ثقافة وفن

«المدرسة المغربية ..اي إصلاح في ظل منظومة القيم ؟

هريدة محمد

تعد المدرسة المغربية النواة الحقيقية لبناء الإنسان العاقل والفاعل في مجتمعه،  إذ ترسخ لدى الفرد الحاجيات الضرورية لفهم محيطه عبر اكتساب مبادئ إنسانية و أخلاقية وثقافية واجتماعية ووطنية، تجعله ينتج بدون ان يكل أو يمل .

إن اكتساب الأفراد والجماعات لمعنى القيم، إنما هو نابع من المدرسة الأولى «الأسرة المحيط المدرسة « التي تعمل جاهدة بكل تفان في منظومتها رغم قلة مواردها إلا انها اعطت الكثير في مجال التربية والقيم وإيصال ابنائنا إلى ذروة العطاء والسمو الأخلاقي وتبقى جديرة بالاحترام .

وفي هذا النقاش العلمي والأدبي يحضرونا نصا للاقتصادي وعالم الاجتماع المغربي في الدراسات المستقبلية المفكر الفذ «المهدي المنجرة»، إذ يقول  ( عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان بنوا سور الصين العظيم ، واعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه ..!  ولكن ..! خلال المئة سنة  الأولى بعد بناء السور، تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات، وفي كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية  في حاجة إلى إختراق السور أو تسلقه،  بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب .

لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسو بناء الحارس، فبناء الإنسان يأتي قبل بناء كل شيء .

يقول أحد المستشرقين ..

اذا اردت ان تهدم حضارة أمة فهناك وسائل ثلاث هي :

– هدم الأسرة

– هدم التعليم

– إسقاط القدوات والمرجعيات

لكي تهدم الأسرة عليك بتغيب دور الام اجعلها تخجل من وصفها ب «ربة بيت» ، ولكي تهدم التعليم عليك بالمعلم، لا تجعل له أهمية في المجتمع قلل من مكانته حتى يحتقر طلابه .

ولكي تسقط القدوات عليك بالعلماء اطعن فيهم شكك فيهم قلل من شأنهم حتى لا يسمع لهم ولا يقتدى بهم احد، فإذا اختفت (الام الواعية واختفى المعلم المخلص وسقطت القدوة والمرجعية، فمن يربي النشئ على القيم ..! .

▪منظومة القيم بين الثابث والمتحول

ويفهم من معنى مفهوم القيم :

القَيِّمُ  : (معجم الوسيط)

القَيِّمُ  : السيِّدُ.  القَيِّمُ  سائس الأمر.  القَيِّمُ  من يتولَّى أَمرَ المحجور عليه.

وقيِّمُ القوم: الذي يقوم بشاِنهم ويَسُوس أَمرَهم.

وأمْرٌ  قيّمٌ:  مستقيمٌ.

وكتابٌ  قيّمٌ:  ذو قيمة

وفي تعريف اخر بأنها مجموعة من المعايير والمبادئ التي يتواطئ عليها الناس، والتي تنظم حياتهم عبر الانسجام والتناغم .

وكما نجد أن هذه القيم كانت ذا مرجعية تاريخية داخل المجتمعات الإنسانية القديمة، التي كانت تتألف من عشائر وقبائل يسوسها شيخ القبيلة أو العشيرة وعليها تسري القوانين والتشريعات الوضعية، تتجسد عبارة عن قيم فضلى مثالية تتخذ عوامل اجتماعية جغرافية نفسية مع مرور العصور .

صحيح أن المغرب قديما كان نظامه عبارة عن تكثلات قبلية وعشائر تجمعها قيم التضامن والتأزر والتراحم، سواء في أخلاقهم أو في مشاركتهم المراعي ورعاية الماشية وتربيتها والامداد بعضها بعضا أوقات الجفاف والقحط وقلة الكلأ للماشية، ومع هذا التلاقح الإنساني البدوي كانت يومئد ثقافة وأعراف وطقوس تحكم السلم داخل الجماعة عبر مميزات القانون العرفي الذي يحمي لكل عشيرة كنفها الداخلي .

وليس ببعيد عن تاريخنا  إبان الفتح الإسلامي لمنطقة شمال إفريقيا وبلاد الأمازيغ، التي حاول المسلمون الفاتحون ترسيخ هذه القيم مع الشعوب التي تتكلم غير اللغة العربية  ومحاولة فتحها بدون سيوف واراقة الدماء، ونزع كل ظواهر الشرك وعبادة الأوثان وثماتيل التي كانت عليها  الشعوب الإفريقية من هذه القارة على دين النصرانية والمجوسية، الا ان فك قيد شعوب القارة السمراء من ربقة التعبد والاستسلام لله الواحد الأوحد، بصورة سلمية قيمية لقوله تعالى» وجادلهم بالتي هي أحسن « .

▪ أزمة قيم ام أزمة فكر ؟

إن الغوص في بحر القيم، ليس بالأمر الهين ، نظرا لما وقع لهذه القيم الإنسانية من انحراف عن مسارها الطبيعي، مما ولد نوعا من التخلخل القيمي نتيجة عدة عوامل متداخلة فيما بينها، ولعلى اقربها إلى الصواب الأسباب الإجتماعية والاقتصادية  وتاريخية أساسا وهي اقواها تجدرا من جيل إلى آخر، أن المعطى التاريخي أخذ نصيبا وافرا من هذه القيم التي تركها لنا على سبيل المثال خاصة في المدرسة المغربية قبيل عهد الحماية 1912 الذي تم توقيعه مع المولى عبد الحفيظ ودولة الفرنسيين والإسبان آنذاك .

سأحاول إماطة اللثام عن المعطى :

– الجانب التعليمي بعد  عهد الحماية

لقد كان للتعليم دور فعال في تأسيس اللبنة الأولى للمجتمع المغربي مند عصور طويلة الأمد، إذ كان يقتصر التعليم على سلطة الفقيه المربي الذي كان يساهم في تربية النشئ وهو تعليم يعتمد على حفظ القراءان وترتيله ودراسة النحو  والصرف وعلوم البلاغة وعلم الحديث وكذا مما تركه لنا علماء اللغة والحديث الألفيةالمالكية والاجرمية وكثير من العلوم الفقهية وكذلك بعض علوم الحقة (الفلسفة والرياضيات والطب والتنجيم) .. لكن ما إن جاء الإستعمار حتى تغيرت أصول التدريس والتلقين، أو ماسمي بالثقافة الجديدة والعلوم الدخيلة علينا كمجتمع عربي إسلامي له ثقافته واعرافه وتقاليده وقوانينه التي يحاكم إليها .

وما ان تغلغل العدو داخل التراب المغربي، حتى ظهرت ماسمي بمفاهيم حداثية جاءات من الغرب، لم يعرف المجتمع المغربي أي جدور ولم يسبق له ان تلاقح مع ثقافات أعطت للحرية أبواب ينفذ منها الفساد الأخلاقي والفكري .

إن الرهان الخفي الذي راهن عليه الغرب كان بالدرجة الأولى التعالي على المجتمعات العربية الإسلامية والضرب في منظومتها التعليمية، وخير دليل على ذلك ما صاحبه بناء المدارس الكلونيالية ابان الاستعمار الفرنسي، مما حال دون تطور المجتمع وتنميطه على الطريقة الفرنسية تعليما وتصميما ومضمونا، لا يمكننا أن ننكر ان الاستعمار الغربي قد كان له دور إيجابي في ترسيخ الوطنية لدى بعض المقاومين والفدائيين الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل تحرير الوحدة الترابية من ربقة الاستعباد والدكتاتورية الاستعمارية، لكن الأمر الخطير ان الثقافة التي تم تلقيح المجتمع المغربي بها، فقد كان لها تأثير على منظومة القيم حتى التشكيلات الفكرية والمظهرية تغيرت واصابها العطب، ثقافة اللباس لدى المغاربة ( الجلابة وبلغة الجلدية  والطربوش والحايك والايزار ) لتتحول إلى الحداثة (سروال دجينز  والحداء الأسود .. )

اما في يخص المرأة المغربية على وجه الخصوص التي كانت رمزا الحشمة والوقار كن يلبسن ( حايك شربيل وجلابة واللثام على الوجه في جميع المناسبات والأيام العادية، دون إبداء محاسنهن للرجال .

▪ الأسرة والمدرسة اي علاقة ؟

تعد الأسرة المنهل الاول للطفل، فهي الإطار المرجعي، حيث ثمتل له معايير المجتمع وتقاليده وتكون شخصيته ونمائها ولها دور هام في دينامية تلك العلاقة النفسية و سوسيوعاطفية بين الطفل وأمه وأسرته على الخصوص، إذ تتيح له النمو والاستقرار النفسي والبدني ويعطيانه الحب والنظام بواسطة الثواب والعقاب .

-اما المدرسة فهي المؤسسة الثانية بعد الأسرة، التي تمارس تأثيرها على الطفل لاسيما انه يقضي أغلب مراحل نموه ومعظم وقته داخل الفصول الدراسية وفضاءات التعلم ، وهكذا غدت المدرسة صرحا علميا يتم فيه بناء شخصية الطفل وتعلماته وكافة الجوانب الحياتية عبر تنمية مهاراته بمختلف تمفصلاتها الحسية، وتكوين الاتجاهات الاجتماعية والعقائدية لتسهيل اندماجه داخل المجتمع .

وقد كان لزاما على الجهات المختصة في ان تقوم بإصدار قرار إصلاحي تجسد عبر مستجدات التربية والتعليم، حيث يعتبر الميثاق الوطني للتربية والتكوين يشدد على المسألة التعليمية كقضية تهم المجتمع في شموليته لذلك راهن على تظافر الجهود والمرامي لكل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ومختلف الفعاليات المجتمع المدني والفاعلين التربويين والإداريين في إصلاح منظومة التعليمية .

▪قانون الإطار 17.51  الخاص بمنظومة التربية والتكوين

إن الناظر في مسألة هذا القانون الذي جاء مكمل للرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015-2030, يلزم الجميع بتفعيل مقتضياته، وينص على جعل التعليم الأولي إلزاميا بالنسبة للأسر مع استفادة الأطفال المتراوح أعمارهم بين 4و6  سنوات والشروع في دمجه مرحليا في التعليم الإبتدائي في أجل أقصاه ثلاث سنوات ، من أجل تكافئ الفرص بين جل الأطفال العالم القروي والحضري بالنسبة لهذا الطور الاول وكذا الأطفال في وضعية إعاقة أو حالة خاصة .

وكما جاء في مادته الثانية من هذا القانون مصطلح التناوب اللغوي  وتنويع لغات التدريس إلى جانب اللغة الرسمية العربية وكذا الأمازيغية وكذلك تدريس بعض المواد العلمية باللغة الأجنبية الثانية الفرنسية .

ويهدف هذا القانون في مادته الثالثة :

– تعميم التعليم الأولي مع الإلزامية للأطفال في سن التمدرس

– تنمية القدرات الذاتية للمتعلمين وصقل الحس النقدي لديهم

– إتاحة الفرص والإبداع والابتكار وتمكينهم من الانخراط في مجتمع المعرفة والتواصل

ومن بين أهدافه :

– محاربة الهدر المدرسي

-اعادة إدماج المنقطعين عن المدرسة  .

كلها إستراتيجيات جاءات لرفع من جاذبية التعليم كما قال بعض الفاعلين السياسيين الذين صادقوا على هذا القانون في البرلمان وجعله قانون ساري المفعول في المؤسسات الأكاديميات التعليمية بالمغرب .

▪ كواليس قانون الإطار

إن المتتبع لشأن التعليمي لا ينكر وجود اختلاف وانشقاق داخل المجتمع المغربي بسبب هذا القانون الذي أثار ضجة مند المصادقة عليه في البرلمان إلى يومنا هذا، أنه قد أجمع عليه الكثير من النقاذ التربويين والإداريين المتخصصين في هذا القطاع :

• اولا انه يضرب في ثناياه مجانية التعليم في المغرب

•السياق العام الذي تم تنزيل فيه هذا القانون لم يؤخذ بعين الاعتبار كل الاراء العامة ونبض الشارع

• هناك تراجعات على مستوى الحقوقي والسياسي الاجتماعي

• التدريس باللغة الأجنبية الثانية (الفرنسية ) المنبوذة لغويا ولا تجسد لغة العلم مثل (الانجليزية )

حاولت جاهدا أخذ جميع الاختلافات في هذا الموضوع الذي لازال يعرف مستجدات على الساحة الوطنية والحقوقية والاجتماعية  .

يتجلى الرهان الحقيقي للمدرسة المغربية هو إعلاء روح المدرسة بكل اسلاكها، وكذا جعلها قاطرة للتنمية المحلية لتنطلق من جديد مع الأخذ بعين الاعتبار كل الفوارق الاجتماعية بين المتعلمين والمتعلمات، ولا ننسى أن المحيط الاجتماعي يختلف من بيئة إلى أخرى، إذ نجد أن المدرسة خارج المدار الحضري، التي لا  تتوفر على الوسائل الضرورية والأدوات التي تساهم في إغناء فكر المتعلم وتطوير ذهنه عبر كل مراحل حياته التعليمية، لكن إذا ما شهدنا الواقع التعليمي للأطفال المنحذرين من الوسط البدوي مثلا (الجبل )  هناك ضعف الخدمات المقدمة لهؤلاء التلاميذ مما يساهم زيادة الهدر المدرسي وعدم استمرارية الطفل مع مؤسسته التعليمية، وهنا يكمن المشكل الذي لا نود أن تصل إليه المنظومة ككل، غياب النقل المدرسي غياب المرافق وسط الفضاء المدرسي، البعد  تضاريس وعرة ثلوج كثيفة .. هزالة البنية التحتية في المناطق الجبلية الوعرة، إنقطاع الفتيات في سن التمدرس بسبب العامل المادي وكذا بعض الأعراف والتقاليد القبلية المهيمنة على عقول الناس .

– هل يمكننا ان نتحدث عن القيم بدون وجود أرضية لبناءها ؟

– هل القوانين ومرجعيات و المقاربات والرؤى كافية بدون بنية تستجيب للمتعلم وتوفر له فضاءات لتنزيل للقيم ؟

– مند متى كان الكلام مجدي ؟..  وكافي بأن يصنع أمجاد مجتمعات تسعى إلى تطوير نفسها على مستويات عدة، لمقارعة كبار الدول في مؤشرات التعليم والتنمية وحقوق الإنسان، الا بالحرص والإستثمار في الرأسمال البشري وتطويره على المدى البعيد، إذ يقول هذا المثل 《 ، أصبحت ثروة الأمم هي عقل الإنسان، وبالتالي اصبح الإنسان مقدما على كل ما عداه لخلق الثروة واستمرارها  .》

بئس للمجتمعات التي تعتمد على ترواثها الطبيعية وتهمل الثروة الحقيقية «الإنسان» هو مصدر كل الشرور يعني أن تصنع مجتمعا متحضرا عليك بالجوء إليه في كل صغيرة وكبيرة مثلا الصين مجموع سكانها مليار 400 مليون شخص شعب متحرك لا يتوقف عن الرقي والنمو اقتصاديا واجتماعيا وديموغرافيا وتعليميا وهي دولة لا تملك إلى المياه وأصبحت دولة تكنولوجية صاعدة في العالم بسبب تسجيل رقم هائل في «براءات الاختراع « متفوقة على أمريكا برقم خيالي نصف مليون براءة اختراع سنويا .

لقد اتضح في منظومة التربية بالمغرب، أنه لا بد من تظافر كل الجهود وتكثيف الوسائل للجمع بين المدرسة ومبادئها القيمية لحماية المتعلم ودعم المدرس لتقديم عرض تعليمي جيد يستجيب لمستجدات العصر، لاسيما وأن التعليم اصبح عن بعد وغير حضوري بسب آفة الوباء الذي اجتاح العالم كوفيد 19 وما عقبه من متحورات وبائية .

لعلى كل الفاعلين المعنيين بمنظومة التعليم ان تسعى جاهدة في إصلاح المدرسة المغربية دون أن تتخلى عن مبادىء القيم الإنسانية، التي تنتج المواطن الفاعل والمتعاون والخدوم والمجد للدفاع عن وحدة الوطن والحفاظ على السلم والأمان، ولن يتحقق ذلك إلا بالرهان على الثالوث النسقي  (المدرس والمتعلم والمعرفة) يكون بذلك مشتل ناجح وفاعل لصناعة مادة خالصة من كل الشوائب  .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق