ثقافة وفن

مأساة اللغة الأم مع الأبناء العاقين

بعد التخلي عن لغة الضاد : الميوعة بدأت تغطي الثقافة والتعليم بالعالم العربي

بوشعيب حمراوي

على هامش اليوم العالمي للغة الأم الذي يمضي يوم 21 فبراير من كل سنويا من نفس البرودة الثقافية والعقم اللغوي والإجهاض الأخلاقي والقيمي. لابد من إعادة طرح وتشريح أزمات الأدب والسلوك والتاريخ العربي المعاصر، وما تعيشه لغتنا الأم (العربية) من طعون غادرة. وما تتعرض له ثقافتنا العربية والإسلامية من تحريف وإذلال. وضرورة التنبيه إلى خطورة الانسلاخ اللغوي. والانخراط السلبي في مخطط  ترسيخ ثقافة رقمية تافهة ومدمرة للهوية والتاريخ العربي والإسلامي. عوالم رقمية لا نتملك مفاتحها، ونقضي معظم أوقاتنا في التصفح داخلها، وتخزين أرشيفنا والكشف عن حيواتنا الشخصية. والانجرار وراء ما تفرزه تلك العوالم نمن تفاهة وفساد تربوي وثقافي.     

من يؤرخ لأحداث الزمن المعاصر ؟

      كثيرا ما أقضي الساعات الطوال ليلا ونهارا أتساءل عن مستقبل هذا العالم الذي باتت أنفاسه تنفث الدخان والجمر. وعن مصير الطبيعة والحياة، في ضل تواجد وتوالد هذا الكائن البشري المصاب بجنون العظمة وسعار الانتقام، وهوس الريادة الواهية .. كثيرا ما أجدني اصطف إلى جانب من يعتقدون بقرب نهاية العالم… بل إنني أتمنى تلك النهاية، وأقبل بأدلة وحجج وقرائن المنجمين والمتدينين والمتطفلين، التي يستدلون بها للتأكيد على قرب الزوال… طمعا في وقف مسلسل الحروب والاستنزاف المجاني للدماء البشرية..

ما يبدو  واضحا بجلاء أن لا أحد بات يفكر في مصير الأجيال القادمة. وأن الإنسان قد ضغط على زر التدمير الذاتي. وجلس يعد الدقائق والساعات في انتظار الرحيل الأكبر.. أجدني حائر في نوعية هذا البشري الذي يستبيح ذبح بني فصيلته. ويقضي السنوات في البحث عن الطرق والأساليب والآليات الكفيلة بتوسيع المجازر البشرية. عوض الدفع في تجاه التسامح والتصالح والتآخي.. وسط هؤلاء أبحث عن هوية فئة المؤرخات والمؤرخين النزهاء والشرفاء المرتقبين، الذين بإمكانهم كتابة تاريخ العالم المعاصر بكل صدق وأمانة. وصيانته من التحريف والتلفيف والتضليل. وتخطي الدمار الشامل الجاري بعدة مناطق بالعالم، وحمايته من الكساد الأخلاقي.  والصمود أمام ملايين الكتاب والمدونين والأجهزة والهيئات السرية والعلنية التي تسوق بعشوائية وخبث للأحداث والوقائع في العالمين الافتراضي والواقعي. وتدعي المعرفة الكاملة والقناعة التامة بكل تفاصيلها وأسبابها وتداعياتها.

أتساءل هل لهم القدرة للوصول إلى حقائق الأمور في ضل تلوينات الكذب وتجلياته وتضاعف عدد محترفيه. بعالم بات يسكنه آدميون مخلصون للإجرام ومتواعدون على التنكيل بالبشرية والحياة.

     أتساءل كيف يمكن لمؤرخ أن يستقي الخبر الصحيح والإحاطة بكل تفاصيله. وسط عالم بات قادر على أن يقر و يثبت بأن الخبر صحيح وزائف في آن واحد. وأنه لا ثقة في الأدلة والقرائن والمصادر الرسمية . وكيف يمكنه إقناع الأجيال القادمة بصدق وصحة رواياته، وسط آلاف الروايات التي يتم تسويقها في كتب ومجلدات ومواقع الكترونية واجتماعية، من طرف من برعوا في الإقناع والإغواء. بعالم لا يتردد في منح جوائز السلام لمجرمي الحروب والتوثيق لمنجزات ومبادرات خيالية نسجت بخيوط الوهم والتضليل.   

لم نكن يوما مقتنعين بما جادت به كتب التاريخ والجغرافية والفلسفة والأدب والسياسة والدين .. ولم نكن أبدا على وفاق مع كل مضامين تركة هؤلاء المؤلفين والمؤرخين والفقهاء. رغم ما رسخ في عقولنا بالمدارس والثانويات والجامعات.  لسبب بسيط ، يكمن في أن معظم هؤلاء لم يكونوا يوما من عامة الشعوب، ولا ممن عايشوا أبنائها وأنصتوا لنبضات قلوبهم.. فقد كانوا يكتبون بالمقابل المادي والمعنوي، وفق التعليمات والمصالح التي تخدم الحكام والزعماء والقادة ورواد التطرف والاختلاف العرقي والعقائدي.. وكانوا لا يجدون حرجا في حذف المعلومات الصحيحة أو تغييرها بأخرى مغلوطة، أو حتى إحراق كتبهم إرضاء لأولياء نعمهم.  لكن الشعوب كانت تكذب الكثير مما دونته أقلامهم. وضلت لعدة عقود ولازالت، تختزن الأسرار والحقائق، داخل العقول والقلوب والمنازل والمسالك والشعاب.. وعلى أجزاء مختلفة من أجساد أبنائها. والكثير من تلك الأسرار والحقائق التي لازالت تتناقلها الأجيال، تؤكد زيف بعض المؤرخين وادعاءاتهم الباطلة.. وظلمهم لتاريخ الشعوب وأمجاد رموزه الحقيقيين…                                                                              نحن إذن أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما. إما القبول بخيار الاحتضار القائم، وانتظار نهاية العالم الوشيكة. التي ليست في حاجة للتنجيم أو الفقه أو الدجل من أجل تبيانها. أو خيار الإسراع بترسيخ روح الإنسانية بجسد كل بشري حاقد، أو منتقم، وجعله يرفع إصبعه عن زر التدمير الذاتي للحياة. وفتح المجال للمؤرخات والمؤرخين من عامة الشعوب لكتابة التاريخ المعاصر وتصحيح ما أمكن من تفاهات الماضي المسيئة للآباء والأجداد، والمحبطة للأبناء والأحفاد.

فالشعوب لن ترتقي في ضل تواجد تاريخ مغلوط لا ينصفها. والأجيال لن تنهض في ضل غياب القدوة الصحيح والقائد الصريح. ونزاهة الأنظمة ونهضة الشعوب تقاس بمدى مصداقية تاريخها.

جريمة التخلي عن اللغة العربية

إن أكبر جريمة ترتكب في حق مستقبل العرب دولا وشعوبا هي جريمة التخلي عن اللغة العربية كلغة للعلم واللجوء إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية. لأن بإبعاد اللغة العربية من المجالات العلمية، سيتم التخلي عن الهوية العربية والإسلامية، ومحو البصمة المميزة لشعوبنا وطي تاريخنا العريق. علما أنه تم إبعاد اللغة العربية من واقع الشعوب المعاش. بعدما أصبحنا نتواصل ونكتب ونبدع ونؤرخ بلغة عربية بعيدة عن لغة القرآن. وبعدما جردنا اللغة العربية من إشارات التدقيق اللغوي وتلويناتها وحركاتها. واخترنا استعمال لهجات بكلمات وتفاهات مزجت اللغة العربية بكلمات مقتبسة من لغات استعمارية.

لن أتحدث هنا عن تاريخ العرب والأمازيغ، ولا عن التاريخ الإسلامي وحمولته الفكرية والعلمية والروحية والعقائدية. ولا عن التطور والنماء العربي المبني أساسا على ركام العقول العربية والأمازيغية والإسلامية. لكنني سأكتفي بالتذكير أن التطور العلمي لا يفرض بالضرورة استعارة لغة تواصل أجنبية، وأن هناك دولا تعاني قصورا لغويا، لكنها لم تلجأ إلى استعارة لغات أخرى. بل واظبت واجتهدت من أجل تطوير لغاتها الأصلية.  وبنت بقصورها اللغوي آليات للتنمية، مكنتها من بناء قصورا وأمجادا. والنماذج هناك  في اليابان والصين والهند وتركيا والكوريتين الشمالية والجنوبية وألخ. سأكتفي بتذكيرهم بأن العيب ليس في اللغة العربية وأن العيب فينا نحن. لأن من يريدون (التخلي عن اللغة العربية)، لا يهمهم مصالحنا بقدر ما يهمهم تنفيذ الأوامر والتعليمات، التي تهدف إلى إبقاء دولنا وأنظمتنا تحت رحمة الاستعمار الفكري. سأكتفي بالتأكيد لكم أن المغرب مثلا لم يعرف يوما عملية تعريب للمواد العلمية التعليمية. وأن ما تم تطبيقه من (تعريب وتعميم ومغربة) بالتعليم المدرسي، هو فقط محاولات لتمييع التعليم، وإتلاف جذوره وبنيانه وأهدافه. كانت زراعة ببدور فاسدة، من أجل الحصول على أجيال مستهلكة فقط… كان الهدف من هذا المخطط هو إقناع المغاربة بأن اللغة العربية غير جديرة بتعليم المغاربة العلوم والتقنيات.. وهذا ما وقع فعلا.. حيث أصبح العديد من المغاربة من عموم الشعب، ينادون بتدريس أطفالهم باللغة الفرنسية. ليدركوا ما أدركه أبناء وبنات الأثرياء والنافذين من فرص للعمل والشغل والاستثمار..

سأكتفي بالكشف لكم عن بعض الحجج والقرائن، التي تؤكد أن (عملية التعريب كانت فاسدة).

أولها : عند تعريب المواد العلمية في عهد (صاحب المبادرة)، وزير التعليم حينها عز الدين العراقي. عمد المشرفون على عملية تعريب الكتب والمناهج. إلى إلغاء المناهج الفرنسية التي كانت عصارة علماء وباحثين تربويين ومتخصصين. وعرضوا مقررات لكتب مدرسية، تفتقد لكل المقومات الديداكتيكية، كما تفتقد للترابط المنطقي والتسلسل المعرفي..

بل الأفظع من هذا أنهم استغنوا عما يعرف ب(المفاهيم العامة)، في التعريف ببعض المواضيع والنتائج والخصائص العلمية، واكتفوا بعرض مجموعة من الأمثلة فقط لكل مفهوم علمي. مما أبقى على ضبابية المفاهيم العلمية. وأدى إلى اكتساب التلاميذ معارف علمية مشتتة وغامضة. ورسخ في أذهانهم فراغات وثقوب علمية.. تجعل المدرس (الأستاذ) غير قادر على تشخيص وضعية التلميذ ومستوى ذكائه، رغم تعريضه لعدة اختبارات علمية. بل قد تجد تلميذا يفك لغزا أو تمرينا قد يصعب على من هم أعلاه في المستوى الدراسي. لكن بالمقابل تجده يقوم بأخطاء قد تصنفه ضمن خانة البلداء. 

ثانيها : قامت وزارة التعليم بإحداث أو صنع مئات المفردات، من أجل ترجمة المفردات الفرنسية واللاتينية العلمية… مفردات قد تجد لها معان أخرى في اللغة العربية المتداولة.

مفردات يرغم التلميذ على حفظها وفهم معانيها والتواصل بواسطتها في كل المواد العلمية بالتعليم الابتدائي والثانوي بسلكيه الإعدادي والتأهيلي.. لكن التلميذ مطالب بالاستغناء عنها بمجرد ما ينال شهادة البكالوريا شهر يونيو أو يوليوز.. وأن يبدأ رحلة البحث عن ترجمتها باللغة الفرنسية، من أجل متابعة التعليم العالي بالكليات والمدارس والمعاهد العلمية المفرنسة. رحلة البحث مدتها حوالي شهرين فقط. حيث ناذرا ما يوفق الطلبة في استيعابها، وهو ما يسبب فشلهم الدراسي بالتعليم العالي.

ما يؤسف له، أن تجد أن بلدان عربية، تقوم بتعريب موادها العلمية في التدريس. بدون أدنى تنسيق أو تدارس جماعي. والنتيجة أن هناك رياضيات عربية مغربية، وهناك رياضيات عربية مصرية، وهناك رياضيات عربية سورية.. ومثلها في باقي المواد التعليمية العلمية والتقنية. وكان بالإمكان التأسيس لمعهد عربي جهوي دائم للترجمة. ما يؤسف له أن تقرأ كلمة في مادة علمية بمعنى محدد، وأن تجد لتلك الكلمة معنى آخر. كالحديث عن اللاعب رقم 16 أو 11.. أمام تلميذ درس في الرياضيات، أن الأرقام هي من 0 إلى 9 فقط، وأن ما فوق الرقم تسعة، هي أعداد مكون من أرقام. ما يؤسف له أن الآلية العلمية والركيزة الأساسية لتعليم العلوم والتقنيات، هي درس المنطق. الذي يعرف التلميذ بالروابط المنطقية، وأنواع البرهان. وغيرها من آليات التعامل مع الأوضاع والتمارين والمسائل العلمية. إلا أن درس المنطق لا يدرسه التلميذ إلا بالمستوى الأولى ثانوي. بمعنى أن التلميذ قبل مستوى الأولى ثانوي كان يتلقى تعليما علميا عشوائيا بلا منطق.  ما يؤسف له أن مادة الفلسفة التي اعتبرها العلماء والعباقرة عبر التاريخ، هي أم العلوم. لم تلحق في عهدنا مقام خادم أو (خماس) العلوم. الفلسفة الآن ليس سوى مجموعة دروس تميل أكثر إلى كل ما هو أدبي تبليدي أو تلقيني.. حيث يجبر التلاميذ على سياسة الشحن والتفريغ. بعيدا عن أية وسائل تمكنهم من الإبداع والاجتهاد. أم العلوم لا من يهتم بها سواء  في صفوف (التلاميذ ذوي الميولات العلمية والتقنية)، أو (التلاميذ المحسوبين على شعب الآداب والعلوم الإنسانية)…

كثيرة هي الأسباب التي تؤكد بالملموس أن المغرب ومعه مجموعة من الدول، لم تعرف تعريبا للتعليم. وهو ما يفرض علينا أن نرفض التخلي عن اللغة العربية من أجل اللغة الفرنسية مثلا التي هي بالأساس لم تعد لغة علم ولا أدب، ولا حتى لغة الأنس. لم تعد لها مكانة في العالم المعاصر. بل إنها لغة تسعى إلى الانتعاش والاسترخاء والتوسع على حساب اللغة العربية، التي يدرك الكل أنها أقوى لغة في العالم، لكن للأسف بقدر قوتها، بقدر ضعف وجبن من خلقت لأجلهم.  ولا حتى اللغة الإنجليزية التي لا تعترف بالجنسية ولكنها تصنف البشر وفق الهوية.  تلكم رسالتي التي توضح بجلاء أنني  براء من جريمة التخلي عن اللغة العربية.                     

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق