سياسة

ألمانيا والغاز الروسي … إشكالية اقتصادية واحدة في ظل ثلاثة مستشارين

الأزمة الأوكرانية..صراع جيوسياسي ستشكل فيه واردات أوروبا من الغاز الروسي أحد عناوينه الكبرى

عبد العالي الطاهري

في هذه الظرفية الحساسة دولياً، والتي يتابع فيها العالم تطورات الأزمة السياسية في أوكرانيا تتركز أنظار المستثمرين وقيادات العالم الاقتصادية على انتشار الاضطرابات وعدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي نتيجة لتأثيرات هذه الأزمة .

ويبدو أنَّ الأزمة السياسية في البلاد تعود في جذورها إلى الأزمة الاقتصادية المزمنة، وهي البلد الذي يشكل الممر الاستراتيجي بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن كونها من أكبر مصدري الحبوب في العالم .

أصبح اقتصاد أوكرانيا بعد الحقبة السوفييتية اقتصاد «نهاية أسبوع»، وأصبحت الحكومة بحاجة إلى عملية إنقاذ اقتصادي شاملة ممزقة بين خيارات اللحاق بروسيا أو اللحاق بالغرب، وهو الخيار الذي لا مفر لها منه .

الرابط الأهم بين روسيا والغرب

لم تعد أوكرانيا تلك القوة الاقتصادية المعهودة، لكنها لا تزال تحتفظ بنفس الأهمية الجغرافية . وتزود روسيا القارة الأوروبية بنسبة 25% من احتياجاتها من الغاز، ونصف تلك الكمية تضخ عبر شبكة أنابيب تمر عبر أوكرانيا، وكانت موسكو قد لجأت لقطع تلك الإمدادات في نزاعات سابقة مع كييف ومثل هذا القطع قد يرفع أسعار الطاقة التي تشتريها الشركات والدول الأوروبية .

أزمة أوكرانيا ـ الغاز الروسي يضع ألمانيا في عين الإعصار

تَحوَّل تزويد روسيا لألمانيا وأوروبا بالغاز إلى رهان استراتيجي أجًجه احتمال غزو روسيا لأوكرانيا، وتهديد الرئيس الأمريكي جو بايدن بعد محادثات مع المستشار أولاف شولتز بنهاية نوردستريم 2 في حال اجتياح موسكو لجارتها الغربية.

إلى ذلك، دعت واشنطن رعاياها إلى مغادرة أوكرانيا فورا، محذرة من غزو روسي محتمل لهذا البلد، وقال الرئيس الأمريكي جو بايدن في مقابلة مع شبكة «إن.بي.سي.نيوز» (العاشر من فبراير/ شباط 2022) «نحن نتعامل مع أحد أكبر الجيوش في العالم»، في إشارة إلى الجيش الروسي، موضحا على أنَّ «هذا وضع مختلف جدا، والأمور يمكن أن تصبح جنونية بسرعة». وأوضح بايدن أنَّ بلاده لن ترسل تحت أي ظرف قوات إلى الميدان في أوكرانيا، حتى لو تعلق الأمر بإجلاء أمريكيين في حال حصول هجوم روسي. سيناريو التصعيد ستكون له ارتدادات عالمية ما جعل ألمانيا بالرغم منها في قلب صراع جيوسياسي ستشكل فيه وارداتها من الغاز الروسي أحد عناوينه الرئيسية.

وخلال زيارة المستشار الألماني أولاف شولتس للبيت الأبيض (السابع من فبراير)، أكد الرئيس بايدن أنَّ أي غزو روسي لأوكرانيا سيكون توقيعا على نهاية خط أنابيب نورد ستريم 2، وبهذا الصدد كتبت صحيفة «دي فولكس كرانت» الهولندية: «ألمانيا هي ثاني أكبر شريك تجاري لروسيا بعد الصين، وستعاني بالتالي من أي عقوبات اقتصادية (غربية ضد موسكو).. إنَّ أهم شيء يمكن أن يفعله شولتش بعد محادثاته مع بايدن هو أن يؤكد صراحة أن نورد ستريم 2 لن يدخل في الخدمة إذا غزت روسيا أوكرانيا. (..) شولتس أكد الشهر الماضي أنَّ كل الخيارات مطروحة على الطاولة في حال حدوث عدوان روسي».

وحَذَّر شولتس روسيا من التشكيك في وحدة الأوروبيين وتضامنهم بشأن الأزمة الأوكرانية. وأوضح على هامش مشاورات أجراها مع قادة دول البلطيق الثلاث في برلين أنه يتعامل «بجدية كبيرة» مع القلق الذي تبديه الدول الثلاث، وأضاف أنَّ «الأمر يتعلق بتجنب حرب في أوروبا»، وهو يعرف أن تداعياتها ستشمل كامل أوروبا.

ألمانيا والغاز الروسي ـ ثلاثة مستشارين ومشكل واحد

تمَّ التوقيع على اتفاقية بناء الخط الأول من نورد ستريم في سبتمبر/ أيلول 2005 بحضور المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد فترة وجيزة من الخسارة الانتخابية للائتلاف الذي كان يقوده، وبعد أسبوعين فقط من تركه لمنصبه أصبح شرودر، باقتراح من بوتين، رئيسًا لمجلس الإشراف على شركة تشغيل خطوط الأنابيب « إن.إي.بي.غي»، وتثير الصداقة بين شرودر وبوتين كثيرا من التعليقات اللاذعة في ألمانيا. موقع «تاغسشاو» التابع للقناة الألمانية الأولى كتب معلقا (العاشر من فبراير) « الرجل الذي صنع لنفسه ذات مرة سمعة وتقديرا بوقوفه في وجه حرب العراق (..) باتت لديه أجندته الخاصة، لقد تمَّ تخفيض رتبته إلى مجرد رجل عجوز حزين من قبل صديقه الديمقراطي الذي لا تشوبه شائبة فلاديمير بوتين، الرجل الذي يتقاضى رواتب ويأخذ الأوامر ».

من جهتها، واصلت خليفته أنغيلا ميركل دعم المشروع رغم كل الانتقادات والتحفظات، مؤكدة كل مرة أن الأمر يتعلق بمشروع اقتصادي محض وليس بمشروع سياسي. ويعتبر الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي ينتمي إليه المستشار الحالي أولاف شولتس من أكبر داعمي المشروع، إضافة إلى حزب اليسار وحزب البديل من أجل ألمانيا ورؤساء وزراء ولايات شرق ألمانيا، فيما عرف عن حزب الخُضر، وهو عضو في الائتلاف الحاكم حاليا في برلين، دعواته المتكررة للتخلي عن المشروع بسبب الانقسامات حوله في الاتحاد الأوروبي ولأنه يرى أيضا أنه يقوي روسيا.

أهمية نورد ستريم للأمن الطاقي لألمانيا

تعتبر ألمانيا المستورد الرئيسي للغاز الروسي في أوروبا، وقد ساهمت في إنجاز خطَّيْ أنابيب نوردستريم، مشروع تجنب الطريق البري عبر بيلاروسيا أو أوكرانيا حيث سلك بحر البلطيق بربط روسيا مباشرة بألمانيا، الأمر الذي أغضب عددا من دول شرق أوروبا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، ما أثار عددا من الإشكالات الاقتصادية والجيوسياسية. ورغم تحفظات حلفاء ألمانيا حول المشروع منذ البداية، فإنهم لم ينجحوا تماما في منع إنجاز المشروع، غير أنَّ الاستعدادات الروسية المفترضة لغزو أوكرانيا جعلت من ذلك موضوع استقطاب سياسي حاد.

بسبب الانتقال الطاقي، توقعت الشركة المشغلة لخط الأنابيب عام 2016 بأنه سيكون لأوروبا طلب إضافي على الغاز الطبيعي لا يقل عن 100 مليار متر مكعب سنويًا، كما أنَّ إئتلاف «إشارة المرور» (حكومة برلين) يعتبر الغاز مصدرًا مهمًا للطاقة في مرحلة التخلص التدريجي من الطاقة النووية والفحم، وحتى تتمكن البلاد من تغطية احتياجاتها من الطاقة بشكل تصاعدي وكامل من خلال مصادر غير أحفورية، غير أنَّ المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية اعتبر في عام 2018  أنَّ نورد ستريم ليس ضروريا كما شكَّك في جدواه الاقتصادية، متوقعا انخفاض الطلب على الغاز في ألمانيا وأوروبا على المدى الطويل، كما اعتبر المعهد أنَّ ألمانيا تملك خيارات أخرى، من خلال دول أخرى منتجة للغاز بكميات كافية.

شبكة الإعلام الألمانية «إير.إن.دي» (التاسع من فبراير) ذهبت في نفس الاتجاه «الكل يعلم أننا بالفعل مدمنون على الغاز الروسي مثل مدمني المخدرات. شركة غازبروم الروسية كشفت لبقية أنحاء العالم في تغريدة على موقع تويتر أنها صدّرت في العام الماضي (2021) ما لا يقل عن 59.2 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى الغرب عبر نورد ستريم 1 (..) في برلين، يعترف السياسيون من جميع الأحزاب اليوم بارتكاب الكثير من الأخطاء في سياسة الغاز الألمانية خلال السنوات الأخيرة، على عكس إيطاليا، مثلا، لا توجد قوانين في ألمانيا تفرض على المُوَرِّدين ملء احتياطي الغاز الوطني، وعلى عكس جميع الدول الأوروبية الساحلية الأخرى، من غير المعروف بعد متى ستعمل ألمانيا على إعادة تحويل الغاز المُسال إلى غاز والذي يُصدَّر عبر طريق السفن » .

محطات «الربط الغازي» بين ألمانيا وروسيا

تم الانتهاء من أشغال بناء الخط الثاني من خط أنابيب نودر ستريم في السادس من سبتمبر/ أيلول 2021، وهو خط يبلغ طوله 1.230 كيلومترا عن طريق بحر البلطيق من «أوست لوغا» في خليج لوغا في روسيا وصولا إلى لوبمين بالقرب من غرايفسفالد في ولاية ميكلنبورغ فوربومن. ويبلغ قطر الخط الثاني 1.2 متر بالتوازي مع الخط الأول الذي بدأ به العمل رسميا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011.

وبإمكان كل خط نقل ما لا يقل عن 55 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، ويذكر أنَّ الخط الأول مملوك بنسبة 51% لشركة غازبروم الحكومية الروسية و15.5% لـ»وينترشال» التابعة لشركة باسف وإيون رورغاس (ألمانيا)، و9% لكل من «غي.دي.إف» (فرنسا) و « غاس أوني» (هولندا)، أما نوردستريم 2، فمملوك بنسبة مائة في المائة لـ غازبروم، وحسب التقديرات، فقد بلغت تكاليف إنجاز الخط الثاني ما لا يقل عن ثمانية مليارات يورو.

ولا تزال عملية التصديق على بدء عمل الخط الثاني من قبل الوكالة الألمانية ذات الاختصاص، معلقة، ولتحقيق ذلك، يتعين على الشركة المشغلة لنوردستريم 2، إنشاء شركة فرعية لها في ألمانيا، وفق القانون الألماني، وبعدها سيكون بإمكان الأخيرة إدارة الجزء الألماني من خط الأنابيب البالغ طوله 150 كيلومترا. وتبحث الوكالة الألمانية ما إذا كان خط الأنابيب يَفِي بجميع المتطلبات الفنية والقانونية للموافقة عليها، قبل أن تراجعها في مرحلة نهائية المفوضية الأوروبية وحينها فقط يمكن صدور الترخيص النهائي. 

موسكو تضرب عدة عصافير بحجر واحد

مرور خط نورد ستريم 2 عبر المياه الدولية وليس عبر البر بتفادي المرور ببيلاروسيا وبولندا، أو أوكرانيا وسلوفاكيا وجمهورية التشيك، مكَّنَ روسيا من توفير مليارات اليورو التي تدفعها سنويا لدول العبور، وقد وظفت تلك الدول موقعها في الماضي للتفاوض على شروط أسعار أفضل، وبالتالي فهي تعتبر من أكبر المتضررين لأنها تخشى من أنَّ نورد ستريم 1 و2 سيجعل الأنابيب الأرضية غير ضرورية على المدى الطويل، ما سيقطع عنها إمدادات الغاز المباشرة وبأسعار تفضيلية. وبعد مفاوضات ماراثونية، وقَّعت روسيا وأوكرانيا في 30 ديسمبر/ أيلول 2019، عقدًا لنقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا، ساري المفعول حتى نهاية عام 2024، وبعد ذلك يمكن تمديده لمدة عشر سنوات أخرى، وهو ما يضمن إيرادات لأوكرانيا بقيمة ثلاثة مليارات دولار أمريكي سنويًا.

وهذا ما يفسر شكاوى موسكو التي تتهم فيها الغرب وبالأخص واشنطن باستخدام خط أنابيب الغاز كأداة للضغط في الأزمة الأوكرانية. وقال نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف، (التاسع من فبراير) «للأسف هذا انعكاس للحقائق الموجودة في أوروبا والناتو (..) سيرك سياسي ينظمه الغرب». وتعتبر روسيا أكبر مُصدِّر للغاز والنفط في العالم، بإيرادات بلغت 337 مليار دولار عام 2020 وهو المصدر الأكبر للميزانية الروسية، حيث يعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكثر أهمية لموسكو، وتولد روسيا حوالي نصف حجم التجارة الخارجية مع دول المجموعة.

حلفاء برلين قلقون من احتمالات الابتزاز الروسي

الحجة الرئيسية التي دأب معارضو المشروع على رفعها هو أنَّ ألمانيا وأوروبا ستفقدان استقلاليتهما الطاقية تجاه روسيا المتهمة باستعمال الطاقة كسلاح للابتزاز السياسي، وبالتالي فإن الاعتماد على الغاز الروسي سيعني بالضرورة المزيد من التبعية السياسية. ويعتبر عدد من دول الاتحاد الأوروبي أنَّ الاعتماد على مُورِّد واحد، شركة غازبروم الروسية المملوكة للدولة، خطرا استراتيجيا، وتدعو بالتالي إلى تنويع مصادر الإمداد الطاقي. واتهمت بولندا، على سبيل المثال، ألمانيا وروسيا باتخاذ قرار بشأن المشروع دون الدول المعنية وعدم مراعاة مصالح دول العبور السابقة.

موقف الولايات المتحدة بدوره كان متحفظا منذ البداية حتى أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب هدد بفرض عقوبات على ألمانيا إذا تم استكمال مشروع الخط الثاني، وأدى تهديد واشنطن إلى تجميد المشروع لمدة عام تقريبًا، لكن خليفته جو بايدن تراجع عن هذا الموقف المتشدد. ويذكر أنه في عام 2017، قرر الكونغرس الأمريكي تشديد العقوبات ضد روسيا وشملت في المقام الأول قطاع الطاقة.

ومن الناحية الاقتصادية المحضة، فإنَّ للولايات المتحدة مصلحة في بيع غازها الصخري لأوروبا أيضا بدلا من الغاز الروسي. صحيفة «هاندلسبلات» الاقتصادية الألمانية (25 يناير) «لقد تسبب المشروع بالفعل في إلحاق ضرر جسيم بالسياسة الخارجية الألمانية في السنوات الأخيرة، إذ أدى لانقسامات كبيرة في ألمانيا وأجزاء كبيرة من الاتحاد الأوروبي. وتعمل أوكرانيا وبولندا ودول شرقية أخرى بعرقلة المشروع لأنها تخسر رسوم العبور مهمة أثناء التكليف، فيما تسعى الولايات المتحدة لبيع غازها الطبيعي المُسال لأوروبا ».

أزمة أوكرانيا تؤكد ضرورة تنويع مصادر الغاز

ويتوقع عدد من المراقبين فرض عقوبات اقتصادية غربية ضد موسكو في حالة غزوها لأوكرانيا وقد يعني ذلك مناسبة لإعلان موت نورد ستريم 2. ووفق المستشار الألماني أولاف شولتس، فإنَّ «كل شيء» سيطرح على طاولة النقاش في حال اجتياح روسي لأوكرانيا. وفي كل مرة يمتنع فيها المستشار شولتس عن تأكيد أنَّ خط أنابيب نورد ستريم 2 سيتوقف في حالة الغزو الروسي لأوكرانيا، تتزايد الشكوك لدى حلفاء ألمانيا، ليس لأنهم لا يثقون بشولتس، ولكن لأنهم يعرفون أن ألمانيا تعتمد على الغاز الروسي».

وحول قدرة قطر على سد فجوة إمدادات الغاز الروسي كتب موقع «شبيغل أونلاين» (التاسع من فبراير) «يعمل الرئيس الأمريكي جو بايدن على توفير بدائل لإمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا. غير أنَّ خبير الطاقة ديفيد باتر يرى أنَّ ذلك سيكون صعبا وأنَّ إغلاق نورد ستريم 2 لن يكون مفيدا بشكل كبير »، وبالتالي لن يكون بوسع قطر سد الفجوة التي سيخلفها توقف الغاز الروسي عن أوروبا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق