العليـا للقـدس التي يرأسها الرئيس الفلسطيني محمود عباس. ويوضح أيضا أن وزير القدس لم يشارك إلا في لجنة واحدة من أصل 65 لجنة وزارية شكلتها الحكومة في السنة الثانية من عملها والتي تمتد من 14 إبريل/نيسان 2020 وحتى تاريــخ 13 إبريل 2021، وأن نصيب وزارته من المشاركة في اللجان هو الأقل من بين كل الوزارات الأخرى. «ويعكس ذلك إمعانا في إهمال قضايا المدينة»، وفق عضوي لجنة العمل الأهلي والوطني عبيدات والجعبري.

وبحسب التقرير السنوي الثامن للشكاوى في الدوائر الحكومية الصادر عن الحكومة الفلسطينية في سبتمبر الماضي، فإن أعلى نسبة شكاوى تصل من القدس تتعلق بالمساعدات العاجلة للمهدمة منازلهم.

ويشير التقرير إلى أن نسبة معالجة الشكاوى التي تقدم بها المواطنون إلى محافظة القدس هي الأقل بين نظيراتها، وقد بلغت 44% بفارق 50% عن محافظة طولكرم التي تلتها في الترتيب. كما وحازت المحافظة على النسبة الأكبر في الشكاوى المرحَّلة (غير المعالجة) في عام 2019 بنسبة وصلت إلى 56%.

ويكشف تقرير رسمي صادر عن ديوان الرقابة المالية والإدارية في أغسطس/آب الماضي أن اللجنة الوطنية للقدس عاصمة الثقافة العربية لم تلتزم ببروتوكول التوأمة مع اللجنة العليا لبغداد عاصمة الثقافة العربية، وهو ما حرم المقدسيين مساعدات بقيمة 2.8 مليون شيكل (835.000 دولار)، موضحا أن اللجنة الفلسطينية المعنية بدعم القدس (رسمية) لم تقم بأي نشاط خلال العام الماضي واكتفت بصرف رواتب ومكافآت لموظفيها.

وبحسب عبيدات، فإن هذه النسب تكشف الفجوة بين خطاب السلطة تجاه القدس واهتمامها الفعلي بالمدينة، متفقا مع زحايكة والجعبري في أن 160 ألف مقدسي من أصل 380 ألفا هاجروا من القدس خلال الخمسة عشر عاما الماضية بسبب عدم قدرتهم على التكيف مع تكاليف البناء وعدم وجود حد أدنى من التعويضات الملائمة من قبل السلطة الفلسطينية، وهذا يصب في المصلحة الإسرائيلية التي تسعى لإحداث تغيير في التوازن الديموغرافي في المدينة لصالح المستوطنين.

سيين من القروض

ترفض المؤسسات الفلسطينية تقديم القروض للمقدسيين، بذريعة عدم وجود ضمانات تلزم المقدسي بالسداد بحكم أنه من حملة الهوية الزرقاء (الإسرائيلية) وبالتالي لا تستطيع جهات إنفاذ القانون الفلسطيني متابعته مالياً، «ورغم طلباتنا المتكررة للجهات الرسمية وتأكيدنا على أن منح القروض يحد من الهجرة إلى خارج القدس، إلا أننا نواجه برد غير واضح في كل مرة»، بحسب ما يقوله محمود زحايكة رئيس اتحاد التجمع المقدسي للإسكان (مؤسسة غير ربحية تعنى بمتابعة مشاكل الإسكان الفنية والقانونية).

ويضيف زحايكة في مقابلة مع «العربي الجديد» أن الجهات الرسمية الفلسطينية تطلب شروطا تعجيزية لمنح المقدسيين قروضا بهدف البناء، أو استصدار الرخص التي تكلف ما بين 80 إلى 90 ألف دولار، من بينها أن يكون له عقار في الضفة الغربية، وأن تكون الأرض التي ينوي البناء عليها مسجلة في الطابو، مشيرا إلى أن 90% من أراضي المقدسيين تفتقد للشرط الثاني.

مساعدات دولية محدودة

تعمل عدة مؤسسات دولية على تقديم المساعدات المالية للمهدمة منازلهم، كما يوضح الناطق باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يحيى مسودة لـ»العربي الجديد»، مستدركاً بأنّ مؤسسته لا يمكنها تقديم مساعدات على نطاق واسع، والاهتمام الأكبر بحالات الهدم الجماعي، وليس بالحالات الفردية.

ويؤكد مسودة أنّ موضوع الهدم مرتبط بالقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر هدم المنازل والممتلكات، ويلزم القوة المحتلة بتعويض المتضرر، بحسب المادة الـ 53 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على دولة الاحتلال تدمير أية أموال ثابتة أو منقولة خاصة بالأفراد أو الجماعات، لذلك ترفع اللجنة الدولية للصليب الأحمر تقارير بالخصوص لسلطات الاحتلال الإسرائيلي بشكل أساسي، بالتزامن مع تقديم مساعدات مالية عبر صرف شيكات تعتمد قيمتها على حجم الضرر والمتضررين، لكنها بكل الأحوال لا تستطيع تعويض المهدمة منازلهم بالشكل الذي يعالج حاجتهم الأساسية.

ويشير مصدر مسؤول في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي المحتلة (فضل عدم الكشف عن اسمه لحساسية القضية)، إلى وجود تعاون مع السلطة الفلسطينية في المساعدات المتعلقة بالمهدمة منازلهم من خلال البرنامج الإنساني السنوي، الذي يجري بالتعاون مع منظمات دولية عدة، وتندرج تحته مساعدة الفئة المذكورة مالياً وقانونياً ونفسياً وتوفير مبالغ الإيجارات لهم.

وأوضح أن الدعم لا يكون مباشرة من خلال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بل من خلال مؤسسات وهيئات أخرى من بينها السلطة، مشيراً إلى إعداد قوائم تتضمن احتياجات المتضررين من عملية الهدم، وبعد تصنيف الاحتياجات تُوزَّع على المؤسسات المختصة.

(نقلا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق