ثقافة وفن

هل الحزن ينتصر على الفرح أو أن أبا العلاء المعرى كان أعمق رؤية عندما رأى أن الفرح والحزن سيّان

د. محمد أبوالفضل بدران

عندما كنت صغيرًا فى قريتنا «العويضات» بمركز قفْط كانت القرية هى العالم الأكبر بالنسبة لى.. مَجالس السمر، الكُتّاب، حلقات الذِّكر، الأغانى الشعبية، عازف الربابة، شاعر المناسبات، الكتب الصفراء التراثية؛ خطيب المسجد، مجالس المنادر، عديد النساء فى الجنائز، أغانى الحَصَّادين، القوانين غير المكتوبة التى تحدّد المباح والعيب.. كلُّ هذا وذاك كان منبع الثقافة وبوصلة الإتجاه.. كنتُ أتساءل: ما الذى يفرض على ذلك الرجل الذى يأتى فوق حماره إذا مرَّ على مجلس عزاء يترجّل ويمشى جارًّا حماره حتى يفارق الكبار ثم يركب حماره ويذهب بعيدًا؟ لماذا يحافظ الكبار على الصناديق والمكتبات القابعة فى دواليب الحيطان المغروزة بالجدار فغدت تلك الحوائط  تحوى المخطوطات التى يحافظ الكبار عليها محافظة دقيقة ويتبرَّكون بها؟

القرية تختزل الحضارات والثقافات وتحلّ أزمة الإنسان المعاصر… كنت أعجبُ من أستاذى الألمانى عندما كان يهرب أيام الآحاد من بون وهى مدينة صغيرة قياسا إلى برلين وميونيخ وهامبورج يفر من بون إلى قرية مجاورة ويقول لى: فى القرية أشعر بذاتى. القرية عالم فريد مدهش قائم بذاته، والطريف أن كل واحد فى القرية يعتقد أن هذه القرية تمثل العالم له، وأحداثها أشبه بحوادث العالم، يجتمع الناس فى حلقات بالمَلَقَة يهتمون بأدق الأخبار التى حدثت بالقرية، بَيْع وشراء، أو غنى مفاجئ، زواج أو طلاق، مشكلات المياه والحدود فى الأراضى الزراعية، بقرة عبادى التى رفَصَتْ امرأته وهى تحلبها، والمجبّر الذى استقدموه ليجبر كَسْرها؛ شحات الغائب الذى لم يعد يرسل لأمه نقودا، هذه الحكايا لا تُسرد كحدث فقط وإنما بالتحليلات والرؤى المتباينة، والمناقشات العِراكية، وعندما يصلون للأهلى والزمالك تتباين الآراء ويختلف الإخوة والأبناء مع آبائهم وأقاربهم، وتعلو الأصوات وقد يصل إلى شجار عنيف ثم يعرجون لحل مشاكل العالم فى سوريا والعراق وليبيا وكوريا الجنوبية وعلاقتها بالشمالية وأزمة الغذاء العالمى وربما طبقة الأوزون وحرائق غابات الأمازون وتعلو الأصوات والعجيب أنهم يحللون مشكلات العالم ويقترحون لها حلولا لكنهم لا يفكرون فى مشكلاتهم الخاصة؛ ويبدأ بعضهم فى الانصراف فُرادى ليعم الصمت على الملَقة، الأعجب أن العادات والتقاليد مقدسة، ربما زحزحتها العولمة قليلا لكن الأصول أصول، وكل واحد فى القرية خبير أنساب وتواريخ مهما طال الزمن.

الدلافين فى قنا

 هل فكرتَ فى أسماء الشوارع والميادين من حولك؟ ما دلالتها وكيف نشأَت؟ إذا بدأت فى هذا فستجد عجبا، فيبدو أن قنا بعد طوفان نوح عليه السلام كانت مملوءة بالدلافين وإلا فلماذا سُمّى ميدان من أهم ميادينها بميدان «الدولفين» الذى لم ير قنا ولا نعرفه، ونراه فى حدائق الحيوان خارج محافظة قنا ولم نشاهد نحن ولا آباؤنا ولا أجدادنا «دولفينا» يتمشى فى شوارع قنا حتى لو كان غاضبا من امرأته وترك لها البحر وهَجّ على رأسه فنزل مدينة قنا واتخذ من الميدان الذى أُطلق عليه فيما بعد حتى نتذكر هذا الدولفين الضخم، وأما حكاية ميدان الساعة فحدّث ولا حرج فربما وجدوا ساعة الفرعونى القديم «مِين» الذى اتخذ من قفط مقرا له وبنى بها معبدا وعندما وجدوها فرحوا وجروا بها إلى قنا وفكوا عقاربها فى الميدان وتيَمُّنا بها وحفظا على الوقت الذى نعرف قيمته جميعا أقاموا ميدانا لهذه الساعة بوسط قنا أطلقوا عليه «ميدان الساعة» وعلى الرغم من أن العرب أكثر مستوردى الساعات من سويسرا عالميا إلا أننا نهدر الوقت ولا قيمة له عندنا مع أننا نلبس ساعة فى اليد اليسرى وهاتفا به ساعة فى اليد اليمنى، وعقارب الساعة اليسرى تجرى جرى الوحوش ولا تلدغنا إلا بانقضاء الوقت المسموح (العُمر المكتوب) لتعلن نهاية المباراة.

ألا يوجد فى قنا رموز نستطيع أن نطلق أسماءها على مياديننا و شوارعنا بدلا من الدولفين والساعة و»اليافطة» وهذه حكايتها حكاية يبدو أن محلاًّ هناك علّق يافطة فأطلق على الميدان «ميدان اليافطة» أى يافطة (لافتة)؟ لا أحد يعلم … ألا يستحق إسماعيل معتوق والطاهر مكى ومكرم عبيد والأمير هَمّام ورشدى فكار وتمّام حسّان وكمال حجزى ومحمد إبراهيم عويضة وعلى النابى ومحمد نصر يس وأدباء قنا ومفكروها ووزراؤها وغيرهم من أبناء محافظة قنا أن تُسَمّى الميادين والشوارع بأسمائهم، ألا يستحق الشهداء أن نختار واحدًا منهم لكل ميدان، هؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم من أجلنا، وسالت دماؤهم الذكية على أرض مصر المباركة وبالمناسبة أين لوحة أسماء الشهداء التى كانت بمحطة قنا واختفت مع تجديدات المحطة؟ وأين اللوحة الأخرى التى كانت تزدان بأسماء الشهداء من محافظة قنا بدءاً من 1948 وحرب 1967 والاستنزاف حتى نصر أكتوبر وكانت معلقة بالمجلس المحلى القديم؟ مؤملا أن تعود لوحة أسماء الشهداء بميدان المحطة وألا نسمى الميدان «ميدان اللوحة» بل ميدان الشهداء.

وعندما أطلق اللواء عادل لبيب محافظ قنا السابق اسم الشاعر عبد الرحمن الأبنودى على شارع بقنا ذهب الأبنودى ليرى شارعه فوجد «شارع عبد الرحمن الأبنودى، المعتقل سابقا» فضحك عبد الرحمن وقال للمحافظ: «المعتقل وراى وراى» ابحث لى عن شارع آخر، كما آمل أن نغربل أسماء الشوارع والميادين فى كل محافظات مصر، لماذا لا نكوّن لجنة من أساتذة الجامعات المختصين لينظروا فى أسماء الشوارع والميادين بمحافظات مصر ويحذفوا الأسماء المضحكة وأسماء المحتلين والخوَنة ويطلقوا أسماء الشهداء والأعلام المُخلصين لبلدهم على هذى الميادين والشوارع لأن هذا الأمر المضحك المبكى ليس بقنا فقط بل مما عمَّتْ به البلوى.

وتَساوَت الدنيا لدى هل تئن السواقى وهى تدور حاملة الماء فى قواديسها الصغيرة وكأنها جرار مملوءة بالدموع؟ هل الحزن هو القاسم المشرك بين أنين السواقى وهديل الحمام الذى يغدو نواحا؟ «وتَساوت الدنيا لديّ فلا صباح ولا مساء».

هل الحزن ينتصر على الفرح أو أن أبا العلاء المعرى كان أعمق رؤية عندما رأى أن الفرح والحزن سيّان: غَيْرُ مُجْدٍ فى مِلّتى واعْتِقادى / نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنّمُ شادِ، كيف وصل المعرى إلى هذا السلام الذاتى والرؤية التى يصل إليها بعض الحكماء فى نهاية رحلاتهم نحو معراج مقامات الروح لا أحوالها «فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب» لإدراك السمو والهدوء الداخلى، وصدق الله العظيم إذ يقول تعالى: « لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ »

النهايات بدايات

كيف تبدو نهاية العام؟.. النهايات تتجلى فى البدايات ومن يتأمل البداية دون نهاية فليس بحكيم.. ومن الحكمة التفكير بمعزل عن تأثير الآخرين، أن تجلس وحيدا فى صومعتك الذاتية تقرأ الماضى وتعيش الحاضر وتستشرف المستقبل، لا تكن مثل الذين يتحسرون على الماضى ويخافون المستقبل وينسون الحاضر، وفى أشد حالات الظلام ترقب الفجر محملا بالنور، وفى أشد لحظات العُسر ثق أن اليُسر يبحث عنك طالما تبحث عنه وتترقب مجيئه.. كن متفائلا لأن شجرة الأمل مورقة وشجرة اليأس تجف سريعا، كن واثقا واترك أياما مرّت بحلوها ومُرّها وانتظر غدا مشرقا ينتظر أن تفتح بابه فتفاءل واجعل النهايات بداية غد مشرق جميل. 

 

بهاء الدين زهير العاشق

 تزخر مدينة قوص بعلمائها وأدبائها على مر التاريخ ومنهم شيخ الشعراء أستاذنا الشاعر محمد أمين الشيخ والشاعر حسن النجار والأديب محمد عبد اللطيف سرحان والأديب الأسد العويضى والفنان حامد العويضى وقد كان لقُربها من مدينة قفط أثر كبير فى الترابط بين المركزيْن وكانت قريتنا العويضات تابعةً لمركز قوص قبل تحويل قفط إلى مركز وماتزال فى جيبى أول بطاقة شخصية لى استخرجتُها من مركز قوص وأفخرُ بها؛ كما أن لى أصدقاء بقوص ونواحيها أعتزُّ بهم ما حييت، ومِن أحب الشخصيات التراثية القوصية إلى قلبى الشاعر البهاء زهير وهو زهير بن محمد بن على بن يحيى بن الحسن بن جعفر الأديب البارع الكاتب بهاء الدين أبو الفضل وأبو العلاء الأزدى المهلبى المكى ثم القوصى المصرى الشاعر. وُلد سنة إحدى وثمانين وخمس مائة وتوفى سنة ست وخمسين وست مائة هجرية، وأراه أرق الشعراء فى العصر الأيوبى وأحسنهم لفظا ومعنى، ومن شعره:

غَيْرى عَلى السَلوانِ قادِرْ 

وَسِوايَ فى العُشّاقِ غادِرْ

لى فى الغَرامِ سَريرَةٌ واللَهُ أَعلَمُ بِالسَرائِرْ

وَمُشَبَّهٌ بِالغُصنِ قَلبى لايَزالُ عَلَيهِ طائِرْ

حُلوُ الحَديثِ وَإِنَّها  لَحَلاوَةٌ شَقَّت مَرائِرْ

أَشكو وَأَشكُرُ فِعلَهُ فاَعْجَبْ لِشاكٍ مِنهُ شاكِرْ

لا تُنكِروا خَفَقانَ قَلـبى وَالحَبيبُ لَدَيَّ حاضِرْ

مَا القَلبُ إِلّا دارُهُ  ضُرِبَت لَهُ فيها البَشائِرْ

فى النهايات تتجلى البدايات

كلُّ عـامٍ  بكِ  أحلى كلُّ عـامٍ  بكِ  أجملْ

لو تريد القلبَ خذه  لم يعــد قلبى  فأبخلْ

كل ما فيىَ مشـوقٌ  هاكَ روحى ، فتقـبّلْ

لم أكن قبــلَك إلا  محضَ قَشٍ بك  يُشعلْ

كُنْتُ لا أرقبُ عيداً وشموســى  تتظللْ

فلمن أهدى ورودا؟ وبمنْ عيــنى تُكَحّلْ

لم  أكن قبـلك  إلا  طللاً سـوفَ  يرحَلْ

كانت الأيـامُ غَرْقى كانت الليلاتُ أطولْ

أمست الأيامُ «أمسى» وغداً  كـم  ذا  تأّجّلْ

كانت الأحلام ترنو  لغدٍ ســاهٍ،  مُكَبّلْ

أيـها الفارس رفـقا   وتمهّــلْ  وترجَّـلْ

عندما أقبَلْتَ نحـوى  كلُّ شـيءٍ  قد تبدّلْ

صـارت الأيام عيدا  صار بدرى الآنَ أكملْ

أضحتِ الدنيـا جمالا فوقَ ما كنـت أُخَيّلْ

فتخَيّلْ كيفَ صِـرنا     وعن الشـوق أَتَسْأَلْ

أيها الوقـت  توقَّفْ  إنــهُ الحبُّ ،  تمهَّلْ

لحظةُ الحــبِّ خلودٌ      أيها الكــونُ  تأَمَّلْ

كلُّ عيدٍ أنـتِ أحلى كلُّ عيدٍ   أنتِ   أجملْ

كل ما فيـكَ حبيبى  يا  حبيــبى،  فتدَلَّلْ

د. محمد أبو الفضل بدران في سطور

نائب رئيس «جامعة جنوب الوادي» لشؤون التعليم والطلاب منذ إبريل (نيسان) عام 2017، جمهورية مصر العربية.وهو مستشار الأمانة العامة لمؤتمر عام أدباء مصر منذ 1998، وعضو «الجمعية المصرية للتشريعات الصحية و البيئية»، وعضو «مؤسسة ابن رشد للفكر الحر» بألمانيا، وعضو «جمعية أصدقاء البيئة» بأبوظبي في الإمارات العربية المتحدة، ورئيس نادى الأدب والفكر في «جامعة جنوب الوادي».

تولى منصب رئيس «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، ورئيس «مركز التراث اللامادي»، وبدأ مشواره العملي بالعمل معيداً في قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب بقنا في «جامعة أسيوط « ثم عمل مدرساً مساعداً، إلى أن ترقى لدرجة أستاذ في النقد الأدبي عام 2004.عمل أستاذاً زائراً في كلية الآداب في «جامعة بون» بألمانيا بين 1994 و1996، ثم عاد إلى مصر حيث ترقى إلى درجة أستاذ مساعد وشغل وظيفة رئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب في «جامعة جنوب الوادي» وتولى منصب وكيل الكلية ذاتها، وعمل في «جامعة الإمارات العربية المتحدة» بين 1998 و2006، وتقلد منصب العميد لكلية الآداب بقنا في «جامعة جنوب الوادي» عام 2006.

حاصل على دكتوراه في الآداب عام 1990 من «جامعة أسيوط»، وماجستير عام 1985، وليسانس في الآداب عام 1981 من الجامعة ذاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق