خبراء المناخ

مقاومة الأحياء للتغيرات المناخية … أية سيناريوهات لمستقبل الكائنات على كوكب الأرض؟

عبد العالي الطاهري

في إطار مجموعة من الدراسات العلمية والأكاديمية، صمَّم العلماء نموذجا لمقاومة الأحياء لمختلف التغيرات المناخية، واكتشفوا أن أسوأ سيناريو لتطور الأحداث، يشير إلى انهيار النظام البيئي للمحيطات خلال العقد الحالي.

وتفيد مجلة Nature العلمية، بأنَّ هذه الكارثة سوف تنتقل إلى الأحياء على اليابسة أيضا بحلول عام 2040 .

ويتوقع العديد من الباحثين، على الرغم من اتفاقية باريس للمناخ، التي تلزم بالحفاظ على ارتفاع درجة حرارة الهواء خلال القرن الحالي بمقدار درجتين فقط، أن ترتفع درجات الحرارة أعلى من ذلك، فمثلا إذا بقيت انبعاثات الكربون الناتجة عن النشاط البشري بالمستوى الحالي فإنه بحلول عام 2100  سترتفع حرارة الجو بمدار أربع درجات مئوية، ما سيؤدي إلى فقدان التنوع البيئي في أنحاء مختلفة من العالم، لأنها لن تتحمل هذا الارتفاع في درجات الحرارة.

واستنادا إلى هذا، قرَّر علماء من الولايات المتحدة وبريطانيا وجنوب إفريقيا، عدم التقيد بتحديد درجات الحرارة فقط، بل ودراسة ماذا سيحصل في ظل سيناريوهات مختلفة لارتفاع درجات الحرارة في نظام بيئي معين، ومن أجل ذلك قسموا الكرة الأرضية إلى قطاعات مساحة كل منها 100 كيلومتر مربع، وربطوها بالبيانات المناخية المتوفرة والمتوقعة من سنة 1850 إلى سنة 2100، وصمموا نموذجا يحاكي تغيرات درجات الحرارة لكل قطاع، وبعد ذلك قارنوا النتائج مع توزيع 30 ألف نوع من الطيور والثدييات والزواحف والأسماك التي تعيش في المحيطات واليابسة.

واتضح من هذه العملية أن النظام البيئي العالمي معرض لخطر أكبر مما كان يتوقع سابقا، فقد تبين أنه وفق سيناريو الاحترار العالمي RCP8.5، فإن عواقبه ستكون كارثية لـ 73% من الأنواع البيولوجية، وهذا يشمل بصورة خاصة النظم البيئية في منطقة المحيطات الاستوائية، حيث يحتمل أن تبدأ عام 2030 في الشعب المرجانية التي يعيش فيها ما يقارب من ربع الأحياء البحرية،  تغيرات لا رجعة فيها.

ووفقا للعلماء، تشير ظواهر مثل تبييض الحاجز المرجاني الكبير، إلى أنَّ هذا يحدث في عدد من المناطق، وبحلول عام 2050 إذا لم يتوقف ارتفاع درجات الحرارة فإن هذه الظاهرة ستنتقل إلى خطوط العرض الأعلى.

وقد توصل الباحثون إلى استنتاج مهم جدا، يفيد بأن التغيرات في النظم البيئية لا تجري بصورة تدريجية، بل بصورة فجائية عند حدود درجات حرارة معينة لا يمكن للعديد من الأنواع تحملها، بحسب أليكس بيجو رئيس فريق البحث من كلية لندن الجامعية.

ووفقا للعلماء، في حال ارتفاع درجات الحرارة بمقدار أربع درجات مئوية، فإن 15% من الكائنات الحية لن تتحملها، ما سيؤدي عمليا إلى إلحاق «أضرار لا رجعة فيها» للنظم البيئية في جميع المناطق، ولكن إذا تمكنا من الالتزام باتفاقية باريس، (ارتفاع درجات الحرارة 2 درجة مئوية) فإن الضرر سيكون 2% فقط.

ويقول بيجو، « مع اقترابنا من درجتين مئويتين للاحترار العالمي، نلاحظ ارتفاع خطر فقدان مفاجئ في التنوع البيولوجي، وهذا هو تأكيد على ضرورة الحفاظ على ارتفاع الاحترار العالمي بمقدار يقل عن درجتين مئويتين ».

هل يمكن للحيوانات التكيف مع تغير المناخ؟ بحسب دراسة علمية جديدة قام بها باحثون من ألمانيا بناء على تحليل دقيق لعشرة آلاف دراسة سابقة، فإن الإجابة: نعم، قد تكون الحيوانات قادرة على التكيف، ولكن بوتيرة بطيئة، وهو ما لا يضمن استمرار وجودها في ظل الاحترار السريع الذي تعيشه الأرض اليوم.

تعد مسألة تأثير التغيرات المناخية على مختلف الكائنات الحية في منتهى الأهمية بالنسبة للأرض ومستقبلها، فقد كانت وما زالت موطنا لملايين الأنواع التي تطور بعضها وانقرض بعضها الآخر في الوقت الذي اضطرت فيه أنواع أخرى للتكيف مع تغيرات دراماتيكية متعاقبة في المناخ حصلت على مدى الخمسمئة مليون سنة الماضية.

الاحترار السريع الذي نعيشه اليوم الناتج عن الاستخدام المفرط للوقود الأحفوري، ينذر بحدوث تحول مهم في الظروف المناخية، وهو يتزامن على ما يبدو مع بداية انقراض جماعي مماثل لانقراضات سابقة ارتبطت بتغيرات في المناخ العالمي في فترات مختلفة من تاريخ الأرض. ويتميز التغير المناخي الحالي بوتيرته السريعة مقارنة بالتغيرات السابقة، لذلك يتساءل العلماء هل يمكن للكائنات الحية بصفة عامة والحيوانات التي لا يمكن ترحيلها إلى المناخات الباردة بصفة خاصة أن تتكيف مع الظروف المتغيرة؟

أحدث الدراسات العلمية التي حاولت تقديم إجابة لهذا السؤال قام بها علماء من معهد لايبنز لبحوث الحيوانات والحياة البرية في برلين، بالتعاون مع ستين باحثا من جميع أنحاء العالم، ونشرت في مجلة «نيتشر كومنيكيشن» في شهر يوليو/تموز من العام 2019.

دراسة واسعة

بحث العلماء في هذه الدراسة عن أدلة لحصول تغييرات فيسيولوجية أو سلوكية لدى بعض الحيوانات أو في حجمها، لاستيعاب ارتفاع درجات الحرارة ومتطلبات التأقلم مع تغير موعد حلول الفصول، ويطلق علماء الأحياء على هذا النوع من الاستجابة: «  التغيير الظاهري »،

أسئلة مثل هذه لا يمكن الإجابة عنها بسهولة، لذلك جمع العلماء بيانات لدرجات الحرارة من سجلات موثوقة في عدد من المواقع، وإضافة إلى معلومات دقيقة حول توقيت الهجرة والإنجاب والإسبات وغيرها من الأحداث الكبيرة في حياة بعض أنواع الحيوانات على مدار عدة سنوات، كما حللوا نتائج دراسات سابقة جمعت خلالها بيانات لأنواع من الكائنات تعيش في نفس البيئة على مدى أجيال عديدة.

وسعى الباحثون في هذه الدراسة إلى البحث على تغيرات في سمات الأنواع التي تم اختيارها، والنظر فيما إذا كانت هذه التغيرات قد أدت إلى مستويات أعلى من البقاء على قيد الحياة، أو زيادة في معدلات التكاثر، وتمكنوا في النهاية من العثور على معلومات موثوقة عن 17 نوعا من الحيوانات في 13 دولة.

وجاءت معظم البيانات التي عثر عليها العلماء من دراسات سابقة أجريت على الطيور، من بينها أنواع شائعة مثل الحلمة الكبرى (القرقف) أو العقعق الأوروبي أو خاطف الذباب الأبق، إضافة إلى نوع من السلاحف يعيش في نهر المسيسيبي وأنواع مختلفة من الثدييات.

تكيف بطيء

وتوصل العلماء في نهاية الدراسة إلى أن الطيور بوسعها التأقلم مع ظروفها البيئية عند حدوث تغيرات مناخية، إلا أنها قد لا تكون قادرة على القيام بذلك بالسرعة اللازمة لتزامن الهجرات مع بداية الإزهار الربيعي الذي يحدث قبل أوانه من سنة إلى أخرى، أو تعشش في وقت متزامن مع تكاثر الحشرات التي تمثل مصدر الغذاء الرئيسي لصغارها.

وقال الباحث المشارك في الدراسة ألكسندر كورتولي من معهد ليبنيز «حتى مجموعات الطيور التي تخضع للتغير التكيفي فإنها تقوم بذلك بوتيرة لا تضمن الاستمرار، وتنطبق البيانات المتاحة على الأنواع المعروفة بأنها تتكيف جيدا مع الظروف المتغيرة ».

يقول مؤلفو الدراسة إنه ما زال يتعين تحليل الاستجابات التكيفية لدى الأنواع النادرة أو المهددة بالانقراض، وهم يخشون أن تكون توقعات استمرار وجود هذه الأنواع أكثر تشاؤما.

المصدر: نوفوستي/ وكالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق