ثقافة وفن

أسامة دياب صورة المرأة رمزية تعبيرية وقضية إنسانية

بشرى بن فاطمة

مثلما ألف التشكيلي السوري أسامة دياب الألوان والخطوط والتراكمات الحسية ألف معها شخوصه وروّض تفاصيلها المتمرّدة والمنكسرة والتائهة والمتداخلة كل حسب حضوره ودوره وقضيّته التي مرّة انتصر عليها وعبر فوق أزماتها ومرّة استسلم لها وانكسر أمامها، ليصنع من حضورها ملاحم وينتشلها من بؤس واقعها إلى خلود وهو يثري تفاعلها الأزلي مع ذاتها ومع الكون.

ولعل اختياره لحضور المرأة في لوحاته وتأثيرها على تفاصيل تلك اللوحات في منطلق فكرتها العامة، أسّس لرؤية عميقة اجتمعت على دلالات حمل فيها فكره الشاسع وأحاسيسه المتداخلة، دون أن يستثير في الحضور التصنيف أو في الأساطير والأشعار التضحيات والتماثلات البصرية فقد تعامل معها بقوة قادرة على استيعاب التحوّلات الحسية والاجتماعية والثقافية والفنية، فلم يجعل منها تصنيفا ضعيفا بقدر ما صنع فيها ومنها الدور الرئيسي المُشع والحقيقي للذات الإنسانية ككل.

يقول أسامة دياب تعقيبا على فكرة توظيف المرأة كرمزية وشخصية وملامح وحضور « إن ما يحمل في غالبية أعمالي حضور المرأة المُؤثر والمنفعل، بالإضافة إلى كونها محور الجمال المراد من قيمة وأثر اللوحة، أنها صاحبة القضية وأم للفكرة وعصبها الرئيسي، حيث تتقاطع كل الدلالات والرؤى عندها فهي في تجربتي تحجز الحصة الكبيرة من مساحة العمل، لتبدو تماما كما الولادة فهي تلد ذاتها وتتفرد بها وتفرض حضورها اللازم، لتبدو مرة جميلة في توظيفها المألوف أو حزينة مثل قدرها الذي يفرض عليها أن تكون قوية بطموحها أو أحيانا ضعيفة ومنكسرة، فالأنثى في أعمالي هي صاحبة القرار والارتجال باللمسة والعنف والرقص، بالحركة تصنع موسيقاها برقة وجهها أو رعشة ثوبها ولغة أصابعها، في لوحتي المرأة صاحبة الرسالة وحاملتها.»

يرتكز أسامة دياب عند تكوين مٌنجزه الفني على تصوّر بصري أجاد فيه الاعتماد على المدرسة التعبيرية بكل ما تحمله من روح بصرية معتّقة بتفاصيل تفكّك حواس الفرد وتُعلي قيمة الانسياب الحسّي، فمن خلال تفاصيل الواقع قام بتفعيل فكري حاول به تحليل ذاته في الحضور دون انفصال عن ذلك الانتماء، ساعده تشكيليا على التعمّق في مداها الفلسفي بحكمة.

وتلك الحكمة هي التي دفعت دياب للتجريب والتحوّل بين تفاصيل هويّته وانتمائه لمنطقته وثقافته ووجوده فمزج كل تراكماته الفكرية والحسية في تصورات تجريبية اقتلعت جمود وبؤس وعتمة الواقع وخلقت منافذ أمل جديدة استمالها بالبحث في الأدب والشعر والأسطورة وملاحمها.

وهذا التجريب لم يحدّ من الفهم بقدر ما فسّر وحلّل وفكّك كل التداخل بين الحسّي والفكري فكان توجّهه البصري حاملا لعدّة ارتكازات وأسس حاول بها قراءة الواقع ومنه استنتاج الأحاسيس الكثيفة وتحويلها عبر اللون إلى لغة سعت إلى أن تنشر تفاصيل وتكوينات الشخوص وأدوارها في محتوى العمل المتكامل، ليسرد الفنان قصته باللون وتعبّر الشخوص عن ذاتها بالحضور والتحوّل من الجمود إلى الحركة وهي تفسّر للعالم قضاياها التي تراكمت بين الظلم الاجتماعي وظلم الاحتلال وظلم القدر والواقع وهنا سرد بصريا قضايا المرأة المغتصبة وصلب المجتمع لها ونبذها وتعتيمها، أم الشهيد والأسير وحرقة البحث عن ملاذ روحاني ينتشل ذاتها الشريدة وغربتها في الوطن حكم المجتمع وتصنيفه الدوني لها ولتضحياتها ورغبتها في الانعتاق.

وبالتالي كانت المرأة عند كل محتوى هي الركيزة والأولى التي انعكس فيها مفهوم الأرض والوطن والانتماء والهوية والمنبت والتضحية والجمال والفن والأسطورة والخلود والولادة والخصوبة والاستمرارية والتجدّد، كما كانت في أعمال دياب أيضا حضورا متناقضا انعكس فيه مفهوم الحياة والموت بين وجودها الحقيقي وتقييدها الاجتماعي.

يحاول أسامة دياب أن يحمل المتلقي أبعد في تكوينات لوحاته ليخبره أن عمله الفني لا يمكن أن يكون مجرّدا عن الحواس التي يشكّلها وهو يبحث عن التوازنات الإنسانية، فهو بتوظيف حضور المرأة لا يلغي الرجل ولا يقع في سطحية التصنيف بقدر ما يستثير تكوينات التعبير لتتكامل وتنطلق وفق منطقه الحسي والفكري وتجريبه البصري بجمالية فنية واندفاع نحو العلامة التي تجتمع مع حركة الفرشاة وتنساب مع اللون وتتحمل بدورها حركة الفنان بين كل منعرج قد يبعث في الحركة انفعالا ويُعلي أحيانا سوداوية الأفق ليتجاوزه بتفعيل الملامح حسب منطلقاته المزاجية التي تهدأ بعد تصارع داخلي مع ذاكرة الحواس ومجادلة فكرة الواقع وهنا تتوازن التقنية بين اللون والظل وبين العتمة والنور وبين الأنثى والحياة بحثا عن الجمال وتناقضات الوجود من خلال النبش في السطح وصولا للعمق.

تحمل رمزية المرأة في فن دياب انعكاسا متنوّعا يشكّلها فيه حسب الواقع والتطلّع الأبعد نحو الأفق، فبين إحباط وتفاؤل وبين اندفاع وتراجع، يستجمع رغبته في استعادة الماضي ومعايشة الحاضر، ليشكّل المرأة حسب تفاصيله التي يبحث عنها ورسائله التي يريد تفكيكها، لتبدو مع كل تلك الصدامات أشبه بتمثال قديم يحاول دياب أن يستفزّ حركتها وهو يتعامل مع لوحته بعنف من خلال ضربات فرشاة واسعة وهذا العنف يتبلور في الإيماءة والنظرة والوجوم البارد ليبدي انزعاجه في وجه تلك المرأة المرتبط بالأساس بشعوره بالعجز أمام كل ذلك السواد في الواقع المتراكم بالدمار.

*الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق