ثقافة وفن

محمود الزيات رحلة الصورة عبر الأزمنة من الإخبار إلى الفن

تساؤلات الواقع والوجود

بشرى بن فاطمة

تتعايش الصورة مع مُصوّرها فتتشكّل بينه وبينها علاقة مختلفة التفاعلات الفكرية والفنية والبصرية والحسية، فتنفلت منه لتعبر إلى المُتلقي وتحاكي به ثوابت أخرى تعيد سرد التاريخ واللقطة وما اختلج معها من تفاصيل.

وتلك انعكاسات الصورة التي يتجرّد فيها ومنها المصوّر الصحفي اللبناني محمود الزيات، فمثله مثل باقي المصورين الصحفيين الذين عايشوا تفاصيل لبنان ومراحله السياسية من سبعينات القرن الماضي إلى الفترة الحالية حمل ذاكرته في الصور وانتقل معها وعبرها من مرحلة التوثيق إلى مرحلة التأريخ لتلك الذاكرة ومنها نحو تثبيت الروح الفنية في صوره التي حوّلت كل ذلك الأرشيف إلى مجموعات صور لها تعابيرها وقراءاتها ورموزها ودلالاتها الكثيفة بالتفاسير والمليئة بالتناقضات الحسية التي أكسبتها انتماءات فنية صنفتها إلى التعبيرية والواقعية المفرطة والسريالية.

بدأ محمود الزيات تجربته في المجال البصري مع الصورة الفوتوغرافية الصحفية في سنة 1989 متنقّلا بين العديد من الصحف اللبنانية والعربية ومع الوكالة الفرنسية للأنباء، واكب مختلف الأحداث التي هزّت واقع الاستقرار اللبناني ميّزت تاريخ لبنان الحديث والمعاصر ومختلف المستجدات المتنوعة منذ مطلع الثمانينات ومن سنة 1993، 1996، 2000، إلى جويلية 2006.

هذه المسيرة الصحفيّة التي كانت مليئة بالمخاطرة والمغامرة والتي شحنت ثقوب الذاكرة بكل التفاصيل المعتمة التي عايشها الزيات بشكل فردي وجماعي من خلال كل صوره التي تقمّصها وتشرّب تفاصيل شخوصها ومعاناتهم قبل أن ينتقل من مرحلة المصوّر إلى مرحلة الفنان، حيث ساعدته صوره على المشاركة في العديد من المعارض في لبنان وفي الخارج واقتنيت أعماله من عدّة جهات نذكر منها عديد الصور التي أسّست لبنك الصورة اللبناني «متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية» المكوّن من 150ألف صورة عن تاريخ الحرب وما بعدها في لبنان،  كما تميّز عند مشاركته في إحدى المسابقات الفوتوغرافية العالمية بصورة نالت الجائزة الأولى عن طفلة لبنانية تدعى « داليا حسين» أصيبت خلال غارة جوية إسرائيلية في عدوان 2006 نقلت إثرها إلى مشرحة إحدى المستشفيات ولكنه أثناء التصوير اكتشف أنها مازالت على قيد الحياة، فتمّ إسعافها وأنقذت بفضل تلك الصورة لتعبر نحو الحياة من الممر الضيّق للموت.

ولأن محمود الزيات لم يكتف بالنقل بقدر ما تجاوزه للتعليق الذاتي والانطباعي والتعبيري بتمرّد احتوى بليونازم الواقع وتداخلات التاريخ ومعرقلات الجغرافيا وهي تدفع بالكل إلى الكل ومنه تحوّل إلى مصوّر فنان استطاعت صوره أن تغني المتلقي عن الخبر المكتوب لأنها كانت تثير التفاصيل الداخلية وتحرّك المشاعر وهي تتكوّن عبر الذكريات محدثا الشجن والألم والأمل، وهنا انعكس لبنان في تفاصيل كل الصور التي التقطها وعبّر فيها عن الانتماء والتكامل والانسجام والانفصال والصدام والعنف والدمار والاشتباك المسلّح والتهجير، بكل تلك الحالات التي اندمج فيها بين تداخلات ذاته الفردية والجماعية.

فدوره الصحفي ونشاطه في اقتناص الصورة دفعه لتكوين إرث بصري حوّل صوره تلك إلى مادة فنية حقيقية استطاعت أن تكون لوحات في حد ذاتها كما اندفع بها أكثر نحو التعبير التلقائي لتنتمي لأسلوب الواقعية المفرطة والفوتوغرافيا التعبيرية.

فالعلاقة بين الصورة ومقاييسها البصرية وجمالياتها استطاعت أن تمنح موقفه الفوتوغرافي حضورا فنيا من خلال الأطر التي حاكت الأزمنة والحضور العام وتراكم التفاعل المتداخل بين الأضواء والظلال وقراءة المفهوم في انفعالات الشخوص وحالاتها، فالصورة هي انعكاس الحياة وانقلاب الواقع عليها والتشبث باللقطة التي تتحدى الزمن لتكون الحدث والحديث وهي موهبة حرّكت تفاصيل التعامل معها. 

يعتبر الزيات أن الصورة استطاعت عبر الزمن أن تتحوّل في المعنى واكتسبت صفتها الفنية من خلال المتلقي لأن الفوتوغرافيا هي فن النظرة والرؤية والتبصر وهي منفذ الترحال عبر الأزمنة من الحاضر إلى الماضي وتفكيك دلالات التوافق والتناقض بين تلك الأزمنة.

*مجموعة من صور محمود الزيات:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

https://mahmoudzayat.wordpress.com/author/collectionartist/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق