ثقافة وفن

التجريب المُلون للخيال تأويل فني لصخب الفكرة

تجربة التشكيلي منير العيد

بشرى بن فاطمة

ألوان وتأويلات رموز وتراكمات مُثيرة للجدل وتداخلات لانفعالات صاخبة بفرح، يُهيّأ المتلقي لاستقبال رؤى فلسفية حسيّة وجمالية وفنية متفرّدة في تعبيراتها الحرّة، اختارها التشكيلي منير العيد حتى يندفع بها نحو رؤاه ويتوافق معها بحكمة تسرّ الناظرين وتستفز الباحثين عن منطق اللون وهو يترنّح بين التقبّل السطحي والتعمّق الفني في روح الإنسانية وهي تتخبّط باحثة عن أجوبة مقنعة لوجودها في واقعها الصارخ بالتناقضات، فيطرح أسئلة البحث المعنوي عن قراءة الألوان والتعمّق المنطقي في غرائبية الملامح في تلك الشخصيات التي تستميل المتلقي إلى عوالم أخرى.

فقد حمل منير العيد وعيه البصري الناضج ونثره على فراغ اللوحة وداعب خياله وذاكرته وإرثه البصري والأدبي والإنساني واستدعى شخصياته ومنحها أدوارها حتى تستفيض من الحكاية تمرّدها وتلتمس من الحالات الفوضوية والمرتّبة والغريبة رموزها وعلاماتها وإشاراتها التي تميّز حضورها وتستقرئ مقاصد الرؤى البصرية ودلالتها المتمرّدة على السائد بالعادات وعلى المنطق بالخيال الغرائبي الدافع بالخرافة والارث الأدبي الخيالي في حكاياته الخارقة التي تستدرج المتلقي لتجاوز الشكل المنطقي بالاندفاع نحو الماورائي للشكل والصورة.

إن الألوان وجدلها الواسع ومداها الفاقع المتعالي على منطق اللون الكلاسيكي حاول العيد أن يغوص رمزيا ليدمج خياله بخيال المتلقي ويستدرجه نحو متعة غريبة تستنطق الشخوص وتحاورها لتنطلق نحو عوالم حافلة بالزخم الكثيف والحواس الناطقة والتأملات التي تقع بين مرحلتين.

فكأن العيد أراد أن يثبت للمتلقي قدرته على توظيف روح الفن المعاصر في خدمة الزوايا الثابتة في التراث العربي تلك التي تعيد قصص الحكواتي وتستنزف خيالنا اللاهث وراء التصورات التي تكاد تتمازج بين تكعيبية ورمزية وتستثير الكاريكاتير في تطرّفه الفني على حجم الشكل والمبالغة في تكبير عيوبه الشكلية، فاللون الذي اعتمده العيد استطاع أن يتفوّق على المنطق في دلالاته من خلال جدلياته التي حاولت أن ترتقي بالإرادة الجمالية للفنان في إشعاعاتها وسطوعها خاصة مع انتساباتها للعلامات التي قدّمت لها دلالاتها التفسيرية ومرحها الهادف بحيوية تعقلن التأويل واقعيا وتبرّر التحرّر المنعتق من فضاءاته المجرّدة والجامدة.

فلا يمكن أن تقع عينك على عمل من أعمال التشكيلي السوري منير العيد دون أن يتملّكك اللون وتستثيرك حكمة تشكيله وصياغته وتطويعه بتلك الكثافة الزاهية والتمازج البهيج، فتذهب أبعد في محاولات الفهم التي تحيل أولا وأخيرا على جمال من نوع خاص له في كل زوايا التصور نكهة وعبرة وعبور آخر نحو منافذ فرح قادر على البقاء والحضور والإنسانية في تداخل كل تلك الألوان والزخارف والخطوط والأشكال والملامح الغارقة في عوالمها وقصصها.

فهو يستلهم حكمته البصرية من خلالها ليعتبر أن الفن الذي يقدّمه يُحدّد وجوده ويستميله أكثر للاستمرار أبعد حيث العوالم التي يتنقل فيها صاخبة باللون وصخبها البهي قادر على تركيع الواقع المُعتم واستدراج تفاصيله أبعد في الاشراق بالحياة التي تليق بالإنسان وبحثه الدائم عن الأمان والأمل، فهناك يرى اللون بعمق قادر على احتواء الموضوع والمفهوم والعناصر، لأنه يترنّح مع الفكرة في عمقه ليساكن البساطة والمرح الظاهر فيها ويسرّبه للمتلقي فيتفاعل معه ويتواصل بكل حواسه وخياله.

فالأعمال التي يقدّمها لها طرافة الحضور في شخوصها التي يبالغ في استنطاق مكامنها وعمقها الشعوري والمشهدي وعلاقاتها فتكون قابلة للتحاور والتحوير وفق المساحات اللونية والتفاصيل الحسية التي تظهر بتلقائية صريحة في تلك الألوان وفي الشكل لتحاكي الانفعالات وتستثير الطبيعة في تناغماته العامة لونا ومشاهد وواقعا وخيالا في تفاصيلها المتداخلة بين هدوئها وصخبها وهو ما يخلق لديه التفرّد والتميّز في طرح مواقفه الفنية من خلاله شخوصه وثباتها وامتثالها لوجودها. 

يوازي منير العيد بين القصة والموضوع ويستشرفه أبعد لذلك يفعّل كل عناصره التشكيلية لطرح موقفه بصريا، فهو يتماهى مع كل عمل مثل طفل يكتشف العالم المتداخل للصور ويداعب الألوان بنضج وبحكمة فرض عليها التعايش مع الطبيعة وتناقضاتها المتوازنة بتآلف وتبصّر وتأمل يستميل كل الحواس لديها ولدى عناصره البصرية في العمل الفني ولعل هذا ما اكتسبه من عوالم الطفل وهو يتعامل مع الرسم بسذاجة معبّرة وبألوان عميقة في مدلولها البصري النفسي والعاطفي.

فالفن العفوي شكّل محورا دارت في فلكه شخوصه ببساطة استطاعت أن تحرّضه على التعبير وفقها كمنهج طيّع ومُطيع للتوافق والتآلف والتكامل الحر مع الصيغ البصرية ذات المعاني الحسية الصادقة والإنسانية المُعبّرة، ولذلك أحكم توليفاته بين الأمكنة والأزمنة وحتى أبعد من خلال تراثه البصري ومن خلال الزخرف والنقوش الداخلية للعمق الفني للوحة في الخطوط ومنحنياتها الباحثة عن مسارات الأمل في الحرف وتشكّلاته الحسية ومدى تثبيته للهوية والانتماء حتى يكتمل بالوعي والحس القادر على تمكينه من استقبال مشاعره وفق الآليات التي يصيغها بها.

ولعل هذا التوافق خلق ألفة بينه وبين الحالات التي يعبّر عنها فمهما كانت غارقة في سوداويتها وعتمة القهر المحيط بها حاول أن ينتشلها ويتجاوز عنها السواد ويتقمّص معها حضورها في عمق الكون والحياة ما منح حضورها بهاء وحركة واستدراجا للعمق ترويضا لفراغ البحث عن المنافذ لأنه يستطيع صياغتها بين لون ولون وتلك الغرابة التي قد تتحكم في الأحجام والحضور والتمركز بتوظيف أسلوبه الفني الذي قد يضخّم الوجود الفرح في الحياة ويقزّم العقبات ويستنطق العلامات بالحرف والزخرف حتى تتكوّن لديه اللوحة بكل ما فيها من توافق حسي.

*الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق