سياسة

خيارات تركيا المعقدة في أوكرانيا

محمود علوش

لطالما أتقن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، فن إدارة التناقضات في علاقات بلاده مع كلّ من روسيا والغرب. منذ إعادة تطبيع العلاقات بينهما عقب حادثة إسقاط المقاتلة الروسية في 2015، دخلت أنقرة وموسكو في شراكاتٍ مُتعدّدة الأوجه، بدءاً من مشاريع الطاقة والتعاون الدفاعي، إلى تقاسم النفوذ في شمال سورية وجنوب القوقاز ورعاية اتفاق لوقف إطلاق النار في ليبيا منتصف 2020. كانت هذه السياسة محفوفةً بالمخاطر بالنسبة لأنقرة على نحو كبير، فمن جانب، جعلتها أكثر اعتماداً على روسيا في تأمين مصالحها الحيوية في مناطق كسورية وجنوب القوقاز. ومن جانب آخر، تسبّبت في توتر كبير في علاقاتها مع الدول الغربية. على الرغم من التناقضات الكثيرة في المصالح التركية الروسية في ملفّات عديدة، فإنّ البلدين تمكّنا من إدارتها على نحو مربح لكليهما. في الصراع الروسي الغربي بشأن أوكرانيا، يلجأ أردوغان إلى النهج نفسه الذي اتبعه بين موسكو والغرب، فهو أقام شراكة سياسية وعسكرية واقتصادية مع كييف، ويسعى، في الوقت نفسه، إلى منع تأثير هذه الشراكة على علاقته بموسكو. خلال السنوات الماضية، تقبّل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على مضض طموحات تركيا الخارجية، كونها ساعدته في تعميق الشرخ بينها وبين الغرب، لكنّه، في الأزمة الراهنة، لا يبدو مستعدّاً للمضي في تقبّل دور تركيا في أوكرانيا.

عندما قرّر بوتين إرسال ما يزيد عن مائة ألف جندي إلى الحدود الأوكرانية، كان هدفه الرئيسي الضغط على الغرب لانتزاع تنازلاتٍ منهم على طاولة المفاوضات بخصوص الضمانات الأمنية التي يُطالب بها بخصوص أوكرانيا، وتمدّد حلف الناتو على الحدود الشرقية لروسيا. لكنّ الأبعاد العسكرية للأزمة سُرعان ما طغت بشكل أكبر مما كان متوقعاً بالنسبة لجميع الأطراف، بمن فيهم موسكو نفسها التي تواصل التأكيد على أنها لا تُخطّط لغزو أوكرانيا. على مدى الأسابيع الماضية، أرسلت واشنطن ودول غربية أخرى أسلحة متطوّرة إلى كييف، فيما أرسلت دول في «الناتو» قواتٍ إلى الدول الأعضاء في الحلف في أوروبا الشرقية. في المقابل، أطلقت روسيا مناوراتٍ عسكريةً في بيلاروسيا والبحر الأسود. هذا المنحى التصعيدي للصراع يجذب اهتمام أنقرة على نحو متزايد، ففي مطلع شهر فبراير/شباط الجاري، أجرى أردوغان زيارة إلى كييف، في مسعى لإطلاق وساطة بين روسيا وأوكرانيا. وعلى عكس الأجواء التي كانت سائدة قبيل الزيارة، تمثلت النتيجة الأهم لها في إبرام اتفاقيات جديدة بين أنقرة وكييف لتعزيز التعاون بينهما في مجالات عديدة، سيما الدفاعية منها. وكان للزيارة بُعدان مهمّان على صعيدي العلاقات التركية الأوكرانية والتركية الروسية، فقد سعى أردوغان إلى التأكيد على مضيّ تركيا في شراكتها مع أوكرانيا، على الرغم من اعتراض روسيا. في المقابل، يشير انتقاد أردوغان الدور الغربي في الأزمة إلى تمسّك أنقرة بسياسة عدم الانخراط إلى جانب الغرب ضد موسكو.

مع ذلك، تبدو الرسائل التركية إلى مختلف الأطراف متناقضة على نحو كبير، فقد سبق أن حذّر أردوغان موسكو من مغبة الإقدام على أي هجوم عسكري على أوكرانيا، ووصفه بأنه سيكون حماقة روسية. حتى أنّه لمّح صراحة إلى أن تركيا ستقوم بما يلزم باعتبارها عضواً في «الناتو» في حال غزت روسيا أوكرانيا. مع ذلك، تُفضل أنقرة الوصول إلى تسوية للصراع بما يحول دون تضرر مصالحها الكثيرة مع موسكو. تعتمد تركيا على الغاز الروسي والسياح والواردات الروسية ولديها وجود عسكري مشترك مع روسيا في سورية وقره باخ، على الرغم من المخاوف التاريخية القديمة بشأن نفوذ موسكو في أوروبا الشرقية والقوقاز ومنطقة البحر الأسود. علاوة على ذلك، تكتسب مساعي الوساطة التي ترغب أنقرة في القيام بها أهمية لها بقدر أكبر من أهميتها بالنسبة لموسكو وكييف، أو تأثيرها على مسار الصراع، فبالإضافة إلى أنّها ستُكرس دور تركيا الحيادي في الأزمة، فهي ستُشكل اختباراً حاسماً لمدى فاعلية استراتيجية التوازن التي تنتهجها بين موسكو والغرب، فضلاً عن أنّها ستُحدّد ما إذا كانت تركيا قادرةً على إبقاء البحر الأسود منطقة هادئة، ومنع تحوّلها إلى منطقة صراع عسكري بين روسيا والغرب. كلّ هذه الأسئلة تكشف، في الواقع، خيارات تركيا المعقّدة للغاية في هذا الصراع، وحجم التأثير لأي موقف ستتخذه في المستقبل على صعيد علاقاتها مع روسيا والغرب، وعلى صعيد منطقة البحر الأسود.

في الوقت الراهن، تنتظر أنقرة أن يُلبي بوتين دعوة أردوغان لزيارة تركيا في الأيام القليلة المقبلة. مع ذلك، فإنّ اتجاه تركيا إلى تعزيز علاقاتها الدفاعية مع أوكرانيا، والمؤشّرات المتزايدة لتصعيد عسكري محتمل، يُفقدان الزيارة أهميتها على صعيد الوساطة. هنالك أسباب كثيرة تدفع بوتين إلى أن يكون متشدّداً في حذره إزاء الدور التركي في الأزمة، فعلى الرغم من أنّ أنقرة تعرض نفسها وسيطاً محتملاً، فإنّها طرف رئيسي داعم لكييف. على عكس القضايا التي لتركيا وروسيا تعاون ثنائي فيها كسورية وجنوب القوقاز، فإنّ بوتين ينظر إلى أوكرانيا بوصفها جزءاً تاريخياً من روسيا، وبالتالي دور تركيا التي هي جزء من حلف شمال الأطلسي يُشكل تهديداً لتصوّر بوتين بشأن مستقبل أوكرانيا. كانت هذه المقاربة الروسية لتركيا حاضرة بعد حرب قره باخ بين أذربيجان وأرمينيا، عندما عارضت موسكو رغبة أنقرة في إنشاء قاعدة عسكرية لها في أذربيجان كونها عضواً في «الناتو». ولطالما كانت تركيا في مقدّمة الدول التي دعمت استقلال الجمهوريات السوفييتية السابقة، لكنّ دعمها أوكرانيا بعد ضم روسيا للقرم ذهب إلى أبعد من ذلك، فقد أقامت علاقات دفاعية قوية مع كييف وزوّدتها بطائرات من دون طيار، يأمل الأوكرانيون أن تُساعدهم في قلب موازين القوى لصالحهم ضد الانفصاليين المدعومين من موسكو في إقليم دونباس.

على خلاف القضايا التي تتعاون فيها تركيا وروسيا، وتتضارب فيها مصالح أنقرة والغرب، فإن أوكرانيا تُمثّل نقطة التقاء بين تركيا والغرب، وهذا سبب آخر يدفع بوتين إلى معارضة الدعم التركي للسلطة فيها. إضافة إلى ذلك، فإنّ أحد الأهداف الرئيسية لأنقرة في علاقاتها مع كييف استعادة التوازن مع روسيا في البحر الأسود، وتقويض جهود موسكو لتحويل هذه المنطقة إلى بحيرة روسية. لتركيا ميزة استثنائية في الصراع الراهن، كونها تمتلك علاقات جيدة مع كلّ من موسكو وكييف، لكنّ هذه الميزة لا تكفيها للعب دور الوساطة، لأسباب عديدة، أهمّها أنّ الصراع ليس روسياً أوكرانياً، بل صراع روسي غربي على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لأوروبا الشرقية. كما أنّ روسيا تعتبر المشكلات بينها وبين أوكرانيا جزءاً من مشكلتها مع الغرب بالدرجة الأولى، ما يعني استحالة حلّ هذه القضية من دون التفاوض مع الغربيين مباشرة. وبالنظر إلى أنّ موسكو تُجري محادثاتٍ منذ فترة مع الغرب بخصوص مطالب الضمانات الأمنية، فإنّ من المستبعد أن يرجع بوتين خطوة إلى الخلف، بقبول التفاوض مع كييف بوساطة تركية. مع ذلك، لم تعد الأزمة روسية غربية، بل يُمكن أن تتحول أيضاً إلى مشكلة كبيرة في العلاقات التركية الروسية. لا أحد الآن يستطيع أن يعرف، على وجه الدقة، كيف يُقيّم بوتين المكاسب والمخاطر المحتملة لشن حربٍ جديدةٍ على أوكرانيا، لكنّ العواقب تبدو واضحة للجميع، فالغربيون يُلوحون بخياراتٍ عديدة للرد، كفرض عقوبات اقتصادية مؤلمة على الاقتصاد الروسي، وتزويد كييف بمزيد من الأسلحة، لتحويل أي غزو روسي إلى حرب استنزافٍ شبيهةٍ بالتي خاضها الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. في هذه الحالة، تزداد المخاطر على تركيا بشكل أكبر.

في أزمة 2014، عارضت أنقرة ضم القرم، لكنّها لم تنضم إلى العقوبات الغربية ضد روسيا. ومن المرجّح أن تواصل النهج نفسه في حال فرض الغرب عقوباتٍ جديدة على موسكو. مع ذلك، ستؤثر أي عقوبات بشدة على مشاريع الغاز المشتركة بين تركيا وروسيا، وهي مهمة لاستراتيجية أنقرة في لعب دور رائد بوصفها مركزاً للطاقة في العالم. لم تمنع معارضة أنقرة ضم القرم أردوغان وبوتين من تعزيز شراكتهما، فبالإضافة إلى أنّ روسيا هي أكبر مورد للطاقة إلى تركيا، بنت موسكو خط أنابيب للغاز الطبيعي، ترك ستريم، الذي ينقل الغاز الروسي مباشرة إلى تركيا تحت البحر الأسود. يبني الروس أيضاً أول مفاعل نووي في تركيا. ويُمثل السياح الروس مورداً مالياً مهماً لتركيا من العملة الصعبة. على صعيد آخر، تدفع مصالح تركيا في سورية إلى أن تكون أكثر حذراً في خطواتها بشأن أوكرانيا. لدى أردوغان وبوتين تفاهمات بشأن وقف إطلاق النار في إدلب والمنطقة الآمنة التي تُديرها تركيا في الشمال السوري. كما أنّ الهيمنة الروسية على المجال الجوي السوري وتأثيرها على الوحدات الكردية يضغطان على أنقرة لمنع تأثير خطواتها في أوكرانيا على تفاهماتها مع روسيا. من المفارقات المثيرة للاهتمام في العلاقات التركية الروسية أنّ الخوف من الاتحاد السوفييتي هو الذي دفع تركيا إلى الانضمام إلى «الناتو» قبل عقود، لكنّها اليوم تبدو أكثر حذراً في الانجراف مع الغرب لمواجهة مساعي بوتين إلى إعادة إحياء النفوذ السوفييتي. ستتمسّك أنقرة بموقفها السياسي الداعم لكييف، لكن من غير الواضح كيف سيوازن أردوغان بين علاقة تركيا العضوية بالغرب ومصالحها الحيوية مع روسيا، في حال أصبحت الحرب حتمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق