ثقافة وفن

في حوار مع الكاتب والمترجم العراقي عبدالهادي سعدون

العجوز الغيور: صورة أخرى من وجوه الدون كيخوته الإنسان

من أبرز الوجوه الثقافية والفكرية العربية في شبه الجزيرة الأيبيرية وذلك نظرا لأعماله الأدبية المترجمة من الإسبانية إلى العربية وبالعكس، فكانت أعماله بمثابة بناء جسور للتواصل والتعاون الثقافي بين العالمين العربي والهيسباني من خلال نوافذ أدبية ذات نكهات تاريخية وقصصية وفلسفية،هو استاذ اللغة العربية والأدب في جامعة مدريد المركزية  (كومبلتنسه) حاصل على درجة الدكتوراه من كلية الأدب والفلسفة من جامعة مدريد أوتونوما مختص بالأدب واللغة الإسبانية ويعمل بالتدريس والترجمة والنشر، نشر عشرات البحوث العلمية باللغة العربية والإسبانية في شؤون الأدب واللغة في مجلات علمية محكمة ،أشرف على منشورات Alfalfa الإسبانية المختصة بترجمة ونشر الأدب العربي منذ عام 2006،كما أنه المشرف الأدبي لسلسلة آداب عربية Letras Árabes لدى دار نشر بيربوم الإسبانية المختصة بترجمة ونشر الأدب العربي المعاصر والكلاسيكي منذ عام 2015 حتى اليوم ،يدير مهرجان شباط الشعري العالمي ومقره مدريد منذ عام 2016،كما أنه مستشار أدبي لعدة مهرجانات أدبية إسبانية و أمريكية لاتينية ،نال العديد من الجوائز والتكريمات الأدبية كجائزة الطفل العربي 1997 وجائزة أنطونيو ماتشادو العالمية للشعر 2009 وجائزة مدينة سلمانكا الإسبانية للتميز الأدبي 2016 ،ترجمت العديد من نصوصه ونشرت في كتب و مجلات و دوريات مختلفة والى عدة لغات كاﻹسبانية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والفارسية والتركية والكردية والكتلانية والإيطالية والمقدونية والصربية  ضيف هذا الحوار إبن بلاد الرافدين الكاتب والمترجم العراقي  عبدالهادي سعدون لكي يتحدث لنا عن آخر أعماله الأدبية المترجمة من الإسبانية إلى العربية رواية العجوز الغيورEl celoso extremeño  لكاتبها ميغيل دي ثربانتس وهي أول ترجمة عربية لهذا العمل  وهي من الروايات ذا الطابع الواقعي المتمثل بالشخوص والمناخات الوصفية بوازع نقدي متعددة الأصوات في أحيان كثيرة ويتميز أسلوبها ببساطة الحبكة والثيمة والإكثار من عروض المشاهدات اليومية المباشرة بلغة قوية وسريعة ومرهفة فالعجوزالغيور يمضي بنا في سبر أغوار النفس البشرية عن الخوف من الشيخوخة عن الشجع وعن الغيرة التي تصيب الواحد لأنه ينظر للأمر من خلال نظرته يمليه عليه هاجسه المسيطر بأن كل الأمر عبارة عن خدعة وأن الكل لايُؤتمن على شيء انها نفس الحكايات التي عرفناها في السرديات الشرقية وتتخذ لها هنا في هذه الرواية نسيجا وطابعا إسبانيا عن الغيرة والدسيسة والخيانة هي باختصار رواية الغيرة الُمهلكة لمصائر البشر وعن الشيخوخة المرة والشباب غير الواعي وعن العلاقات البشرية المتأزمة وعن الحروب والعداوات وعن الإمبراطوريات اﻵفلة ورغبة البعض في تقنين العالم وتعديله حسب مرامه ورغبته وهواه.

حاوره عبدالحي كريط

> العجوز الغيور أو El celoso extremeño بالطبعة الإسبانية تعتبر من الأعمال الأدبية الهامة لكاتبها ميغيل دي ثربانتس والتي تحمل في طياتها الكثير التمثلات الإنسانية من خلال سبر أغوار النفس البشرية وللبحث عن الهدف الأسمى للحياة واحتمالاتها المتعددة، ماهي الأسباب والدوافع التي دفعتكم إلى ترجمة هذه الرواية ؟

< ترجمة أي عمل لثربانتس هو دافع كبير ومغري بحد ذاته، لا سيما تلك الاعمال التي لم تترجم أو لم يلق عليها الضوء الكافي بسبب شهرة وحضور روايته القمة (دون كيخوته). من هنا جاء اختياري لأعماله المهمة في الرواية القصيرة ومنها روايتنا هذه (العجوز الغيور). يضاف للحكاية والأسلوب الادبي الرفيع فيها، فهي رواية تعالج موضوعاً مهماً من مواضيع النفس البشرية في ضعفها وخضوعها للأوهام والغيرة والشرور، متناسياً ان الحياة عبارة عن هبة ربانية وعلى الجميع التمتع بها وعدم الاستكانة للنزوات الطائشة والتحركات المهلكة.

> المزج بين الواقع والكثير من الخيال هي سمة أساسية للعجوز الغيور، وهروبا من واقع صعب حيث كانت أحلام  أغلبية الإسبان هي الهجرة إلى أميركا بحثا عن حياة أفضل هل هذه الرواية هي انعكاس لتجربة وجدانية مر بها ثربانتيس خلال هذه الفترة؟

< أعتقد ان ثربانتس طوال حياته قد عاش على حافة الحلم بمستقبل أفضل مما كان يعيشه من فقر وضنك وقلة اعتبار من مجايليه، وكل هذا نجده مجسداً في أغلب شخوص اعماله الأدبية. الهروب من واقع صعب واللجوء في اغلب المرات للأدب كحل ونجاة من محن الحياة نفسها. الكثير من أعمال ثربانتس هي في الواقع إنعكاس لتجارب حياتية عاشها أو حلمها أو تمناها. ومنها بطبيعة الحال الهروب من أوضاعه تلك بحثاً عن منافذ حرية وتمكن كما كانت عليه الإبحار والهجرة إلى أميركا.

> ماهي أبرز شخوص العجوز الغيور؟

< هناك العجوز نفسه بطل الرواية، الغيور والمتشبث بعقد ماضية وحاضرة. وهي شخصية تلخص حياة أي إسباني مر بالفقر والتسكع والصعلكة وضيق الحال حتى يهاجر ويعود إلى بلده غنياً ولكن بعد فوات الأوان وقد أصبح كهلاً. أمام الشك والغيرة وبمساعدة ثروته يحاول بناء عالم مثالي داخل بقعة مريبة وعالم متأزم ومنافق. وبالطبع يفشل فيه: يفقد زوجته الشابة بسبب الغيرة ولا يرى في أيامه الأخيرة غير الألم والمرض وخسارته الكبرى بالإيمان بالحياة المريحة الممكنة. ثم هناك الإغواء والموسيقى والدهاء والخديعة ممثلة بشخوص مختلفة تمنح الرواية واقعية وصدقاً وعمقاً.

> الرواية البوليفونية أو الرواية المتعددة الألحان كانت بداية الواقعية الأدبية الحديثة، من خلال أعمال ثربانتس ،هل يندرج  العجوز الغيور ضمن هذه الخانة؟

< في كل أعمال ثربانتس مع (الدون كيخوته) خلالها وبعدها كلها تصب في الواقعية الأدبية ابتكاراً وتجديداً، التنوع واللعب الحكائي والتقنيات المغايرة كلها، ولا يمكن المرور من خلال أي عمل روائي له دون الإنتباه لتلك الخاصيات المتفردة. بفضل قدرته الهائلة على التمثل بكل مميزات عصره ونقلها للقارئ بشكل سردي جديد، جعلنا نتطلع لخلق أدبي متميز ومعاصر، ولا تختلف رواية (العجوز الغيور) عن باقي رواياته وأعماله القصصية، بل تشكل معها ما يشبه موازييك جدارية كبيرة تحاكي عصره وتنقلها لنا بعبقرية تامة.

> ماهي أبرز التحديات الفنية التي واجهتك في إخراج هذا العمل الأدبي، خاصة وأنها تعتبر أول ترجمة عربية لهذا العمل الأدبي؟

< كل ترجمة جديدة لها عوالمها ومعضلاتها حتى تلك النصوص المكتوبة بوضوح وبلغة معاصرة، فما بالك مع نص مثل (العجوز الغيور) يعود لبدايات التشكل اللغوي في اللغة الإسبانية الوليدة ومن آداب القرون الوسيطة. أكاد أجزم أن كل صفحة من هذه الرواية القصيرة والروايات الأخرى لثربانتس تشكل تحدياً بفهمها أولاً وبنقلها بلغة تقارب أسلوب وعوالم ثربانتس الكتابية ثانياً. لا أدري حقيقة كيف يتلقاها القارئ العربي، لكنني متأكد أنني في مواجهتي للنص إثناء الترجمة، كنت أمارس شتى التحولات والتفكير للخروج بنص يحمل روحية ثربانتس وبالوقت نفسه مصاغ بلغة عربية معاصرة. التحديات مستمرة مع أي نص مترجم حتى بعد الإنتهاء منه ورؤيته منشوراً وبين أيدي القراء.

> الرواية إحتوت  مجموعة من  تقنيات الكيخوتية من خلال إظهار كل ماهو ملحمي وغنائي وتراجيدي وتاريخي وكوميدي هل العجوز الغيور إمتداد  لدون كيخوتي دي لامانشا ؟

< العجوز الغيور هو في الواقع صورة أخرى من وجوه الدون كيخوته، الإنسان الذي يعيش بوهم تحقيق فكرة في الرأس أو رغبة في القلب. نعلم أن الدون كيخوته كان يعتقد بجدواه كفارس يخرج لإحقاق الحق وإعادة الإعتبار لأشياء منسية، وفي العجوز الغيور فكرة التشبث بمعادل حياتي يتبناه ويعشش في ذهنيته حول مسألة الابتعاد عن العالم وسد كل الأبواب للحفاظ على الزوجة والشرف والجاه. كلاهما يفشلان في المهمة وكلاهما يموت نادماً في فراشه. لكن لنقف هنا ففكرة الإقدام على شيء والمضي فيه حتى لو كان الفشل النصيب الأكبر للبطل هي الفكرة الرئيسية في كل أعمال ثربانتس.

> على ماذا تدل رمزية الرجل الأسود أو الزنجي في العجوز الغيور ؟

< في الرواية هناك حضور للزنوجة والعبيد، وهذا شيء جديد حقاً في آداب تلك الفترة وتكاد تكون مسألة منسية عند اغلب كتاب تلك الفترة، ولكن ثربانتس يثبتها في عمله هذا ويتناولها من أوجه متعددة لعل أهمها طبيعة (النخاسة) آنذاك وأثرها في المجتمع المديني وكيف وصل الحال لبشر يستعبدون ويباعون كخدم وعبيد. في الرواية أكثر من شخصية موظفة بشكل جيد من شخصيات العبيد والزنوج. يكفي الإشارة للقضية في زمن محاكم التفتيش البغيضة، مثلها مثل مواضيع محظورة أخرى، بمثابة شجاعة نادرة في أزمنة عصيبة.

> ماهي أبرز السيميائيات اللغوية والجمالية التي جاءت بها الرواية ؟

< جماليات عديدة وصور متشابكة متناسقة أو متفرقة ومتناثرة هنا وهناك، بمجموعها تشكل وحدة مغايرة لصورة أدباء عصره والعصور المتتالية. عبر الرموز والتفرد اللغوي بالأسلوب وفي التناول الخاص، وعبر أدبه وآرائه وصوره الإنسانية المتألقة بكل تلونها وخصوصياتها وفرادتها ما يجعل منه عصريا أكثر من أي كاتب معاصر لنا اليوم. لقد بحث ثربانتس في كل أعماله على ما يجعله خالداً في ذهنية القارئ من خلال آرائه ولمساته النقدية وقدرته على الجمع ما بين التصوير والمقارنة والنقد وكأنه يمضي فيها من خلال مشرط دقيق وتوجس تاريخي ورؤية نقدية فنية حساسة.

> بعض النقاد الإسبان وجدوا أن أصول قصة العجوز الغيور تعود إلى البانوراما القصصية الشعبية المغربية وان ثربانتس ربما سمعها أثناء فترة احتجازه بالجزائر، ما مدى صحة هذه القصة ؟

< الفكرة حقيقة لها آثار في الحكايات العربية المغاربية والمشرقية، وهي فكرة الخيانة حتى لو كان الواحد يقيم في جب عميق، والحكايات متنوعة في هذا، ولا يمكن نسيان ألف ليلة وليلة في هذا الشأن أو الحكايات الشعبية العربية المعروفة. ولعل ثربانتس قد استلهمها مباشرة مما عرفه وعاشه في سنوات أسره في الجزائر أو من ضمن تراث المنطقة العربي الإسلامي الأندلسي الذي تغلغل في النسيج الروائي والموروث الشعبي للإسبان والغربيين عموماً، وهذا مؤكد من قبل الدارسين والباحثين الغربيين قبل العرب، ليس في نص أو كتاب واحد إنما في اغلب التراث الأوربي وآدابه منذ أول الكتب المعروفة حتى آخرها.

> كلمة ختامية

< الحاجة الدائمة لمعرفة الآخر عن طريق الأدب، ومعرفة النفس عن طريق الآخر. الخطوات تتقاطع وتتلاقى، وكلها تمهد للفكرة نفسها، فكرة الخلود عبر الأثر الإنساني. ولعل ثربانتتس في هذا العمل وغيره من الأعمال هو أكثر الكتاب الذين لامسوا جوانب  معاصرة لنا لأفكاره المستجدة الدائمة التي لا تنقطع ولا تعتق بالمرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق